لماذا بدأت الدول النامية في الاقتراب من الغرب؟

لماذا بدأت الدول النامية في الاقتراب من الغرب؟

الأحد - 10 صفر 1440 هـ - 21 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14572]
نوح سميث
كاتب في «بلومبيرغ»
شهدت العقود الثلاثة الماضية تغييراً هائلاً في طبيعة اقتصادات العالم. ومن أكثر ملامح ذلك التغيير إثارة للقلق والحيرة، أن فشل الدول الفقيرة في اللحاق بالدول المتقدمة قد تغير كلياً.
تقول نظرية النمو الأساسي إن الدول النامية يجب أن تنمو بوتيرة أسرع من الدول الغنية. ومن ضمن أسباب ذلك أن عائد رأس المال أخذ في التقلص، فكلما بنيت المزيد من المكاتب، وكان هناك المزيد من السيارات والمعدات وأجهزة الكومبيوتر، تقلصت الفائدة الاقتصادية، وارتفعت تكلفة صيانة كل ذلك. ثانياً، يمكن للدول الفقيرة النمو بوتيرة أسرع عن طريق استنساخ التكنولوجيا والأعمال التجارية من الدول الغنية، وهو إجراء أقل تكلفة وأسهل من اختراع تكنولوجيا وأعمال تجارية جديدة من الصفر.
لكن كما يحدث في الغالب في مجال الاقتصاد، فقد فشل الواقع في تطبيق ما تقوله النظريات. وقد وثّق الخبير الاقتصادي لانت بريتشيت ذلك بقوله إنه خلال الفترة من 1870 - 1990، زاد انعدام المساواة بين الدول، بأن ابتعدت المسافة بين أوروبا والولايات المتحدة واليابان وعدد قليل من الدول. بالطبع، فإن حدوث تلك الفجوة كان بسبب تأثير الاستعمار، حيث إنه من الصعب على دولة أن تنعم بالغني عندما تكون تحت إمرة دولة أخرى.
لكن حتى بعد جلاء الاستعمار، كافحت الدول لعقود طويلة للحاق بغيرها. وقد اكتشف خبيرا الاقتصاد روبرت بارو وزافير سالاي مارتن أنه خلال الفترة من 1960 - 1985، استمرت الدول الفقيرة في خسارة المزايا السابقة التي كانت تحصل عليها من الدول الغنية.
ببساطة، هل كانت نظرية النمو خاطئة؟ ربما. فجميع نظريات النمو تتضمن ما يعرف بـ«عامل التصحيح»، الذي يمثل القدرة الأساسية للدولة على الإنتاج: تعليم مواطنيها، ومستوى معاهدها السياسية، والحرب، والتدخل الحكومي الضار، وغيرها. ومع مراعاة كل هذه الأشياء، اكتشف بارو وسالاي مارتن أن الدول النامية قد لحقت بركب التقدم بالفعل، لكن المشكلة هي أن كثيراً من الدول الفقيرة قد وقعت في براثن الحرب الأهلية، أو أنها طبقت النظام الشيوعي، أو فشلت في توفير التعليم لأبنائها، مما قلل من شأن الهيئات المفترض أن تحافظ على النمو. وقد استقر خبراء الاقتصاد على الفكرة المزعجة التي تقول إن غالبية الدول الفقيرة لا تمتلك مقومات النمو سياسياً.
بعد ذلك، حدث شيء مدهش. فبعد فترة قصيرة من نشر بحث بارو وسالاي مارتن البارز عام 1992، بدا وكأن قصة النمو العالمي قد تغيرت. فكثير من الدول الفقيرة ازدادت ذبولاً في حقبة التسعينات بسبب انخفاض أسعار المواد الخام (الدول الفقيرة غالباً ما تصدر الموارد الطبيعية). والصين التي كانت تحاول تعويض ما فاتها منذ نهاية عهد زعيمها الراحل ماو تسي تونغ في السبعينات، شهدت تسارعاً في النمو في التسعينات. كذلك بدأت الهند وإندونيسيا في اللحاق بالركب، ويعود بعض الفضل إلى ما طبقته الدولتان من إصلاحات اقتصادية.
كذلك بدأ التباين بين الدول المتقدمة والنامية، حسبما أشار بارو وسالاي مارتن، يأخذ اتجاهاً عكسياً. فمنذ بداية حقبة التسعينات، بدأت الدول النامية في النمو بوتيرة أسرع من الدول المتقدمة. وكانت الوتيرة أسرع خارج أفريقيا بسبب سلسلة الحروب الدامية في حقبة التسعينات في القارة السمراء.
وفي بداية الألفية الثالثة، قفزت أسعار السلع، وبدأت الدول المصدرة للمواد الخام الطبيعية تنضم للموجة الجديدة من موجات النمو العالمي. وفي غصون ذلك، عملت الصين على تسريع وتيرة نموها مجدداً، بعد انضمامها إلى عضوية «منظمة التجارة العالمية» عام 2001، وما حققته من طفرة مهولة في نمو إنتاجها.
بعد ذلك، جاء الكساد الكبير الذي حل بالدول الغنية والدول الفقيرة على حد سواء، عندما ضربت الأزمة المالية مختلف دول العالم. لكن على العكس من الأزمات السابقة، لم تزدد معاناة الدول الفقيرة، واستمرت محاولات اللحاق، واستمر تراجع انعدام المساواة عالمياً.
الآن، وبعد مرور عقد كامل على الأزمة، شرع خبراء الاقتصاد في إعادة تقييم معتقداتهم التي لطالما آمنوا بها بشأن التقارب العالمي. وأخيراً، قام ديف باتال وجوستين ساندفور وأرفيند سوبارمانيان - جميعهم يعملون في «المركز العالمي للتنمية» - بالاطلاع على عدد من بيانات دخل الفرد السنوي بمختلف أنحاء العالم، واكتشفوا أنه بصرف النظر عن طبيعة الإجراء المتبع، فقد كانت العلاقة سلبية بين بداية الدخل والنمو اللاحق منذ التسعينات.
بمعنى آخر، فإن فكرة أن الدول الغنية تنمو أبطأ من الدول الفقيرة قد انتقلت من الخيال إلى الواقع. فلم تعد هناك حاجة للرجوع إلى نظريات الاقتصاد، بعد أن انتقلت النظرية إلى الأرض. ويبدو أن سياسات الحرب المقيتة، والمعاهد عديمة الجدوى التي أضرت بالدول النامية في منتصف القرن العشرين، كانت ظاهرة وقتية.
وكانت انعكاسات ذلك ضخمة على العالم، فمع النفوذ الاقتصادي يأتي الوزن الجيوسياسي: نفوذ القوى الاستعمارية القديمة سيتلاشي بوتيرة ثابتة، فيما ستتبوأ المستعمرات السابقة زعامة العالم.
وستقفز بعض الدول من مرتبة الدول النامية إلى مصاف الدول المتقدمة، مثلما فعلت كوريا الجنوبية بالفعل. وستستمر التجارة بين الأسواق الناشئة في الانتعاش لتتخطى الاقتصادات الغنية.
الأهم من ذلك كله هو أن العالم ببساطة سيكون مكاناً أكثر مساواة. فقد ذهبت إلى غير رجعة الأيام التي كانت فيها حفنة من الدول تتسيد باقي العالم استناداً إلى وهم أن بلادهم تملك خلطة سحرية لا يعرف سرها سواهم.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة