خمسون عاماً بعد ربيع براغ

خمسون عاماً بعد ربيع براغ

الخميس - 19 ذو الحجة 1439 هـ - 30 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14520]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر
منذ أسابيع قليلة مضت حلت الذكرى الخمسون لربيع براغ، وهي المرحلة التي وصفت الهجوم العنيف لقوات الاتحاد السوفياتي العسكرية لقمع كل مظاهر الحرية التي طالبت بها تشيكوسلوفاكيا، واعتبرت هذه الحادثة الثغرة الأهم التي أدت إلى سقوط الاتحاد السوفياتي بأكمله لاحقاً، لأنها أظهرت للعالم أن الحالة المثالية التي كان يقدمها الاتحاد السوفياتي للمعسكر الشرقي والتابعين له ليست كذلك أبداً.
لقد تأكد ذلك الأمر كله بالسقوط المدوي للاتحاد السوفياتي نفسه في غمضة عين، وكبيت من ورق هش باغتته نسمة هواء.
نالت تشيكوسلوفاكيا حريتها بشكل حضاري وسلس، أطلقت على الحركة وقتها «الثورة المخملية»، نظراً للحراك السلمي العظيم للشعب وقتها، الذي لم تسل فيه قطرة دم واحدة، وليتم انتخاب المؤلف المسرحي الهادي الطباع الراقي فاسلاف هافيل رئيساً للجمهورية، وليطلق عليه لقب «مانديلا أوروبا»، نظراً لإيمانه العميق جداً بالاعتراض السلمي فقط ومقارعة الحجة بالحجة. وبعد ذلك حصَل انفصال راقٍ للغاية وطلاق حضاري عظيم بين التشيك والسلوفاك ليكونا جمهوريتين مستقلتين صديقتين هما «التشيك وسلوفاكيا».
واقع الأمر أن التشيك ظُلمت ظلماً شديداً في حقبة الستة عقود التي كانت فيها بالإكراه جزءاً من الاتحاد السوفياتي؛ لأنها دولة حرة ورأسمالية في أصلها وطبعها، فهناك كم هائل من العلامات التجارية التي تأسست على أيدي التشيك منها سكودا وبورشه للسيارات وباتا لصناعة الأحذية، وأهم صناعات الكريستال والمصحات العلاجية والسكر المكعب ومطاعم ماكدونالدز الشهيرة وغير ذلك، وكذلك بها أهم جامعات أوروبا مثل جامعة تشارلز التي بها أقدم كلية طب بالقارة الأوروبية كلها.
تفوق التشيك في مختلف المجالات وكونوا منظومة اكتفاء ذاتي متكامل في الغذاء والصناعة والخدمات. وهي البلد الصغير حجماً وسكاناً ولكنها فلسفة الاعتماد على النفس.
دخلت السوق الأوروبية ولكنها لم تتبن عملة اليورو واحتفظت بعملتها الكرونة ولديها نظام مصرفي محافظ جداً و«سياسة» إقراض عقلانية حافظت بها على سلامة مصارفها ولم تنجرف مثل غيرها إلى الإقراض المتوتر لتسقط في أوحال أزمة اليونان الكبيرة جدا. لديها منظومة رائعة من الفنون والثقافة فهي البلد الذي قدم للعالم كافكا وكونديرا في الأدب، وسميتانا ودوبريك في الموسيقى الكلاسيكية، ومليوش فورمان في السينما، وعشرات الأبطال في مجالات الرياضة بمجالاتها كافة.
تمكنت من النهوض على أقدامها بسرعة بعد خلاصها من الاتحاد السوفياتي، ميزانيتها إيجابية وعملتها قوية، أمنياً في غاية الاستقرار.
اليوم تتنفس التشيك نسائم الحرية بعد أن خرجت من عبادة الظلم والطغيان وللعالم كل الحق أن يحتفل بهذا الإنجاز الحضاري الإنساني الرائع.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة