التقدم الطبي مشكلتنا

التقدم الطبي مشكلتنا

الثلاثاء - 22 شهر رمضان 1439 هـ - 05 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14434]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ

لقد خيب الربيع العربي جل آمالنا. وتعاني الآن معظم الدول الشرق أوسطية من مشكلة الفقر والمجاعة والبطالة. كان هذا من أسباب الاضطرابات التي اجتاحت إيران وتونس واليمن. لو تأملنا قليلاً لوجدنا أن السر الرئيسي لهذه المشكلات تزايد السكان. تعطينا مصر مثلاً جيداً لما أقول.
كانت معظم شعوب العالم الثالث تعاني من الأمراض. وأرجو ألا يعتبرني القارئ الكريم خبيثاً ولئيماً وعلى الأقل ساخراً وهازلاً إذا ما قلت إنها تعاني الآن من وفرة الصحة. لم يعد الناس يموتون بالسهولة التي كانوا يموتون بها بالأمس القريب. فباستثناء السرطان لم تعد هناك أمراض مخيفة كالسل والبلهارسيا والملاريا تفتك بنا كما كانت تفعل بالأمس القريب. وتمت الآن السيطرة على الأمراض الوبائية كالهيضة (الكوليرا) والجدري والطاعون، الأمراض التي كانت تكتسحنا أكواماً أكواماً.
ونحن الآن ننتظر من حكوماتنا أن توفر لنا العلاج والدواء ونعتبرها مقصرة إن لم تفعل ذلك وبالمجان. وعندما توفر ذلك نطالبها بتوفير عمل لنا وبأجور سخية - بل وننتظر منها أن تؤنسنا أيضاً بالطرب واللعب والأنس وكل وسائل المتعة. إنهم في العراق يسنون قانوناً جديداً لما يسمونه بزواج المتعة.
لم تسلم الدول الغربية من مشكلة الصحة والعافية. والكثير منهم اليوم يعيشون لأكثر من مائة سنة في حين كان ذلك يعتبر شيئاً نادراً. كانت ملكة بريطانيا تبعث ببرقية تهنئة للمئويين. لم تعد تفعل ذلك الآن. أصبحت حكوماتهم تعاني مما يسمونه مشكلة المسنين. كبار السن الذين ينتظرون من الدولة إعاشتهم ورعايتهم والاعتناء بهم. «المعتنون» (كيررس) أفواج من الناس لا شغل لهم غير العناية بالمسنين، ويتقاضون أجوراً عالية عن هذه المهمة. أصبحت حكوماتهم تنوء بكاهل توفير الصحة. فمعدل العمر عندهم يبلغ الثمانينات في حين أن معدل التقاعد في الستينات. هناك معدل عشرين سنة يقتضي على الدولة خلالها أن تعيشهم وتدفع لهم معاشاتهم وتعتني بصحتهم وتوفر لهم وسائل الأنس. فليس من الإنصاف أن يقضوا وقتهم بالملل والحيرة.
يعود كل ذلك لنفس المشكلة التي نواجهها في عالمنا الفقير الثالث، وهي التقدم الصحي والسيطرة على الأمراض. ومن المسؤول؟ اسمحوا لي أن أقول المسؤولون هم كل هؤلاء الأطباء والعلماء الذين لا ينفكون من اكتشاف شتى الأدوية والأساليب الجراحية لإبقائنا أحياء وأعباء على الدولة. وأكثر من ذلك فلا يفوت يوم إلا ونسمع منهم عن اكتشاف أمراض لم نسمع بها من قبل. يلي ذلك أنباء اكتشاف أدوية لهذه الأمراض التي نكون قد عانينا منها أو سمعنا بها. هذه هي المشكلة. كل هؤلاء الأطباء الذين لا ينفكون من البحث عن الأدوية التي تطيل عمرنا وتحملنا تكاليفها ومشقات طول أعمارنا وكل ما يصحب الشيخوخة من أوجاع وأعباء وتكاليف وسأم ومعاناة. ولم كل ذلك؟ ليسعد الأطباء بمعالجتنا وإطالة عمرنا واستنزاف جيوبنا.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو