ذروة الرقي في التشاور السعودي ـ اللبناني

ذروة الرقي في التشاور السعودي ـ اللبناني

الأحد - 1 ذو الحجة 1439 هـ - 12 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14502]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق
عندما كانت المخاوف والهواجس تشغل البال اللبناني، كما الحال المستمرة بكثير من التعقيد منذ سنتيْن عجفاويْن على الشعب الساكت على الضيم، كانت البوصلة تؤشِّر في اتجاه المملكة العربية السعودية بأمل وطلب في الوقت نفسه. الأمل بالإصغاء الجيد والإسراع في التجاوب.
تلك كانت قاعدة بدأت مع بداية عهد الاستقلال أرساها الرئيس الاستقلالي الأول الشيخ بشارة الخوري وأضفى عليها الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - طيَّب الله ثراه - المزيد من التعاطف وسعة الصدر باعتبار لبنان أصغر الأشقاء، ومَن هذا حاله فإن مكانه في صدارة قدرات كبير القوم العربي.
رحل الملك عبد العزيز وبقيت مدرسته ووصاياه وأمثولاته. وغادر الرئيس الاستقلالي الأول كرسي الرئاسة لكن الذين تعاقبوا من كميل شمعون إلى فؤاد شهاب إلى شارل حلو إلى سليمان فرنجية إلى أمين الجميل إلى إلياس سركيس إلى إلياس الهراوي إلى إميل لحود إلى ميشال سليمان وصولاً إلى ميشال عون لم يخرجوا عن ثوابت قاعدة، قوامها: الأخ الصغير يتطلع عند تزايد القلق وارتفاع منسوب الخشية إلى الأخ الأكبر مقاماً فيجد الآذان صاغية والقلوب حانية والعقول متفهمة. ولنا على سبيل المثال ذاك الحل التوافقي للمأساة اللبنانية وكيف أن الملك فهد بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - وإخوانه مِن حوله وشعب المملكة الذي أضناه الاقتتال في لبنان على مدى ثمانية أعوام، أمكنهم بمشاعر الأُخوَّة، التي انتهت اتفاقاً كأنه الدستور المتجدد، وضْع لبنان على سكة السلامة، مدرجين في كتاب الحلول المتجردة غير المتصلة بطقوس المصالح صيغة الحل الذي يضفي على العلاقة المزيد من الطمأنينة.
مقياس تحقيق ذلك مرتبط بصدق النيات من جانب الأخ الصغير وعدم تحويل الوطن إلى ساحة صراعات وكذلك بقاء رئيسه باعتباره الرمز للشرعية وللوطن شعباً وأرضاً منزَّهاً عن التعصب والهوى الخارجي على حساب المبدئية. أما من جانب الأخ الكبير فإن المقياس هو سرعة التجاوب وإسقاط المكاسب أياً كان نوع المكسب.
مثل هذا الأمر لمسناه في ضوء اختلاط الحابل الإيراني بالنابل البشَّاري بغرض إبقاء استقرار لبنان رهن مشيئتهما ومحاولة النيل من الدور التوفيقي السعودي المتعاطف مع لبنان منذ أن نال استقلاله، وتصوير اتفاق الطائف على غير نيات أبناء الملك عبد العزيز حافظي وصية الوالد المؤسس، ودليلنا على ذلك من خلال استحضار أدبيات الرئيس الاستقلالي الأول الشيخ بشارة الخوري وخصوصا مراسلات ومواقف له كثيراً ما أوردها في مذكراته التي في بعض صفحاتها يتبين لنا أن شجرة العلاقة السعودية - اللبنانية الوارفة الظلال بدأت قبل ثلاثة أرباع القرن، ومن معالمها رسالة من الرئيس الأول للبنان المستقل إلى الملك عبد العزيز رد عليها الملك متعاطفاً متفهماً ثم أتبعها ببرقية.
ففي يوم 23 يوليو (تموز) 1947 تحادث الشيخ بشارة على مدى ساعة مع الوزير البريطاني المفوض وطلب منه إبلاغ الحكومة البريطانية عدم الإقدام على تغيير الوضع الراهن جغرافياً وسياسياً في الشرق العربي؛ لأن مثل هذا العمل يخلق مشكلات لا يُعرف مداها. وفي ضوء المحادثة وقول الوزير إن «من مصلحة بريطانيا المحافظة على استقلال لبنان»، بعث الشيخ بشارة عن طريق رسول ثقة إلى الملك عبد العزيز بالرسالة الآتية: «لا يخفى على جلالتكم ما آلت إليه الحالة في الشرق العربي. إن اغتيال المرحوم رياض الصلح، وإن كانت تنحصر نتائجه المباشرة بالسياسة الداخلية اللبنانية، فإنه سيكون بعيد الأثر غير المباشر في العالم العربي. وأول أثر بنظرنا تجرؤّ الإرهاب الفلسطيني على اغتيال الملك عبد الله. وقتْل الملك يُحدث مشكلة داخلية أردنية من حيث وراثة العرش، ويغيِّر مركز الإنجليز في هذه البقعة من الأرض، ويزيد صعوبة على الصعوبات التي تلاقيها هذه الدولة في إيران ومصر.
أما سوريا فالحالة فيها غير مستقرة وقد تتأثر بما حصل لإحداث انقلاب جديد. أما لبنان فالاستقرار السياسي موجود فيه والحمد لله، غير أن العوامل الخارجية قد يكون لها مفعولها في سياسته الداخلية. وكل تغيير في الوضع الجغرافي أو السياسي العربي سوف يَحدث له مصاعب لا تُقدَّر عواقبها. وقد ينتظر العراق مثل هذه الفرصة السانحة لتغيير الوضع الراهن. فإذا كانت فكرة سوريا الكبرى قد استبعدت نوعاً ما بعد مصرع الملك عبد الله، ففكرة الهلال الخصيب قد يكون لها نصيب أكبر أن تتحقق في مثل هذه الظروف، رضا أو عنوة. والضرورة تقضي أن تتعاون المملكة العربية السعودية ومصر ولبنان على تركيز الحالة في الشرق، خصوصا أن العالم يرتقب أحداثاً خطيرة للغاية. والعلة الكبرى أن علاقات مصر ساءت مع الإنجليز لدرجة تشغل البال. ففضلاً عن مطالب مصر الأساسية من جهة الجلاء ووحدة وادي النيل، نشأت مصاعب أُخرى منها مرور ناقلات البترول عبْر القنال، وتفتيش البواخر الإنجليزية، مما قد جعل الإنجليز يفكرون جدياً في وقف المفاوضات الأساسية، كما أنهم سيهدفون إلى إضعاف النفوذ المصري على الدول العربية، وقد يحدو بهم الظرف إلى تشجيع أو على الأقل إلى غض النظر الذي يقتضيه الوضع الراهن في الشرق العربي.
فالاقتراحات التي يقتضيها الظرف الحاضر هي:
اتصال جلالتكم بالإنجليز وبمَن يلزم من الدول الغربية لإبقاء القديم على قِدَمه في هذا الشرق العربي.
اتصال جلالتكم بجلالة ملك مصر بالطُرق التي تراها مناسبة، وبأسرع ما يمكن من الوقت، وأن تُظهر له المخاطر الناجمة عن الموقف العمومي، وضرورة تفادي أزمة حادة بين مصر وبريطانيا بإيجاد حلول مؤقتة للمسائل الفرعية، كي لا تتوقف المفاوضات أو تُقطع فيما يتعلق بالمطلب الأساسي».
ثم تسلَّم الشيخ بشارة جواب الملك عبد العزيز عن الرسالة ومن خلال «الرسول الأمين» على حد توصيفه وكان الرد بالنص الآتي: «اطَّلعنا في كتابكم على آراء فخامة الرئيس بشارة الخوري السديدة في الوضع الحاضر، وقد صوَّر الموقف على ضوء الأحداث الأخيرة كما هو. ونحن نُقدِّر لفخامته بُعد نظره وحنكته السياسية كما يجب، ونشترك معه تماماً في خطورة الموقف والمستقبل المليء بالمفاجآت، كل ذلك نظر واقعي لا مشاحة فيه، ولكن في الموقف نفسه نرى غموضاً وفترة من الاندهاش والتوقف في الأفق، وهذه الحالة لا بد أن تنجلي بصورة واضحة، وبعدها يمكن للإنسان أن يتجه اتجاهاً يسير فيه بخطى ثابتة.
وإذ نذكر له نظرتنا هذه فليس معناه أننا لم نشترك معه في تقدير خطورة الوضع الحاضر، وأن نبقى مكتفي الأيدي، ولكن نعتقد بوجوب ترقُّب الأحوال عن كثب إلى أن تَحدُث بعض البوادر التي تنير الأهداف، وحينئذ يتسنى لنا وجهة العمل ولا نخطو خطوات فاشلة. هذا ما نرتئيه الآن في الظرف الحاضر، ومع هذا فإن الابن فيصل سوف يسافر إلى لندن في هذه الأيام ولا بد أن ينتهز الفرصة إذا بدت له ويتكلم مع الإنجليز حسْب ما تكون الحالة والظروف في الوقت الذي يكون فيه هناك. ونحن نشكر فخامة الرئيس على حسن ظنه واعتماده، ونبادله أطيب الشعور وأجمله. كما نرحب بتبادل الآراء من حين لآخر حسب ما تقتضيه الأحوال. وندعو الله أن يأخذ بيد العرب ويقدر لهم ما فيه الخير والصلاح... 23 شوال 1370هـ».
واستشعاراً بخطورة الوضع ألحق الملك عبد العزيز رسالته ببرقية، هذا نصها:
«أعلِموا فخامة الرئيس بشارة الخوري بمضمون هذه البرقية بطريقة خاصة، إلحاقاً لكتابنا والملحق تاريخ 22 شوال المرسل إليكم...
بعد كتابة كل ما ذكرناه رأينا من الصواب البدء باتخاذ بعض التدابير اللازمة حالاً وعملْنا برأي فخامة الرئيس الخوري. وأحضرْنا ممثلهم هنا وصارحناه بعدم موافقتنا على اتخاذ أي تدبير يخل بالوضع الحاضر، وأفهمناه أن من مصلحتهم المحافظة على الأوضاع الحاضرة في البلاد العربية. وطلبْنا ليفهم حكومته بذلك. وإننا كلَّفنا الآن فيصل ليبحث معهم مُفصَّلاً عن وجهة نظرنا. أيضاً أحضرْنا الأميركاني وأفهمناه كل ذلك. وزيادة حذَّرناهم من النتائج وطلبْنا أن يبحث مع حلفائهم وينصحهم أيضاً للسعي بالتفاهم مع مصر. وقد رتَّبْنا المخابرة مع صاحبنا حيث هو (ملك مصر) وأفهمناه مفصَّلاً عن الأخطار. ولكن نحن في شك من قدرته على العمل، خصوصاً ورجال حكومته متطرفون. ولا أعلم إذا كان يَقْدر على إقناعهم بالاعتدال. هدانا الله وإياهم لاتِّباع ما فيه خير العرب...عبد العزيز».

ويشير الشيخ بشارة إلى أنه في تلك الآونة «كان بعض الأمراء من أبناء الملك عبد العزيز مصطافين في عاليه فدعوتهم إلى تناول الطعام على مائدة الرئاسة وآنستهم حتى شعروا أنهم في بيتهم...».
عسى ولعل العابثين يهتدون بأحوال لبنان بعد أن يتمعنوا في هذا الرقي من التشاور السعودي - اللبناني الذي يُبقي العلاقة في صراطها المستقيم... ويرد أذى التحرش عن الوطن المستضعَف.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة