تحتفل الأمم وتبتهج بحصول أحد أبنائها على تكريم عالمي، فكيف إذا كان التكريم هو جائزة «نوبل»؟ وقد فازت الشابة العراقية نادية مراد بـ«نوبل» للسلام، فإذا بمواقع التواصل وأعمدة الصحف تستقبل الخبر بردود فعل تصلح مادة لنيل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع والتخصص في طباع شعب من الشعوب. ومنذ إعلان الجائزة، قبل يومين، والكل يخوض في سيرة نادية وحجارة الرجم تنهال عليها. فمن المعروف أن بين بعض العرب و«نوبل» ثأراً بائتاً. إنها جائزة «إمبريالية» ذات شبهة «صهيونية» لا تُمنح إلا للمطبلين والمطبعين وأتباع الشيطان.
لا اعتراض على أي رأي، لأن التفكير من حق كل ذي عقل. ولله في خلقه شؤون. فهل حصلت البنت الإيزيدية على الجائزة الأرفع لأنها زارت إسرائيل، ضمن ما زارت من دول العالم، أم لأنها لم تسكت وتنزوِ وتدفن وجهها في رماد العار. رفعت الضحية عينيها البريئتين أمام العالم ونظرت في وجهه لكي يرى فيهما جوانب من بشاعته. وجاءت الجائزة لتؤجج الوطيس. والوطيس هو التنّور. فالمعارك في «فيسبوك» مشتعلة، وعبارات المدائح تواجه سيول الشتائم. وهناك من يرى أن الشاب الذي ساعد نادية في الهرب أولى منها بالجائزة. وكان عليها أن تشكره في تصريحاتها، ويرد آخرون بأنها تحدثت عنه في كتابها الذي صدر بأكثر من لغة.
تأسست جائزة «نوبل» للسلام لكي تكافئ أشخاصاً أو جماعات ساهمت أكثر من غيرها في التقريب بين الشعوب، وفي نشر السلام. هذا مكتوب في وصية مؤسسها عالم الكيمياء السويدي ألفريد نوبل، مخترع الديناميت. مسحوق لا رائحة له، يمكن له أن يكون شديد التفجر وحاسماً في الحروب. والقصة معروفة بعد ذلك. أراد الرجل، قبل موته، تبييض ضميره وترك سمعة طيبة في العالم، فخصص ثروته لمجموعة جوائز مالية دسمة تكافئ الذين يقدمون خدمات للبشرية، أفضل من الإبادة. ومنها جائزة السلام التي تشجع على التقريب بين القوى المتنازعة.
هل كانت نادية تعرف من هو نوبل، حين كانت تلعب آمنة مع رفيقات صباها في قرية كوجو الشمالية؟ هجم أغراب على القرية وقتلوا أمها وأشقاءها الستة واغتصبوها وباعوها واشتروها وعاملوها مثل عبدة. لم تقتلها المحنة وهربت بمساعدة عائلة موصلية مسلمة. وصلت إلى المنطقة الكردية ومنها إلى الخارج. تلقفتها جهات جعلت منها رمزاً لمأساة طائفة كاملة. ومن مؤتمر صحافي إلى منصة دولية ولقاءات برؤساء وجولات في بلاد الشرق السعيد والغرب المتوحش، صارت البنت الخجول سفيرة وناطقة باسم ضحايا النساء المهتوكات في الحروب.
هكذا هو العالم في زمننا هذا. يبحث عن رمز لكل قضية. ولم تعد النزاعات تُشنّ على الأرض فحسب، ولا السياسة تدار في قاعات المفاوضات، بل على رقعة شطرنج مكشوفة اسمها الإعلام. من كان يصدّق أن حملة على «فيسبوك» يمكن أن تهزّ ركائز ديكتاتوريات وطيدة؟ والبيادق كثيرة على الرقعة. لا فرق بين شخصية شهيرة وأخرى تظهر على المسرح بقدرة قادر. الكل يساهم في لعبة العصر. وكلمة السر هي «التسويق». وللتسويق معاهد وخبراء وجماعات ضغط ووكالات عابرة للقارات، وفي فلكه تدور أموال بالمليارات. لا شيء بريء في دنيانا. والقوى التي دمرت العراق وفتحت الباب أمام «داعش» يمكن لها أن تمنح «نوبل» للضحية العراقية نادية مراد. هل كان على الصبية المسبيّة أن تمتلك وعياً أكبر منها؟ أن ترفض الجائزة غسلاً لعارنا السياسي؟
TT
«نوبل» نادية مراد
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
