ألمانيا تلقي باللوم على الجراد مرة أخرى

ألمانيا تلقي باللوم على الجراد مرة أخرى

الخميس - 29 شوال 1439 هـ - 12 يوليو 2018 مـ رقم العدد [14471]
في غضون ساعات من تنحي هاينريش هايزينغر عن منصب الرئيس التنفيذي لمجموعة «تيسين كروب» الألمانية العملاقة، الأسبوع الماضي، وسط ضغوط مستمرة من قبل المستثمرين الناشطين، تحول الحديث على نحو مفاجئ إلى «الجراد»، أو المصطلح الألماني التي يشتمل على جميع شرور الرأسمالية الأنجلو – ساكسونية.
ولا بد من مقاومة التقسيم على طريقة «الجراد»، كما حذر كبير ممثلي العمال في مجموعة «تيسين كروب»، وهو يشير بكل تأكيد إلى شركتي «سيفيان كابيتال» و«إليوت ماناجمنت كورب»، اللتين كانتا تدفعان على طريق التغيير. وإلقاء اللوم على صناديق التحوط في تفكيك أكبر التكتلات الصناعية السابقة يبدو أنه في غير مضمونه أو محلِّه.
إن عجزت شركة من الشركات عن تحقيق العائدات التي تزيد على تكاليف رأس المال الخاص بها وباستمرار، فمن الأفضل لها أن تتوقف وتعود إلى الديار في سلام. ولقد فشلت مجموعة «تيسين كروب» عن تحقيق هذا الهدف لعدة سنوات. وعلى نحو مماثل، من المعقول أن نسأل عما إذا كانت الشركة التي تعمل في مجالات الغواصات، والمنشآت الصناعية، وقطع غيار السيارات، قد أصبحت أكثر تعقيداً فلا يمكن احتواؤها أو إدارتها. والأداء الضعيف للغاية أخيراً لدى قسم الحلول الصناعية في مجموعة «تيسين كروب» والهوامش الضئيلة نسبياً في قسم أعمال المصاعد – مقارنة بشركة «كوني أويج» المنافسة - يشير إلى أن هذا هو الحال بالفعل.
والقيمة المضافة هي مقياس مقدَّم من جانب الشركة يعكس الأرباح التشغيلية مطروحاً منها تكلفة رأس المال المستخدم في النشاط التجاري.
بطبيعة الحال، فإن مشكلات المجموعة الألمانية العملاقة أعمق بكثير من انتشار الأصول. ومن المهم أن نتذكر المكان الذي بدأ عنده السيد هايزينغر من وقت توليه منصبه الكبير. فلقد أنفق فريق الإدارة الأسبق في مجموعة «تيسين كروب» نحو 12 مليار يورو (نحو 14.1 مليار دولار) على مصنعين للصلب، أحدهما في الولايات المتحدة والآخر في البرازيل، وكان نموذج الأعمال وطريقة التشييد معيبة للغاية.
وتبع ذلك عمليات شطب هائلة، مما أدى إلى خسائر بمقدار نحو 7 مليارات يورو في الفترة بين عام 2011 وعام 2013 ودفع الشركة إلى حافة الإفلاس تقريباً.
ووقع على عاتق السيد هايزينغر، كذلك تجديد الثقافة التي تكتنفها المزاعم المتعلقة بتثبيت الأسعار وتقارير عن المديرين الذين يعيشون حياة فاخرة للغاية. واعتادت مجموعة «تيسين كروب» على الاستفادة من كثير من مناطق الصيد الخاصة. ومن غير المعقول أن نتهم نشطاء الصناديق ونصفهم بـ«الجراد» في ظل تاريخ الشركة الثري والحديث المشار إليه.
ومما يُنسب إلى السيد هايزينغر كذلك أنه أسس تحولاً جذرياً كبيراً وبعيداً عن الأنشطة الفولاذية الدورية للشركة العملاقة، الأمر الذي بلغ ذروته في الأسبوع الماضي من الجمع بين أعمال الصلب والفولاذ الأوروبية مع شركة «تاتا ستيل» الهندية المحدودة.
ومع ذلك، فقد قاوم السيد هايزينغر تنفيذ خطة التفكيك واسعة النطاق، قائلاً إن هناك منطقاً صناعياً بالمحافظة على الشركات المتنوعة معاً. ومما يؤسف له، فإن هذا المنطق ليس واضحاً في هوامش الأرباح التشغيلية للشركة، التي بلغت متوسطاً قدره 3 نقاط مئوية خلال السنوات الأربع الماضية.
وفي واقع الأمر، حتى التغييرات المتواضعة من شأنها أن تسفر عن كثير من القيم. ومن خلال وجودها في سوق الأوراق المالية الخاصة بها، يمكن لوحدة أعمال المصاعد أن تساوي قيمتها القيمة السوقية الكاملة للمجموعة الأم. ويبدو التقسيم أكثر احتمالاً بكل تأكيد بعد رحيل السيد هايزينغر عن قيادة المجموعة.
ولا يعتبر شيء من هذا بمثابة شجب أو قدح في دفاعه القوي عن النموذج الألماني للرأسمالية، والذي يوازن بين مصالح المستثمرين ومصالح الموظفين. إن القوة الاقتصادية الألمانية تدين بكثير من الفضل للمصنِّعين الكبار أمثال شركات «سيمنز»، و«دايملر»، و«فولكس فاغن» حيث يحظى العمال بصوت قوي ومسموع.
يوجد أكثر من ثلث موظفي مجموعة تيسين كروب في ألمانيا، ويتقاضون رواتب جيدة هناك عن أعمالهم لدى المجموعة ولديهم معاشات تقاعدية جيدة أيضاً. وهناك ما يمكن قوله حول ذلك. إن تهديد شركة «إيرباص» العملاقة بالرحيل عن الأراضي البريطانية، في حالة مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، يذكرنا بالمخاطر التي تتهدد الدولة التي لا تشجع الأبطال الصناعيين الكبار على أراضيها. إن الاقتصاد الخفيف لشركات مثل «أوبر» وسائقيها وخدمات توصيل الأغذية للمنازل لا يعتبر بديلاً مناسباً بحال.
ولكن يمكن لصناديق الناشطين أن تتحول إلى أصحاب مصالح مفيدين أيضاً، إذ إن نهج الاستثمار الأكثر صبراً وحصافة لدى «سيفيان كابيتال» السويدية لا يمكن أن يندرج تحت فئة رأسماليات الجراد، وكل الشركات التي ترغب في أن تستمر في العمل لفترة طويلة من الزمن هي في حاجة إلى اكتساب والمحافظة على المساهمين بكل جدية. وشركة «سيمنز»، على سبيل المثال، قد تقدمت بخطوة إلى الأمام عن الناشطين من خلال إدراج وحدات الطاقة والرعاية الصحية لديها بشكل منفصل - على الرغم من الإقرار بالنتائج المختلطة غير الواضحة حتى الآن.
ينبغي على ألمانيا الاعتراف بأن جميع النشطاء لا يسعون إلى تدمير القاعدة الصناعية الوطنية في البلاد. ولقد قدَّم أسلاف السيد هايزينغر أمثلة قوية وبارزة عن ذلك بالفعل.

- بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة