هناك بعض القصص والأفلام والصور التي إذا شاهدتها مرة تظل معك إلى الأبد، وتصبح جزءا من حياتك، فتستمر طوال عمرك حية في ذهنك أو في قلبك. على سبيل المثال منذ أربعين عاما ذهبت إلى السينما لمشاهدة فيلم «سبارتاكوس» الذي أخرجه ستانلي كوبريك المخرج الأميركي العظيم. كانت أول مرة لي أشاهد فيها صليبا وعملية صلب. كان شيئا لا يصدق، أمر الإمبراطور الروماني كراسوس بصلب 6 آلاف شخص من أنصار سبارتاكوس على الطريق ما بين روما وكابوا. كلما تذكرت الفيلم أو أعدت تخيل ما حدث، يبدو لي أنني أنظر في عين سبارتاكوس وأسمع أنصاره وهم يقولون «كلنا سبارتاكوس»!
ما أريد أن أقوله هو أن الصليب له مكان مميز في ذاكرتي. ويحتل مساحة خاصة من ذاكرة الصلب. في الأسبوع الماضي، صدمت عندما شاهدت صورة صبي صغير مقيد إلى صليب في العراق. لم يكن الصبي سبارتاكوس، لم يكن يمثل تهديدا لسلطة كراسوس في روما، ولم يكن السيد المسيح، الذي رأى أعداؤه أنه يهدد نفوذ أحبار اليهود الفريسيين والصدوقيين - أو بيلاطس البنطي في فلسطين. كان صبيا صغيرا جدا فقط، ويمكنك أن تخمن أنه ينتمي لعائلة فقيرة. وتوحي ملامح وجهه وملابسه وشعره والحزن الدفين في عينيه بأنه لا يستطيع أن يمثل تهديدا لأي شخص أيا كان.
صلب صبي يبلغ من العمر 10 أعوام في العراق لأنه لم يكن صائما. وعلقت على صدره ورقة مكتوب عليها إنه صلب، لأنه كان يأكل في نهار يوم صوم!
لقد تركوا له ذكرى لن ينساها طوال حياته؛ سوف يكره الصيام طوال عمره من الآن. علاوة على أنهم أساؤوا لصورة الصيام في أذهاننا.
ولكن ما رأي القرآن في رجل لا يصوم؟
أولا، لا أعتقد أن صبيا يبلغ من العمر 10 أعوام يجب أن يصوم. ووفقا للتشريع الإسلامي، البلوغ شرط أساسي لفرض الصيام أو الصلاة.
ثانيا، حتى إن كان من المفترض أن يصوم ولم يكن صائما، لا تكون العقوبة بصلبه.
ثالثا، كما قال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في الحديث القدسي يقول الله تعالى «الصوم لي وأنا أجزي به».
إن الصيام والصلاة والإيمان عامة مسألة خاصة بين الرب والخلق. وعندما نتكلم عن صبي صغير، فإنه يجب أن يتذوق حلاوة الإيمان ويشعر بأن الصلاة والصيام اختيار يتخذه بنفسه.
كتب العلامة الطبطبائي، الفيلسوف الإسلامي والصوفي الشهير، تفسيره للقرآن بناء على نظرية تشير إلى أننا يجب أن نجمع ثلاثة مفاهيم معا حتى ندرك معنى الآيات. الأول هو البرهان، الذي يعني أهم جانب وهو إنجاز يحققه عقل المرء. ثانيا، العرفان أو التصوف، وهو سبيل القلب. وثالثا، عن طريق الوحي. تتداخل تلك السبل الثلاثة مع بعضها بعضا.
وفي كتابه «تفسير الميزان»، في الآية 256 من سورة البقرة، يقول:
«وفي قوله تعالى (لا إكراه في الدين) نفي الدين الإِجباري، لما أن الدين وهو سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها أخرى عملية يجمعها أنها اعتقادات، والاعتقاد والإِيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار، فإن الإكراه إنما يؤثر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية المادية، وأما الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أخرى قلبية من سنن الاعتقاد والإِدراك، ومن المحال أن ينتج الجهل علما، أو تولد المقدمات غير العلمية تصديقا علميا، فقوله (لا إكراه في الدين)، إن كان قضية إخبارية حاكية عن حال التكوين أنتج حكما دينيا بنفي الإكراه على الدين والاعتقاد، وإن كان حكما إنشائيا تشريعيا كما يشهد به ما عقبه تعالى من قوله (قد تبيّن الرشد من الغي)، كان نهيا عن الحمل على الاعتقاد والإِيمان كرها، وهو نهي متكئ على حقيقة تكوينية، وهي التي مرّ بيانها أن الإِكراه، إنما يعمل ويؤثر في مرحلة الأفعال البدنية دون الاعتقادات القلبية».
بمعنى أن هوية الدين لا يمكن أن ترسخ في ذهن المرء وقلبه من خلال استخدام القوة أو العنف. فالدين، بشعائره، رسالة من الله للبشر، الذين يمكنهم قبولها أو رفضها. ووفقا لما ورد في القرآن، لا ينبغي ولا يمكن أن يدعو النبي الناس إلى الإسلام بالقوة والعنف. بل هو رسول يُذكرنا بالله والروحانيات والقيم الدينية:
«فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمسيطر» سورة «الغاشية» آية 21.
«وما أنت عليهم بجبار» سورة «ق» 45.
إن صلب صبي صغير بسبب عدم الصيام ليس من الإسلام وليس من وصايا الرسول، وليس أمرا فقهيا. بل هو وحشية مجردة باسم الدين.
لا يزيد مثل هذا العنف من قوة الإسلام بأي سبيل، بل على العكس، ينشر الكراهية. إنه يدمر صورة الإسلام والمسلمين في العالم.
8:17 دقيقه
TT
نفي الدين الإجباري
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
