سياسة قبول مثيرة للجدل بجامعة «هارفارد»

سياسة قبول مثيرة للجدل بجامعة «هارفارد»

الثلاثاء - 19 صفر 1440 هـ - 30 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14581]
لا يخفى على أحد السبب وراء ما يقدمه المحافظون من دعم مالي وسياسي للأميركيين الآسيويين الذين يقاضون جامعة «هارفارد» بسبب التمييز في اختبارات القبول. إنهم يريدون التصدي للتمييز الإيجابي ليحل محله نظام «لا يفرق بين الأعراق».
إذا كنت ترغب في إلغاء التمييز في اختبارات القبول بالجامعات، فالأقليات الممثلة بشكل ضعيف ليست سوى جزء صغير من المشكلة، حيث يتم منح الامتيازات الكبرى إلى أبناء الخريجين الذين تزداد احتمالات التحاقهم بالجامعة بمقدار خمسة أمثال، مقارنة بغيرهم. وقد أشار المدّعون، الذين يتهمون الجامعة النخبوية بالتمييز، في محاكمة فيدرالية في بوسطن خلال الأسبوع الحالي، إلى أن إلغاء ما يطلق عليها تفضيلات التوريث قد يكون طريقة لتوسيع نطاق القبول في الجامعة والحفاظ على تنوع الطلبة حتى دون وجود تمييز إيجابي.
ويمثل «الطلبة ورثة الخريجين» حالياً نحو ثلث الدفعة القادمة في جامعة «هارفارد» مع وجود أعداد مماثلة في جامعات نخبوية أخرى. كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؛ وراء ذلك قصة غريبة تثير تساؤلات عميقة بشأن هدف ومستقبل القبول في مؤسسات التعليم الجامعي.
أول كلية واجهت تلك المشكلة في القرن التاسع عشر كانت الأكاديمية العسكرية الأميركية، التي تأسست عام 1802 وسرعان ما حققت نمواً وازدهاراً، لكن جعل تحديد سقف حجم الدفعات المقبول الالتحاق بها أمراً انتقائياً، وازداد انتقائية يوماً بعد يوم. في عام 1818 ناقش الكونغرس مشروع قانون يمنح أبناء المحاربين القدامى، الذين تم قتلهم في حرب 1812، فرصة تلقي معاملة مميزة فيما يتعلق بالالتحاق بـ«ويست بوينت». وتم معارضة مشروع القانون بشدة، حيث صرح أحد أعضاء الكونغرس بأن ذلك «سوف يتسبب في خلق نظام قائم على التمييز في البلاد»، في حين حذر عضو آخر من هذه السياسة لأنها سوف تفسد رسالة الأكاديمية المتمثلة في اختيار «الأصلح والأكثر جدارة»، ولم يتم تمرير مشروع القانون.
مع ذلك ظلت المخاوف من التلاعب بعمليات القبول تطارد المؤسسة. في عام 1841 حذر ألدن باتريدج، ضابط الشرطة رفيع المستوى السابق، من قيام «ويست بوينت» بإنشاء أرستقراطية «أصبحت بالفعل إلى حد كبير قائمة على الوراثة». وفي عام 1843 نصّ الكونغرس على أن ترسل كل منطقة جغرافية ودائرة انتخابية طالباً واحداً إلى «ويست بوينت». كان من الضروري ترشيح أعضاء في الكونغرس للمتقدمين، وخلال العقود التالية بدأ كثير من السياسيين إجراء اختبارات تنافسية للمتقدمين المحتملين مما جعل عملية القبول أكثر انتقائية، وتتطلب قدراً أكبر من الجدارة والاستحقاق.
على الجانب الآخر، لم تعانِ الكليات والجامعات الخاصة من تلك المشكلة لأنه يتم قبول أي شخص وفقاً لمعايير محددة مثل إجادة اللاتينية واليونانية. وكان ذلك يضمن فعلياً عدم تقدم أي شخص لا ينتمي إلى النخبة ويضمن لأبناء الخريجين أماكن في تلك الجامعات.
في بداية القرن التاسع عشر بدأ تشارلز إليوت، رئيس الجامعة الأرستقراطي، في توسيع نطاق القبول بالجامعة بحيث يتجاوز النخبة. وكما أشار المؤرخ جيروم كارابيل، ألغى إليوت إجادة اللغة اليونانية كشرط من شروط الالتحاق، وكذلك ألغى لاحقاً إجادة اللاتينية أيضاً في ظروف خاصة. وسرعان ما بدأت جامعة «هارفارد» في قبول عدد أكبر من الطلبة من المدارس الحكومية الذين تم السماح لهم بالتنافس من أجل الحصول على منح دراسية للالتحاق بالجامعة. ونجحت تلك الجهود الرامية إلى رفع معايير القبول والتحاق الأفضل والأذكى، عوضاً عن «أبناء الأثرياء الأغبياء» كما كان إليوت يقول بشكل لاذع. وباتت «هارفارد» أكثر شمولاً، وازداد بها عدد الطلبة الموهوبين ذوي الخلفيات الثقافية المتعددة.
مع ذلك بدأت كليات وجامعات خاصة أخرى في تبني هذا النهج، وكان لذلك تأثير غير متوقع. ازداد عدد الطلبة اليهود القادمين من المدارس الحكومية الذين تفوقوا في الاختبارات، وحصلوا على المنح الدراسية، وتزايد وجودهم الملحوظ في الحرم الجامعي. وبدأت النخبة من البروتستانت، الذين كانوا يديرون الكليات النخبوية، في التذمر من «المشكلة اليهودية»، أو ما أطلق عليه البعض «الغزو العبري». لذا قاموا بتحديد عدد الطلبة اليهود المتقدمين للالتحاق بكليات معينة، لكن لم يفلح ذلك في خفض عدد الطلبة اليهود بل غيّر التوزيع الجغرافي فحسب.
مع الأسف تفاقم الموقف تجاه اليهود، وتزايد عدد الخريجين الذين هددوا بإلحاق أبنائهم بجامعات أخرى مما دفع جامعة «هارفارد» إلى التخلي عن اختبارات القبول الخاصة بالمنح فقط، وطبقت طريقة غير موضوعية أخرى تستند إلى تقييم الصفات الشخصية والقدرات الرياضية. في الوقت ذاته اعتمدت الجامعة طريقة قبول انتقائية، حيث لم يعد التفوق في اختبار الالتحاق كافياً، بل على الطالب المتقدم التمتع بما يصفه طلبة المدارس الفرنسية بعبارة «أنا متميز ومختلف».
صاحبت تلك الخطوة سياسة ضمنية أو معلنة تقضي بتفضيل أبناء الخريجين. على سبيل المثال في عام 1925 صوّت مجلس القبول بجامعة «ييل» على أن «القيد الجديد المتمثل في الحد من عدد الطلبة لن يتسبب في استبعاد أي ابن لخريج (ييل) يلبي متطلبات القبول كافة». بعد ذلك ببضع سنوات تم الإضافة إلى تلك السياسة المزيد من القواعد التي تلزم المتقدمين من غير أبناء الخريجين بالحصول على درجات أكبر في اختبارات القبول.
وبدأ الطلبة «ورثة الخريجين» هنا وفي كل مكان يحلون محل الطلبة اليهود، وهو نمط استمر إلى حقبة ما بعد الحرب. على سبيل المثال قال ويلبور بيندر، رئيس اختبارات القبول في «هارفارد» في عام 1949: «نحن نميز في سياسة القبول بالجامعة وآمل أن نظل كذلك». وامتد ذلك التمييز إلى كل الجامعات النخبوية، وتم منح الطلبة ورثة الخريجين الأفضلية، مما اضطر غيرهم إلى التنافس والتباري على المقاعد المتبقية. مع ذلك بداية من الستينات شجعت الدعوات إلى توسيع نطاق قبول الطلبة بعض الجامعات على خفض عدد أبناء الخريجين المقبولين من أجل تحقيق التنوع في صفوف الطلبة.
على الجانب الآخر، أثارت تلك السياسات، خاصة المتبعة في «برينتسون» و«ييل»، رد فعل مريراً في صفوف الخريجين البارزين. وقاد ويليام باكلي في «ييل» تلك الجهود، وأعلن أسفه على الجامعة التي لم تعد «المكان الذي يمكن لأفراد عائلتك الالتحاق به لأجيال». وكان باكلي يعرب عن حسرته بوجه خاص من أن «الأميركي من أصل مكسيكي القادم من مدرسة (إل باسو) الثانوية والحاصل على درجات مماثلة في اختبارات الإنجاز، وتوصيات مكافئة من المديرين كان لديه فرصة أفضل في الالتحاق بجامعة (ييل)، مقارنة بجوناثان إدواردز السادس عشر من مدرسة سانت بول».
مع تصاعد ثورة الخريجين، وعلى عكس «ويست بوينت» التي تعتمد كثيراً على المصروفات والتبرعات، تراجعت «ييل» وغيرها من الجامعات عن محاولات التصدي لقبول أبناء الخريجين. ولم تصبح الجامعات الخاصة مؤسسات قائمة على الجدارة بشكل خالص على النحو الذي أضحت عليه الأكاديمية العسكرية. على العكس من ذلك تبنت استراتيجية لا تزال مطبقة حتى يومنا هذا وهي: الاحتفاظ للطلبة ورثة الخريجين بربع أو ثلث المقاعد مع حفظ المقاعد الباقية لمن يساعد في تحقيق ذلك التنوع والانتقائية اللذين لن يحققهما الطلبة أبناء الخريجين. وسيظل ذلك الصراع بين التوجهين، وهما قبول ما يكفي من الطلبة الورثة لإرضاء الخريجين، وقبول ما يكفي من الطلبة غير التقليديين للتمكن من الزعم بأنهم ممثلون، قائماً.
مع ذلك، جدير بالذكر أنه لم تظهر أي من تلك الدائرتين قبل محاولات تطبيق الديمقراطية في المؤسسات النخبوية. يجمع بين التمييز والدمج تاريخ مشترك، فقد ظهر الاثنان معاً تقريباً. رغم ذلك من المرجح أن تظل الدعاوى القضائية قائمة في المستقبل القريب.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة