الحصانة البرلمانية والسلطة الرابعة

الحصانة البرلمانية والسلطة الرابعة

الأحد - 17 صفر 1440 هـ - 28 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14579]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.
ضجة سياسية قانونية تطرح أسئلة دستورية عميقة، في بريطانيا، التي لا دستور مكتوباً لديها، بل هو عرفي تاريخي من تراكم وثائق، أقدمها أشهر وأول ميثاق بين الحاكم والشعب «الماغنا كارتا» التي وقّعها الملك جون في 1215، وما سبقتها وتبعتها من ممارسات، وتقاليد، وقوانين صاغها البرلمان أو سوابق أحكام قضائية على مدى ألف عام. القضية تفيد قراءنا في المقارنة بين محاولات الإصلاح في بلدان انتفاضات عام 2011، وتلك التي اختارت استمرار الاستقرار والتقدم نحو الإصلاح ولو بخطوات بسيطة.
الزوبعة أثارها اللورد هين. بيتر هين، من مواليد كينيا، انتقلت أسرته إلى اتحاد جنوب أفريقيا، ثم هاجرت إلى بريطانيا وهو في السابعة عشرة، وتدرج في صفوف حزب العمال كعنصر أساسي في الحركة التي قاومت نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، بسبب ما شاهدته أسرته من ظلم اشتمل على تفتيش غرفته وهو طفل في الحادية عشرة في ظلام الليل. كان وزيراً في حكومة العمال، بحقائب مختلفة، لتسعة أعوام. عُيِّن في مجلس اللوردات بعد خسارة العمال للانتخابات في عام 2010 بالتقليد الذي يمنح رئيس الوزراء عند انتهاء مدته في داوننغ ستريت امتياز تقديم أسماء للقصر تعيّنهم الملكة في مجلس اللوردات.
خلفيته تلقي الضوء على دوافعه السياسية كناشط مخضرم في اليسار الأممي ويسعى لـ«تطبيق العدالة»، كما يراها من منظور ثوري، حيث اختبر في مطلع حياته في جنوب أفريقيا تغيير القوانين الظالمة بالعمل الثوري لا بمحاكم القضاء.
اللورد هين استخدم الامتياز الخصوصي البرلماني (parliamentary privilege) -وهو امتياز برلماني لا يستخدم إلا نادراً- لتحدي حكم قضائي.
اللورد هين نطق باسم رجل الأعمال السير فيليب غرين، رغم إصدار المحكمة العليا أمراً قضائياً يمنع صحيفة «الديلي تليغراف» أو أي جهة أخرى من الإفصاح عن اسمه، في قضية تتعلق باتهامات بالعنصرية والتحرش الجنسي بالعاملات في بعض مؤسساته التي يمتلك منها الكثير.
فقهاء القانون تقدمهم ديميان غريفيز، وكان المحامي العام للحكومة في وزارة ديفيد كاميرون في حكومة الائتلاف (2010 - 2015)، أدانوا تصرف اللورد هين وهو خبير بالممارسات والتقاليد واللوائح البرلمانية، فقد كان نائباً في مجلس العموم لأربعة وعشرين عاماً. هين لم يوظِّف الأداة البرلمانية للغرض الدستوري الذي أُنشئت من أجله (لمنح البرلمانيين حرية التعبير وطرح القضية للنقاش دون الخوف من هراوة القانون) وإنما لأهداف سياسية لا علاقة لها بالبرلمان.
انحاز عدد من البرلمانيين والساسة، كلهم تقريباً من التيار اليساري الاشتراكي، والنسويات؛ الذين يجاهرون بالعداء لشخصيات كالسير فيليب غرين (انطلاقاً من العداء الطبقي في النظرية الماركسية)؛ لأن «ثروته مكّنته من توظيف كبار المحامين لمنع الصحافة من نشر اسمه»، وهو امتياز طبقي غير متاح للفقراء. اللورد هين يبرر تصرفه بالصالح العام لفضح شخصية عامة، مطالباً بنزع لقب «السير» منه.
اللورد غرين سيقدم شكوى غداً إلى اللورد فولر، رئيس مجلس اللوردات ضد اللورد هين لخرقه الوائح البرلمانية. هين يعمل مستشاراً بأجر عند مكتب المحاماة الذي مثّل «الديلي تليغراف» في القضية، أي أنه خصمٌ في القضية.
قول هين إنه لم يعلم أن الجهة التي يعمل مستشاراً لها وكّلتها الـ«تليغراف»، يبيّن أنه لم يقرأ أوراق القضية لأن غلاف الملف من مكتب المحاماة.
محامي الحكومة السابق غريفيز وفقهاء القانون يحذّرون من إساءة توظيف اللورد هين الحصانة البرلمانية، مما قد تؤدي إلى تغير دستوري يرفعها عن البرلمانيين.
القضية تتعلق باتفاق كتمان السرية أو عدم التصريح بتفاصيل الخلاف عند تسوية قضية بين طرفين دون اللجوء إلى القضاء. والاتفاقية وُقِّعت، قبل سنوات، بين مؤسسات غرين وخمس موظفات سابقات (مقابل مبالغ باهظة تضمن لهن حياة مريحة) اشتكين من التحرش الجنسي الذي اختُلف تعريفه اليوم عما عُرف لعقود طويلة. فقد اختطفت الحركة النسوية، وهي آيديولوجية سياسية، ظاهرة اجتماعية أخلاقية، وهي التحرش الجنسي، لتوظيف الظاهرة لأهداف آيديولوجية بتسييسها. وتطور التعريف من التعدي باللمس أو القول غير الحسن على أنثى، ليصبح، بتعريف النسويات لا صاحبة الشكوى «تعبيراً غير مرغوب أو بلا إذن من المستهدفة»، كتصفير مراهق إعجاباً من نافذة، أو تعبير زميل عمل عن تغييرها الزي أو دعوتها على فنجان شاي. بل دعت بعض النسويات هذا الأسبوع لمنع بيع كتب الحكايات الشعبية للأطفال «لأنها تتضمن دعوة خفية للتحرش الجنسي»، فحكايات كـ«الأميرة النائمة»، و«سندريلا»، و«ذات الرداء الأحمر والذئب»، تدينها النسويات لأن البطل فيها دائماً رجل شهم وسيم ينقذ الأميرة من الشرور دون إذن مسبق منها!
الحركة النسوية «#أنا أيضاً» التي انطلقت عقب الادعاءات النسائية ضد منتج هوليوود هارفي واينشتين، شجّعت العاملات السابقات في مؤسسات غرين على فضح أسرار الشكوى في الصحافة، خرقاً للاتفاقية الموقّعة، وثلاث منهن استجبن.
القضاء حكم لصالح غرين بحجب اسمه من النشر، لأن التعاقد على اتفاقية الكتمان كان بتراضي الطرفين، واثنتان منهن طلبتا من المحكمة إبقاء السرية حرصاً على سمعتيهما.
الدرس هنا أن الديمقراطية تعتمد التوازن والضوابط بين السلطات المنفصلة؛ التشريعية تقدم القوانين، أي البرلمان الذي يُخضع السلطة التنفيذية (الحكومة) للمحاسبة، والسلطة الثالثة القضاء المستقل، ولا يستثني أحداً حتى رئيس الحكومة نفسه من الخضوع لأحكامه وفق «الماغنا كارتا» التي تضمن أيضاً حرية الفرد وبراءته التامة إلى أن يثبت العكس في محكمة قانونية؛ والسير فيليب غرين لم يثبت عليه أي جرم أو مخالفة.
لكن الصحافة، السلطة الرابعة، في دعائم الديمقراطية (بجانب القضاء المستقل، والتشريعية البرلمانية، والحكومة التنفيذية) تُخضع الجميع للمحاسبة أمام الرأي العام؛ لكنها بدورها غير مستثناة من الخضوع لأحكام القضاء السارية على الجميع بلا استثناء.
هذه التوازنات والضوابط أود تقديمها للقراء في البلدان العربية الساعية للإصلاح والتطور. توازنات وضوابط الدعائم الأربع مظلة ديمقراطية لحرية الصحافة، فيجب ألا نحتفل بانتصار مؤقت يضمن للصحافة النشر، التفافاً على حكم قضائي؛ فقد يؤدي إلى تعديل دستوري يضعف الحصانة البرلمانية. فشرخ دعامة من الأربعة (القضاء) قد يؤدي إلى انهيار البنيان على رؤوسنا. وهنا يقع خطأ اللورد هين الذي اتضح أنه لم يطّلع حتى على أوراق القضية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة