في شأن ما جرى في صيف 1982

في شأن ما جرى في صيف 1982

الأربعاء - 23 محرم 1440 هـ - 03 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14554]
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة
الزمن: ما بين الساعة العاشرة صباحاً، والساعة 45. 6 مساء يوم الخميس 27 سبتمبر (أيلول) 2018.
المكان: قاعة اجتماع اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ الأميركي. عدد أعضاء اللجنة 11 من الحزب الجمهوري، و10 من الحزب الديمقراطي، بالإضافة إلى قاعة من النظارة ازدحم فيها وسائل الإعلام وأهالي أصحاب القضية.
الحدث: جلسة علنية للتحقيق في عما إذا كان المرشح قاضياً للمحكمة الدستورية العليا بريت كافانو حاول مخموراً اغتصاب أستاذة الجامعة البروفسور كريستين بلاسي فورد في غرفة علوية في منزل جرت فيه حفلة تلاميذ في المرحلة الثانوية في حضور صديق له يدعى مارك. على مدى تسع ساعات تقريباً جرى التحقيق في واقعة محاولة الاغتصاب كما يحدث عادة في الأفلام التي تسند إلى مؤلف قصص المحاكم والجرائم جون غريشمان التي تبدأ عادة بجريمة وتنتهي بجلسة محاكمة يجري فيها الاتهام والدفاع في مباراة من الحجج والحجج المضادة. وعلى عكس ما يحدث في المحاكم الجنائية، فإن المدعي والمدعى عليه لم يكونا في القاعة في وقت واحد، فقد كانت البداية بالمدعية (مواليد 1966 وتعمل أستاذة في علم النفس في جامعة بالو التو في كاليفورنيا، وباحثة نفسية في كلية الطب بجامعة ستانفورد من أهم الجامعات الأميركية) واستغرق التداول معها خلال الجلسة الصباحية؛ أما المدعى عليه (مواليد 1965 خريج كلية الحقوق من جامعة ييل، ومدرس القانون الدستوري في جامعة هارفارد وقاضٍ في المحكمة الفيدرالية لدائرة مقاطعة كولومبيا، وعمل في الجهاز القضائي للرئيس جورج بوش الابن، والمرشح قاضياً بالمحكمة الدستورية العليا) فقد استغرق دفاعه ومساءلته جلسة ما بعد الظهيرة.
بداية المعركة القضائية حدثت عندما أرسلت المدعية رسالة طلبت أن تكون «سرية» إلى عضو مجلس الشيوخ زعيمة الأقلية الديمقراطية في اللجنة القضائية ديان فنستين، أوردت فيها واقعة قيام المرشح للمحكمة الدستورية العليا بريت كافانو مخموراً بمحاولة اغتصابها عندما قادها مع صديق له أثناء حفلة جرت صيف عام 1982 في منزل أحد الأصدقاء إلى إحدى الغرف العلوية، وهناك حاول اغتصابها، وعندما صرخت وضع يده على فمها، وفي النهاية نجحت في التخلص منه والهرب خارج الغرفة. تقدمت السيدة فورد ببلاغها إلى اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ؛ لأنها أرادت أن تقوم بواجبها «المدني» في الوضع أمام اعتبار اللجنة ما حدث أثناء نظر موضوع تعيينه عضواً في المحكمة الدستورية العليا. وبعد أن روت القصة لعدد من أصدقائها، فإن القضية كلها تسربت إلى صحيفة «واشنطن بوست» التي نشرتها، ولمّا أنكرها القاضي إنكاراً مطلقاً، فإن المدعية أخضعت نفسها لجهاز كشف الكذب الذي أكد مصداقيتها، وكشفت عن أنه في الكتاب المدرسي للمدعى عليه كانت هناك شهادات من زملاء له بالجرأة على النساء، كما قدمت أسماء أربعة من الحاضرين في الحفل الذي شهد الواقعة. وبعد النشر تقدمت ثلاث من النساء إلى صحف مختلفة معلنات أن القاضي المرشح للمنصب المرموق حاول اغتصابهن أيضاً. في المقابل، فإن الشهود الأربعة أعلنوا عدم تذكرهم حدوث الحفلة من الأصل، كما أن المدعى عليه قدم نوعاً من اليوميات التي كان يسجل فيها مسيرة حياته ولم يكن بها أي إشارة إلى وقوع الحفلة التي لم يتذكر فيها معرفة البروفسور فورد من الأصل، وأكثر من ذلك فإنه قدم عشرات من الشهادات من قبل النساء في الكثير من المواقع التي عمل فيها، سواء كانت في الجامعة أو المحاكم أو البيت الأبيض، وكلها أشادت بأخلاق القاضي.
القصة فيها الكثير من التفاصيل الدقيقة، لكنها كلها تجمعت في تلك الجلسة الممتدة على قرابة تسع ساعات وقف فيها الإعلام الأميركي على أطراف أصابعه، بينما كان الرئيس دونالد ترمب يراقبها لحظة بلحظة. لم تكن المسألة ذات علاقة فقط بمحاولة اغتصاب جرت قبل 36 عاماً بين رجل وامرأة كلاهما له ما يشهد له من حيث التعليم والمكانة، وإنما كان جزءاً كبيراً من البحث فيما جرى في صيف عام 1982 له علاقة بالحالة السياسية للولايات المتحدة في اللحظة الراهنة. من ناحية، كانت السيدة تقول قصتها مع الاغتصاب باكية ومتحشرجة الصوت عن تجربة قاسية في حياتها ولا تستطيع نسيانها أو الخلاص منها؛ ومن ناحية أخرى كان هناك قاضٍ يحكي أيضاً غاضباً ومتحشرجاً بالدمع والإهانة لكل ما له من صفات النزاهة والبحث عن العدل. ما جمع بينهما أن كليهما أقسم على قول الحقيقة، وأنه متأكد 100 في المائة من أنه إما حدثت له واقعة الاغتصاب، أو أنه 100 في المائة لم يكن هناك لا واقعة ولا اغتصاب. ولكن الواقع كان أن اللجنة القضائية كانت منقسمة انقساماً حاداً بين الديمقراطيين الذين لا يتخيلون أن المرأة لا يمكنها الكذب في واقعة مثل هذه؛ والجمهوريين الذين وجدوا في الأمر كله مؤامرة ديمقراطية لمنع رئيس جمهوري من تعيين قاضٍ محافظ للمحكمة الدستورية العليا. انقسم الديمقراطيون والجمهوريون عما إذا كان ضرورياً نقل الموضوع كله إلى مكتب التحقيق الفيدرالي لكي يتحقق من الوقائع ويستجوب الشهود؛ أو أن اللجنة ذات الأغلبية الجمهورية قامت بواجبها في التحقيق.
هذا الانقسام كان عرضاً لعملية الاستقطاب الحاد الذي لا يزال مستمراً منذ الانتخابات الرئاسية التي جاءت من دونالد ترمب إلى البيت الأبيض؛ وهو انقسام ممتد من الحزبين الرئيسيين، إلى الولايات الأميركية المختلفة، والأجناس في الولايات المتحدة، وبين البيت الأبيض والإعلام. لم تكن أميركا كما كانت في الماضي، وبالصدفة البحتة أن مشاهدة يوم الخميس الماضي كانت مثل مشاهدة واقعة مماثلة في عام 1991 عندما رشح الرئيس جورج بوش الأب قاضياً للمحكمة الدستورية العليا (توماس كليرانس) كان له أيضاً تاريخ مشرّف عندما اتهمته آنيتا هيلز، الأستاذة الجامعية المرموقة، بمحاولة الاعتداء عليها. في ذلك الوقت فإن الرئيس عمل على إبراء ذمة مرشحه من خلال تحقيقات أجراها مكتب التحقيق الفيدرالي، وعندما تم تأكيد تعيينه بالمحكمة فإن ذلك تم بالتوافق ما بين الجمهوريين والديمقراطيين. مثل هذا التوافق لم يعد موجوداً، ووقت كتابة هذا المقال قبل أسبوع فإن الشواهد كانت أن الجمهوريين سوف يدفعون الموضوع كله إلى التصويت، حيث توجد الأغلبية الجمهورية. وفي يوم ما ربما تنتقل القضية كلها من ساحات السياسة والأخلاق وتوازن المحكمة العليا إلى صفحات الروايات وشاشات السينما التي تبحث عن القصة الحقيقية، وعما إذا كان ادعاءً من سيدة متواطئة مع حزب سياسي (الديمقراطي) من أجل إفساد الحال على حكم الحزب الآخر (الجمهوري)؛ أم أن المسألة كلها هي أن الولايات المتحدة باتت تعيش مرحلة في تاريخها يختلط فيها الحق مع الباطل، والحقيقة مع الخيال، والهرب من أمور اليوم إلى ما جرى في صيف عام مضى عليه 36 عاماً؟!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة