إدلب وتداعيات العمل العسكري

إدلب وتداعيات العمل العسكري

الاثنين - 7 محرم 1440 هـ - 17 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14538]
يبدو أن الاستعدادات لمعركة إدلب جارية في ظلّ تحذيرات المنظمات الدولية والدول الغربية من أنها قد تؤدي إلى أكبر مجزرة في هذا القرن، على الرغم من أن الحرب السورية شهدت العديد من المجازر البشعة التي لم تحرك ساكناً لدى هذه الأطراف إلا عندما كان سلاحها هو السلاح الكيميائي! كأنما القتل مسموح بالأسلحة التقليدية ومحظور بالكيميائي. يدفعنا هذا الواقع إلى القول إن المعركة مقبلة، لكنها ستكون بالتقسيط المريح ليس لأسباب إنسانية فحسب، بل عسكرية وسياسية أيضاً.
منذ تحوّل مسار المعارك في سوريا لصالح النظام جراء التدخل العسكري الروسي، اعتمد الحليفان نهجاً واحداً في القتال غابت نتائجه، سهواً أو عمداً، عن المجتمع الدولي: حصار المناطق، قصفها، إخضاعها ومن ثم إجراء «مصالحات قسرية» تنتهي ببقاء «الخاضعين» وترحيل «المتمردين» إلى الشمال السوري وتحديداً إدلب. حُشرت القوى المتمردة، لا سيما المتطرّفة منها، بمكوّنها العسكري وامتدادها المدني في مكان واحد، ويصعب فهم عدم سماع المجتمع الدولي لتكتكات هذه القنبلة الموقوتة التي اسمها إدلب.
الهدف كان واضحاً: إجراء تسويات ظرفية توحي بالنصر والنجاح، وتجميع القوى المتمردة في مكان واحد بغرض القضاء عليها مجتمعة. قد تعزز معركة إدلب، إذا وقعت، هذا النجاح الروسي وتجعل الرئيس بوتين يتفرّد بمصير سوريا بعد إضعاف حليفيه التركي والإيراني؛ إيران بسبب تسوية قد تعيدها إلى حجم أقل ثقلاً في سوريا، وتركيا التي ستُترك وسط تطاير هيبتها وصدقيتها في الوسط السُّني بعامة والسُّني السوري بخاصة. إلا أن هذا النجاح يبقى مؤقتاً ولن تختلف هذه التسوية عن سابقاتها لأنها لا تنطوي على معطيات الحلّ الدائم، لا بسبب عدم رغبة روسيا في الوصول إلى هكذا حلّ ولكن بسبب عجزها عن ذلك.
كل ذلك يدفعنا إلى القول إن مقاربة روسيا للنزاع السوري هي إدارة النزاع وليس حله، أيْ التوصل إلى تسوية مستدامة ترضي الأطراف المتنازعة. وعلى الرغم مما قد تحتويه هذه المقاربة من تحقيق للمصالح والأهداف الروسية على المدى القصير، فإنها تكتنز على المدى الطويل مكامن ضعف يصعب تجاهلها.
لماذا تعجز روسيا عن حلّ النزاع على الرغم من رغبتها في ذلك أقلّه لضمان مصالحها؟ الأسباب عديدة يتصدرها كون هذا النجاح المؤقت لم يكن ليحصل لولا التعامي الغربي بعامة والأميركي بخاصة عما يجري في سوريا، واختصار أزمتها كما أزمات المنطقة بدايةً بالتطرف السني وراهناً بالتطرف السني والشيعي، أي «داعش» وإيران. هذه السياسة التي بدأت إبان ولاية الرئيس أوباما مانحة الأولوية للاتفاق النووي، استمرت مع إدارة الرئيس ترمب، مضافةً إليها مواجهة التمدد الإيراني.
السبب الثاني هي العلاقات الروسية الإيرانية والتي تشكل عقبة تحول دون الاتفاق مع واشنطن على حلّ في سوريا. فروسيا قد ترغب في الحدّ من النفوذ الإيراني كما تجلى في تفاهماتها المعلنة مع إسرائيل حيال الجنوب السوري، لكن رغبتها هذه تلجمها مصالح مشتركة تتخطى سوريا. وروسيا غير قادرة على احتواء إيران في سوريا وفق الرغبة الأميركية والإسرائيلية بمنعها من بناء قواعد عسكرية وإدخال أسلحة متطورة كما منع وجودها أو وجود ميليشيات متحالفة معها على حدود تركيا ولبنان والأردن وإسرائيل، بسبب عمق العلاقة بين طهران ودمشق.
السبب الثالث هو أن موسكو تسعى إلى البيع في سوريا مقابل أثمان في أماكن أخرى استراتيجية بالنسبة إليها، ولم تجد حتى الآن الشاري الراغب في الثمن الذي تطلبه.
السبب الرابع والأهم، هو تمسك موسكو بنظام الأسد ناقص 5 أو 10% جراء بعض التعديلات على الدستور ومزيد من اللامركزية، ولعل هذا الأمر الأكثر دلالة على أن روسيا تدير النزاع السوري لعدم قناعتها بحلول تغيّر من طبيعة النظام لأنه نموذج الأنظمة الذي تتماهى معه. قد تكون روسيا وجدت في الأزمة السورية رافعة لتستعيد مكانتها الدولية، إنما وقوف روسيا بوتين إلى جانب سوريا الأسد له بعد آيديولوجي يتعلق بمفهوم السلطة القائمة على شبكات أمنية واستخباراتية.
وسط هذا الواقع، أين تقف واشنطن؟ تشير الأنباء الواردة عن وثيقة أميركية لحلّ النزاع السوري تفرض عشرة شروط مقابل بقاء الأسد، إلى تحريك السياسة الأميركية حيال الأزمة السورية. لكن الولايات المتحدة ما زالت غير راغبة بمواجهة روسيا وإيران على الساحة السورية، ما يسمح لهما بمتابعة سياستهما في هذا البلد وعلى حساب الشعب السوري، وجاء دور إدلب. إلا أن هذه المرة قد يكون حجم المأساة كارثياً وتداعياته كبيرة على المنطقة لا سيما تركيا.
تبقى واشنطن قادرة إذا شاءت، وعبر مبعوثها إلى المنطقة جيمس جيفري، أن تعدل هذا المسار عبر العمل على محاور خمسة: أولاً، التنسيق بل التفاهم مع تركيا بشأن إدلب وتجاوز خلافها معها حول الأكراد، ليعود الدفء إلى العلاقات بين البلدين وتعود تركيا إلى حلفها القديم مع الغرب. ثانياً، أن يكون للولايات المتحدة دور أساسي في مفاوضات جنيف، فتترك بصماتها على صياغة الدستور السوري الجديد وعلى عملية عودة اللاجئين وبلورة الأفق السياسي لمستقبل سوريا بما يتوافق مع مصلحة الشعب السوري. ثالثاً، تحقيق سياستها الآيلة لمواجهة المد الإيراني في المنطقة بدءاً من سوريا، وبخلاف ذلك ستواجه سياستها تلك تحديات عدة. رابعاً، إزالة الضبابية المحيطة بمستقبل الوجود الأميركي في شرق سوريا لتبديد الالتباس لدى الأفرقاء المعنيين. وأخيراً، اعتماد دبلوماسية أكثر حزماً مع روسيا واستخدام سياسة العصا والجزرة بدل سياسة التفويض، وعندها، تدرك روسيا حدود قدراتها في سوريا.
إذا لم يقدَّر لهذا السيناريو أن يتحقق ولم تحصل مقايضة أو صفقة كبرى ووقع المحظور في إدلب، فإن روسيا ستواجه تحديات جمة أهمها المحافظة على استقرار النظام ومتطلبات إعادة الإعمار على وقع حالة من الاضطرابات وعدم الاستقرار يتوّجها تفريخ نسخ محدّثة لدواعش ليس في سوريا فحسب بل في الإقليم بعامة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة