كيف يلتفّ «فيسبوك» و«غوغل» على قواعد الاتحاد الأوروبي للبيانات؟

كيف يلتفّ «فيسبوك» و«غوغل» على قواعد الاتحاد الأوروبي للبيانات؟

الاثنين - 19 شوال 1439 هـ - 02 يوليو 2018 مـ رقم العدد [14461]
من الممارسات التي أصبحت مألوفة في أوساط شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة، الالتزام بنصوص القواعد والتنظيمات الأوروبية من دون تغيير سلوكها فعلياً على أرض الواقع.
مؤخراً أظهر «فيسبوك» و«غوغل» التزاماً ظاهرياً فقط بتنظيم حماية البيانات العامة الصادر عن الاتحاد الأوروبي الذي يُلزم الشركات بالسماح للمستخدمين بالحفاظ على سيطرتهم على البيانات التي تخصهم.
وأصدر المجلس النرويجي لشؤون المستهلكين الذي يتلقى تمويلاً حكومياً، تقريراً أظهر أن الشركات التكنولوجية تعتمد على ما سماه «أنماطاً مظلمة» لتثبيط المستخدمين عن ممارسة حقوق الخصوصية المتعلقة بهم. ويشير هذا الوصف إلى الواجهات الرامية لخداع المستخدمين لدفعهم إلى فعل شيء ما، عادةً ما يتمثل في الاشتراك في خدمةٍ ما أو إفصاحهم عن بيانات.
استخدم «فيسبوك» و«غوغل» هذه الاستراتيجية لبعض الوقت رغم التزامهما ظاهرياً بالقواعد الأوروبية المعروفة اختصاراً باسم «جي دي بي آر»، واحتوى التقرير الصادر عن الوكالة النرويجية المعنية بحماية المستهلكين تفاصيل الحيل التي تلجأ إليها الشركات للإيهام بالتزامها بالقواعد.
وتوصل باحثو الوكالة إلى أن «فيسبوك» و«غوغل» لديهما إعدادات تلقائية مصمَّمة لاجتذاب الحد الأقصى من البيانات الشخصية من المستخدمين.
أما الإخطارات المرتبطة بقواعد «جي دي بي آر» فمرتبطة بزرّ ضخم سهل الاستخدام يتيح الضغط عليه للمستخدمين الموافقة على الممارسات الحالية للشركة. أما إذا رفض العميل، تُوجَّه إليه-إليها الدعوة لتغيير الإعدادات. ويعني ذلك فعلياً أن النظام يوفر ممارسات الشركات باعتباره الوضع التلقائي، أما اختيار الخروج من دائرة هذه الممارسات فيشكل عملية متعددة الخطوات تثبط المستخدمين.
وذكر التقرير أنه «من المنظور الأخلاقي نعتقد أن شركات توفير الخدمة ينبغي أن تسمح للمستخدمين اختيار كيفية استخدام بياناتهم الشخصية بغرض إمدادهم بإعلانات أو تجارب مناسبة لهم. وبالتالي فإن جعل الخيار الأقل محافظة على الخصوصية الوضع التلقائي للخدمة يعد عملاً غير أخلاقي من وجهة نظرنا بغضّ النظر عما تراه الشركة المقدِّمة للخدمة مصلحة مشروعة لها».
وأشارت الوكالة إلى أن «مايكروسوفت» أبلت بلاءً جيداً في ما يتعلق بتمكين المستخدمين من حماية بياناتهم. وعرض «ويندوز 10» سلسلة من الشاشات التي تدعو المستخدمين لاتخاذ خيارات بالاشتراك أو الانسحاب. كما يتضمن تحديث «ويندوز 1» عدداً متكافئاً تقريباً من الخطوات للانضمام والانسحاب. ورأى الباحثون القائمون على التقرير أن هذا التصميم يشكل نموذجاً للشفافية.
الملاحَظ في ما يخص «فيسبوك» و«غوغل» أنهما لا يقرّان أكثر الإعدادات اختراقاً للشفافية باعتبارها الوضع التلقائي لخدماتهما فحسب، وإنما يجعلان من مسألة تغيير هذا الوضع عملية شاقة ومرهقة. وتبدأ عملية تثبيط المستخدمين عن محاولة تغيير هذا الوضع التلقائي من اختيار ألوان الأزرار. بالنسبة إلى «فيسبوك» يحمل زر «موافقة واستمرار» لوناً أزرق جذاباً، بينما يحمل زر «تعديل إعدادات البيانات» لوناً رمادياً ويبدو أقل جاذبية. إضافة إلى ذلك فإن من يختارون زر «تعديل إعدادات البيانات» تنتظرهم سلسلة من الاختيارات معقدة الصياغة وصعبة الفهم. واللافت أن الخروج من الإعدادات التلقائية يتطلب 13 نقرة، في الوقت الذي تستلزم الموافقة على هذه الإعدادات نقرة واحدة فحسب. ويتسم «غوغل» بتوجه مشابه. وفي كلتا الحالتين، هناك صعوبة أكبر لحذف البيانات التي جرى جمعها بالفعل، على سبيل المثال بخصوص تاريخ الموقع والذي يستلزم النقر عبر 30 أو 40 صفحة.
وأفاد التقرير بأنه «عبر إعطاء المستخدمين مجموعة ضخمة من الخيارات الكثيرة للغاية من أجل إدارة الإعدادات صاغ (غوغل) أدوات خصوصية، تبعاً لتحليلنا، تثبّط المستخدمين عن تغيير أو السيطرة على الإعدادات أو حذف كميات ضخمة من البيانات».
أيضاً انتقد التقرير اللغة التي يستخدمها «فيسبوك» و«غوغل» في دفع المستخدمين نحو قبول مسألة جمع البيانات. على سبيل المثال في ما يتعلق بخاصية التعرف على الوجه التي تعد من التقنيات المقتحمة للخصوصية بدرجة كبيرة، يطرح «فيسبوك» الرسالة التالية: «إذا ما أبقيت خاصية التعرف على الوجه مغلقة، لن تتمكن من استغلال هذه التكنولوجيا إذا ما استخدم شخص غريب صورتك لانتحال شخصيتك».
إلا أن هذه الملحوظة لا تذكر القيود «المفروضة على الكيفية التي يمكن لـ(فيسبوك) من خلالها استخدام هذه المعلومات»، حسبما أفاد الباحثون. وأضافوا: «على سبيل المثال من الممكن استخدام تقنية التعرف على الوجه في توجيه الإعلانات المستهدفة المعتمدة على الحالة النفسية أو تحديد هوية المستخدمين في مواقف قد يفضلون الإبقاء على هوياتهم في إطارها غير معروفة».
وأضاف الباحثون أن «غوغل» أيضاً لا ينبّه المستخدمين إلى الجانب السلبي لشخصنة الإعلانات (مثل إمكانية اختيار المستخدم رسائل سياسية غير متوازنة) وإنما يكتفي بإخبار المستخدمين أنهم سيشاهدون إعلانات لكن «أقل فائدة».
وفي ما يتعلق بالصياغة، وجد التقرير أن «مايكروسوفت» هو الآخر يعاني من تقصير، وذلك لأن الواجهة الخاصة به تصف الخيارات الأقل حفاظاً على الخصوصية بألفاظ إيجابية مشجعة مثل أنها «تحسّن التعرف على الطباعة ونمط الكتابة»، وتشير إليها باعتبارها تمثل قرارات إيجابية. أما الخيارات الأقل تقييداً لاقتحام الخصوصية فيجري طرحها باعتبارها سلبية.
ولا تقصر شركات التكنولوجيا العملاقة نفسها على الصياغة والتصميم، وإنما أيضاً تكافئ السلوك الذي يتماشى مع أهدافها وتتوعد بالعقاب المستخدمين الراغبين في اتخاذ مسار مختلف. على سبيل المثال عند النظر إلى زر «انظر خياراتك» الموجود في «فيسبوك» نجد أنه يظهر لأولئك الذين لا يرغبون في النقر على زر «أوافق» وتظهر شاشة عليها خياران: العودة إلى الموافقة على الشروط أو حذف الحساب. بالنسبة إلى «غوغل» فإنه يخبر المستخدمين الذين يخرجون من خاصية شخصنة الإعلانات بأنهم لن يتمكنوا من «وقف أو كتم صوت بعض الإعلانات».
ومع هذا فإن «مايكروسوفت» يخطر المستخدمين بأن الأجهزة التي تعمل بـ«ويندوز» سوف تستمر في العمل بصورة طبيعية، وسوف تتمتع بنفس المستوى من الأمان بغضّ النظر عن اختياراتهم على مستوى الخصوصية.
من ناحية أخرى يتقدم بعض أنصار الخصوصية مثل المحامي النمساوي ماكس شريمز، بشكاوى لدى جهات التنظيم المحلية، بخصوص التزام تلك الشركات التكنولوجية العملاقة بقواعد «جي دي بي آر». وبالتأكيد سيظهر مزيد من الشكاوى التي ربما تؤدي في النهاية إلى رفع دعاوى قضائية. إلا أن هذا التوجه يخلق وهم تقديم العون للمستخدمين بينما يُضطرون في الواقع إلى بذل وقت ومال للمحاربة من أجل الحصول على حقوق تكفلها قوانين الاتحاد الأوروبي.
في الوقت نفسه هناك خيار آخر أفضل مثلما يكشف نموذج «مايكروسوفت». بالطبع لا يعتمد النموذج التجاري لشركة «مايكروسوفت» الضخمة العاملة بمجال البرمجيات على جمع البيانات على خلاف الحال بالنسبة إلى «فيسبوك» و«غوغل». ومع هذا فإن ذلك لا يعني أنه يحق للشركات الأخرى التمتع برخصة التظاهر بأنها تلتزم بالقواعد دون القيام بذلك فعلياً. ويجب أن يتصدى المنظمون الأوروبيون بصرامة لمثل هذه الممارسات.
- بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة