القرن الأفريقي... حراك دبلوماسي أملاً في حلول شاملة

القرن الأفريقي... حراك دبلوماسي أملاً في حلول شاملة

الأربعاء - 2 محرم 1440 هـ - 12 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14533]
ضياء الدين سعيد بامخرمة
سفير جيبوتي لدى السعودية
تشهد منطقة الشرق والقرن الأفريقي حراكاً دبلوماسياً نشطاً، ومصالحات بدت للوهلة الأولى مفاجئة للكثير، مصحوبة بإرهاصات وتأويلات سياسية كثيرة من هذا وذاك، ولكنها في الأخير تصب في خانة السلام والمصالحات في المنطقة، مما من شأنه أن يعزز التكامل والتعاون بين دول الإقليم.
بدأ هذا الحراك الدبلوماسي، رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد أبي أحمد علي، منذ أن وصل إلى سدة الحكم في بلاده، فحرك الراكد من السياسة الداخلية، في بلد هو الأكبر في المنطقة من حيث عدد السكان، ثم انطلق نحو الجارة إريتريا لفتح صفحة مهمة من العلاقات بين دول الجوار. وحتى يستأصل جذور النزاع القائم بين أديس أبابا وأسمرا، استند أبي أحمد إلى مرجعية اتفاقية الجزائر عام 2000، وهو ما رحبت به أسمرا، وأفضى إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية بعد قطيعة استمرت عقدين من الزمان.
ولم تكن تحركات أبي أحمد مقصورة على أسمرا وحدها؛ بل سارع إلى تعزيز التعاون مع الدول المجاورة كافة. ويذكر المتابعون أن أبي أحمد زار جمهورية جيبوتي في أول زيارة خارجية له بعد انتخابه رئيساً للوزراء، في دلالة واضحة على متانة العلاقات بين البلدين، وبهدف مناقشة مختلف أوجه التعاون الثنائي وتطويره، كما زار في وقت لاحق جمهورية الصومال الشقيقة.
وفي السياق نفسه، أكدت زيارة أبي أحمد إلى المملكة العربية السعودية الشقيقة، بعد شهرين من تعيينه رئيساً لوزراء إثيوبيا، عمق العلاقات التاريخية والإنسانية والثقافية بين المملكة والقرن الأفريقي.
وهكذا استمر الحراك الدبلوماسي بالمنطقة، حتى آتى ثماره في استعادة العلاقات الأخوية والدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا من جهة، وبين الأخيرة والصومال من جهة ثانية، بعد قطيعة طويلة، ثم أتى الدور على حلحلة الأزمة بين جيبوتي وإريتريا، ضمن هذا الحراك الدبلوماسي النشط في المنطقة، بعد زيارة وزير خارجية إريتريا عثمان صالح إلى جيبوتي يوم 6 سبتمبر (أيلول) الجاري، ومعه كل من: مستشار الرئيس الإريتري يماني جبر آب، ووزير خارجية إثيوبيا ورقيني قبيو، ووزير خارجية الصومال أحمد عيسى عوض، حاملاً رسالة مفادها رغبة إريتريا في فتح صفحة جديدة من السلام مع جيبوتي.
وقد تم في جيبوتي الترحيب رئيساً وحكومة وشعباً، بما حمله وزير الخارجية الإريتري؛ حيث نجحت الزيارة في وضع الأسس اللازمة لبداية مرحلة جديدة من استعادة الثقة بين الجانبين.
ومن المرتقب أن يلتقي الرئيسان: إسماعيل عمر جيله، وآسياس أفورقي، اليوم، على هامش قمة منظمة دول «إيغاد» في أديس أبابا، التي يتوقع أن تشهد تفعيل عضوية إريتريا في المنظمة بعد غياب طويل. وبعد ذلك سيتم بحث تفاصيل أصل النزاع في مرحلة لاحقة، لإعادة جسور الثقة بين الأطراف. مع الأمل في أن تتوج هذه الجهود المبذولة بحل شامل يزيل أسباب الخلاف، ويعيد المياه إلى مجاريها الطبيعية.
والخلاف الجيبوتي الإريتري، لمن لا يعرف تفاصيله، كان بسبب نزاع حدودي طالما سعت جيبوتي لتسويته بأي وسيلة، سواء بالحل المباشر والتفاوض، أو الوساطة، أو التحكيم الدولي؛ لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أشيد بالجهود التي قامت بها كل من إثيوبيا والصومال في المصالحة بين جيبوتي وإريتريا، وكذلك جهود الحليف والشقيق الاستراتيجي الأبدي لجمهورية جيبوتي، المملكة العربية السعودية؛ فقد تمت زيارة الوزراء الثلاثة، ومعهم مستشار الرئيس الإريتري إلى جيبوتي يوم 6 سبتمبر الجاري، بجهد مقدر بذلته المملكة العربية السعودية الشقيقة.
ولعل الجميع يتذكر الزيارات المكوكية التي قام بها وزير خارجية المملكة عادل الجبير، في التاسع من أغسطس (آب) المنصرم، إلى كل من أسمرا وأديس أبابا، ولقاءه مع قادة البلدين، وكذلك زيارة وزير الدولة للشؤون الأفريقية أحمد قطان إلى جيبوتي، في 30 يوليو (تموز) الماضي؛ حيث نقل للرئيس إسماعيل عمر جيله رسالة من أخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. وتلك زيارات مهمة مهدت الطريق لإعادة بناء جسور الثقة بين الجانبين الجيبوتي والإريتري.
وتربط جمهورية جيبوتي بالمملكة العربية السعودية علاقات تاريخية واستراتيجية وطيدة، تتعزز يوماً بعد آخر، بفضل التناغم في الرؤى السياسية والاستراتيجية بين قيادتي البلدين الشقيقين: الرئيس إسماعيل عمر جيله، وأخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
وما قبول جيبوتي بالمصالحة مع جارتها إريتريا، إلا تأكيد لرغبة جيبوتية استمرت طويلاً من أجل التغلب على الصراعات بالمنطقة، وتكريس مبدأ التحاور بدل التنافر، للتوصل إلى حلول ناجعة للخلافات القائمة. وهذا ليس مستغرباً من جمهورية جيبوتي التي اضطلعت بأدوار مشرفة عبر تاريخها، في سبيل الحفاظ على الأمن بالمنطقة، ورعاية مؤتمرات السلام والمصالحة بين الفرقاء في دول منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا. ففي يوليو عام 1991، استضافت جيبوتي أول مؤتمر للمصالحة الصومالية، برعاية الرئيس الراحل حسن جوليد أبتدون - رحمه الله - بهدف إنقاذ الوحدة الوطنية الصومالية، ومساعدة الفصائل على تجاوز الخلافات، وتكرر المؤتمر نفسه في عام 1992.
وفي أواخر عام 1999، رعى الرئيس إسماعيل عمر جيله اتفاق سلام شاملاً بين الحكومة السودانية وحزب الأمة المعارض، بحضور رئيس جمهورية السودان، عمر حسن البشير، ورئيس حزب الأمة، رئيس الوزراء السابق، الصادق المهدي.
كما استضافت جمهورية جيبوتي في مايو (أيار) 2000، مؤتمر عرتا للمصالحة الصومالية، الذي أقيم في محافظة عرتا غرب العاصمة الجيبوتية، وجمع عدداً كبيراً من السياسيين وممثلي المجتمع المدني ووجهاء القبائل والمثقفين، ونجح في وضع أهم لبنة في طريق إعادة بناء الصومال، بدليل أن الحكومات الانتقالية المتعاقبة وحتى الحكومة الفيدرالية الحالية، كلها نتاج وامتداد طبيعي لمخرجات مؤتمر عرتا.
وإلى جانب كونها واحة للسلام ومنصة لاحتواء الخلافات، فقد ظلت جمهورية جيبوتي منذ استقلالها قبلة للاجئين والهاربين من الصراعات في دول الجوار، فالحرب بين الجارتين الصومال وإثيوبيا عام 1977، تزامنت مع نيل جيبوتي استقلالها؛ لكن ذلك لم يمنع الدولة الوليدة من التعاطي مع الأزمة واستقبال الهاربين من جحيم الحرب، رغم قلة الموارد وقصر عمر الدولة آنذاك.
وكان انهيار الحكومة الصومالية عام 1991 ونشوب الحروب الأهلية في البلاد، سبباً لنزوح أعداد هائلة من الأشقاء الصوماليين إلى جمهورية جيبوتي؛ حيث تم الترحيب بهم وإكرام نزلهم.
كما فتحت أذرعها للأشقاء اليمنيين المتضررين في العاصمة والمحافظات، باهتمام ومتابعة مباشرة من لدن الرئيس إسماعيل عمر جيله.
إن الإنسان الجيبوتي مضياف بطبعه، ومنفتح على غيره من أبناء الدول المجاورة، وهو ما يجعلني أطلق على جيبوتي «ضمير القرن الأفريقي»؛ إذ لا يوجد بيت فيها إلا وله صلة قرابة في الصومال أو اليمن أو إثيوبيا أو إريتريا، وذلك عامل قوي يتجلى في الترحيب بالقادمين من دول الجوار، وسهولة تعايش هؤلاء الوافدين مع المجتمع الجيبوتي، ويعزز التوافق والتعاون ما بين تلك الدول مجتمعة، بسبب الروابط الاجتماعية والتاريخية والجغرافية.
وداخلياً، عرفت جمهورية جيبوتي الوئام والمحبة والحوار بين أبناء مكونات الشعب، ولم تشهد في تاريخها أي قلاقل أمنية، سوى معارضة مسلحة ظهرت أوائل التسعينات من القرن الماضي؛ لكن سرعان ما تم احتواؤها عقب مفاوضات مباشرة بين الحكومة وجبهة استعادة الوحدة والديمقراطية (FRUD)، أفضت إلى التوصل إلى اتفاق سلام بين الطرفين، بينما تم إشراك ممثلين من معارضي الجبهة في الحكومة.
ومما سبق ذكره، يمكننا أن نستنتج أن جيبوتي دولة تجمع ولا تفرّق، وأن من توقع أنها ستكون خارج دائرة جهود السلام في الحراك الدبلوماسي الراهن في المنطقة، كان مخطئاً في تقديراته، حيث لا يعرف جيبوتي وطبيعة شعبها وقيادتها التواقة للسلام والمصالحات، والسعي الدائم لحل الخلافات والنزاعات في المنطقة.
وقبل الختام، أود أن أشير إلى أن هذه التطورات المهمة جاءت في وقت تشهد فيه جيبوتي تنمية شاملة في مختلف المجالات، ولا شك في أن تعزيز السلام والوئام في منطقة القرن الأفريقي سيلقي بظلاله إيجاباً على مختلف الأصعدة التنموية في المنطقة، ويشجع على خلق تكامل اقتصادي وتنافس تنموي مشروع، يكمل بعضه بعضاً؛ وبهذا فنحن متفائلون في منطقة القرن الأفريقي بأننا في مرحلة لاستعادة السلام وبناء جسور الثقة، في سبيل وضع حلول نهائية لأسباب الخلافات.
* سفير جيبوتي وعميد السلك الدبلوماسي لدى السعودية

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة