لحظة عصيبة لأميركا

لحظة عصيبة لأميركا

الثلاثاء - 5 ذو القعدة 1439 هـ - 17 يوليو 2018 مـ رقم العدد [14476]
نوح سميث
كاتب في «بلومبيرغ»
بناءً على عناوين الأخبار الكبرى على مدار العقدين الماضيين، من الممكن النظر بسهولة إلى القرن الواحد والعشرين باعتباره كارثة محققة بالنسبة إلى الولايات المتحدة. في البداية، جاءت الانتخابات الرئاسية عام 2000 المثيرة للجدل، وسرعان ما أعقبتها هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. بعد ذلك، جاءت نكبة غزو العراق والحرب ضد الإرهاب المستمرة بلا نهاية، وانهيار السوق العقارية، والأزمة المالية و«الركود الكبير». وفي اللحظة التي بدا أن عقد الكوارث الذي عايشته الولايات المتحدة أوشك على نهايته، جاءت انتخابات عام 2016 وتولِّي دونالد ترمب رئاسة البلاد لتمزق المجتمع الأميركي على نحو لم يتكشف تماماً بعد.
إلا أن العناوين لا تمثل دوماً ما يجري بالفعل على أرض الواقع داخل مجتمع بضخامة المجتمع الأميركي وتعقيده. لذا، فإنه من أجل التعرف على الصورة الحقيقية لمستوى أداء البلاد خلال القرن الحالي، من المهم إمعان النظر في التوجهات الأشد عمقاً. هنا تبدو الصورة العامة مختلطة بالتأكيد.
أولاً: لنبدأ بالأمور الإيجابية وهي أن البلاد أصبحت أكثر ثراءً وصحةً وتقدماً من الناحية الاجتماعية إلى حدٍّ ما عما كانت عليه منذ ما يقرب من عقدين ماضيين.
وارتفع الأجر الحقيقي في الساعة بنسبة 11% تقريباً منذ عام 2000. ورغم أن متوسط الدخل الشخصي الحقيقي تعرض لانتكاسة كبيرة في أثناء فترة «الركود الكبير»، فقد تعافى وارتفع الآن بنسبة 3.7%.
المؤكد أن نسبتي الارتفاع السابقتين ليستا مبهرتين، لكن على الأقل من الجيد أن الأميركيين لم يضلوا طريقهم، كما أن الأشد احتياجاً منهم لم يتعرضوا للهجر - وبفضل التحويلات الحكومية، أصبحت معدلات الفقر في أوساط الأطفال اليوم في مستويات منخفضة قياسية، بجانب حدوث تراجع شديد في أعداد المشردين. في تلك الأثناء، تتسم البطالة بمعدلات شديدة الانخفاض مع وجود معدلات التوظيف في الفئة العمرية (25 – 31 عاماً) عند المعدلات نفسها لعام 1994 تقريباً.
اللافت أن الإحصاءات المتعلقة بالدخل لا تعكس بصورة كاملة التحسن الذي طرأ على السلامة الاقتصادية للأميركيين. أيضاً من الملاحظ أن المنتجات أصبحت أعلى جودة - على سبيل المثال، اختفت التلفزيونات القديمة صندوقية الشكل وحلت محلها شاشات مسطحة، في الوقت الذي تقدم المطاعم والمتاجر اليوم مجموعة أكثر تنوعاً بكثير من الطعام. علاوة على ذلك، نجحت منتجات استهلاكية جديدة مثل الهواتف الذكية والإنترنت اللاسلكي والتلفزة عبر الإنترنت ونظام التموضع العالمي (جي بي إس) في إثراء حياة الأميركيين.
كما تتحسن الحالة الصحية للأميركيين يوماً تلو آخر، مع ارتفاع العمر المتوقع بمقدار عامين منذ عام 2000.
أيضاً، انخفضت معدلات الوفيات في أوساط الأطفال الرُّضَّع بأكثر عن 20%. وبالمثل، تراجعت معدلات الوفيات في أوساط الأقليات، مع تمتع الأميركيين أصحاب البشرة السمراء بتراجع كبير على نحو خاص في معدلات الوفيات. وانخفضت معدلات الحمل في أوساط المراهقين. أيضاً، أصبحت البيئة أكثر نظافة في الكثير من الجوانب - على سبيل المثال، استمرت معدلات تلوث الهواء في التراجع، حتى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون انخفضت على نحو بالغ.
وفي سياق متصل، انخفضت معدلات الجريمة، وكذلك السجن، خصوصاً في أوساط الشباب.
وعليه، يتضح أنه بوجه عام أحرزت الولايات المتحدة تقدماً خلال أول عقدين من القرن الواحد والعشرين، في الوقت الذي بدأ أخيراً تناول بعض أسوأ الأخطاء التي شهدها القرن الماضي، مثل أعمال الاحتجاز الجماعي واضطهاد الأقليات العرقية وتفشي ظاهرة التشرد. ومع هذا، تبقى تحت السطح ثمة مؤشرات مثيرة للقلق توحي بتباطؤ وتيرة التقدم وتداعي المجتمع.
ويتمثل الوجهان الاقتصاديان الأكثر إثارة للقلق في غياب المساواة وانخفاض نمو الإنتاجية. الملاحظ أن معدلات التفاوت في الدخول ارتفعت بنفس السرعة التي شهدتها السنوات الأخيرة من القرن العشرين، لكنها مستمرة في الزحف نحو الأعلى.
في تلك الأثناء، تباطأ معدل نمو الإنتاجية، والذي يمثل قدرة البلاد على صنع الأشياء. ورغم أن هذه ظاهرة عالمية، وبالتالي فإنها ليست تحت سيطرة الولايات المتحدة بصورة كاملة، فإنها تعني أن الاقتصاد يبدو على نحو متزايد أشبه بمعادلة صفرية. اللافت أن التفاوت وغياب المساواة تحديداً يشكّل نقطة حساسة مثيرة للمشكلات إذا لم يحقق الاقتصاد ككل نمواً كافياً. من بين السبل الممكنة للنظر إلى كلا التوجهين تفحُّص قابلية التحرك المطلقة، مثل فرصة الأفراد في الانتقال إلى ثراء أكبر عن آبائهم. وقد تراجعت هذه الإمكانية إلى حد ما.
في ما يخص الصحة، يواجه الأميركيون مجموعة كبيرة من المشكلات العصيبة على نحو خاص، ذلك أن البلاد تعاني من تفشي إدمان الأفيون، الذي نتج بادئ الأمر عن الإفراط في الوصفات الطبية بالمسكنات. أيضاً، ثمة تزايد في معدلات تعاطي المخدرات شديدة الخطورة مثل الهيروين والفينتانيل، ما تسبب في ارتفاع شديد في معدلات الوفاة بسبب الجرعات الزائدة. وتزايدت معدلات تناول الكحوليات أيضاً. كما ارتفعت معدلات الانتحار عما كانت عليه خلال فترة طويلة.
ونتيجة لهذه المشكلات وعوامل أخرى، ارتفعت معدلات الوفيات في أوساط الأميركيين البيض من خارج الأصول اللاتينية على نحو طفيف منذ بداية القرن. وربما تمتد هذه المشكلات إلى الأميركيين أصحاب البشرة السمراء أيضاً.
في تلك الأثناء، تكشف الدراسات المسحية عن مجتمع ممزَّق. والملاحَظ أن الأميركيين الذين لطالما اشتهروا بتفاؤلهم تراجعوا على صعيد التصنيفات الدولية للسعادة. أما الثقة في الحكومة، التي ارتفعت في ظل قيادة الرئيسين رونالد ريغان وبيل كلينتون، فقد أصبحت اليوم قرب أو عند أدنى مستوياتها على الإطلاق، حتى في الوقت الذي زادت فيه جهود المراقبة الحكومية كجزء من الحرب ضد الإرهاب. كما انحسرت معدلات الثقة بين الأفراد منذ ثمانينات القرن الماضي، في الوقت الذي تشهد جرائم الكراهية تزايداً مستمراً.
ومما سبق يتضح أنه رغم تحقيق مكاسب متواضعة على جبهات عدة منذ بداية القرن، فإن المظهر العام للولايات المتحدة يوحي بأمة مضطربة. وفي ظل وجود اقتصاد يبدو على نحو متزايد أشبه بمعادلة صفرية يبدو الأثرياء في إطاره في طريقهم لفوز محتوم، وتزايد معدلات السخط والاغتراب داخل المجتمع والتحول على نحو متنامٍ تجاه أنماط سلوك مدمرة، تبدو الولايات المتحدة ككل على مسار خاطئ في الكثير من الجوانب. وحتى على الساحة الدولية، تخسر واشنطن نفوذها وهيمنتها لصالح الصين.
وبذلك يتضح أن الولايات المتحدة في لحظة عصيبة، وبحاجة إلى جهود قوية من جانب مواطنيها وقادتها للعودة إلى معدلات التقدم الاجتماعي والاقتصادي التي سادت نهاية القرن الماضي.

* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة