أمثولة في ساعة الشِّدة

أمثولة في ساعة الشِّدة

الثلاثاء - 8 شهر رمضان 1439 هـ - 22 مايو 2018 مـ رقم العدد [14420]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق
هنالك أمثولتان صدريتان في المشهد العربي السياسي المتأزم. أمثولة مرتبطة بالسيد موسى الصدر، وأمثولة معاصرة مرتبطة بالسيد مقتدى الصدر، مسرحها العراق.
في مثل هذه الأيام من عام 1975، كان لبنان المبتلى بتدخلات الآخرين بشؤونه، وببعض أطيافه السياسية والحزبية، الخارجين على قدسية الولاء للوطن أولاً وثانياً ودائماً، يعيش ظروفاً سياسية بالغة الحدة، نشأت على خلفية حادثة الأوتوبيس الفلسطيني المفتعَلة. وكان إطلاق النار من جماعات في منطقة للتعصب الحزبي المسيحي فيها بعض الشأن، على الأوتوبيس، وتبادُل الإطلاق من الركاب، وهم فلسطينيون مسلحون بطبيعة الحال، كانوا عائدين من مسيرة احتفالية نظَّمها فصيل فلسطيني يدين بالولاء لنظام الرئيس حافظ الأسد، السبب في سقوط ثلاثين قتيلاً، من بينهم 26 فلسطينياً، واثنان من حزب «الكتائب»، أقوى حزب مسيحي لبناني زمنذاك، واثنان آخران لا علاقة لهما بالطرفين.
كانت هذه الواقعة بمثابة الشرارة التي أشعلت نار حرب أهلية، أكلت من الإنسان وهدَّمت من البنيان، ما جعل مكان لبنان ومكانته على حافة الهاوية. وكاد سينتهي أمره في الجب ولا يجد مَن ينتشله، على نحو ما حدث مع يوسف الذي رماه إخوته وادعوا أمام والدهم أن الذئب أكله، لكن الله شاء أن ينتشله بعض المارة، وتذهب قصة يوسف أمثولة في الحسد والغدر، حتى بين الأخ وإخوته.
أفرزت الواقعة التي نشير إليها وضعاً سياسياً بالغ التعقيد. أبرق ياسر عرفات، الذي كان شأنه في لبنان عسكرياً يشبه بعض الشيء شأن «حزب الله» خلال الخمس عشرة سنة الماضية ولا يزال، فضلاً عن شرعية لهذا الشأن، نتيجة اتفاق كان أراده الرئيس عبد الناصر، وتم إبرامه في القاهرة، وحماية معنوية وشعبية لهذا الاتفاق من أطياف لبنانية إسلامية (سنة وشيعة ودروز) وبعض المسايرة المسيحية لأسباب تتعلق بالمصالح السياسية والتطلعات من جانب البعض إلى الترؤس. وفي برقيته كان عرفات كالذي ينطبق عليه المثل «بدل أن يجبرها كسرها»، ذلك أنه دعا الملوك والرؤساء إلى التدخل، ودعا رئيس الجمهورية اللبنانية إلى ضرب «حزب الكتائب». وهنا تصرَّف عرفات كزعيم سياسي لبناني، غفر المولى له هذه الهفوة.
بدأ الكر السياسي والفر الحكومي، فيما رئيس الجمهورية زمنذاك سليمان فرنجية (الجد) قيد العلاج في المستشفى. أما رئيس الحكومة رشيد الصلح، فإنه تبنَّى موقف عرفات، وتناول بالغمز الامتيازات الطائفية، الأمر الذي أدى إلى استقالة نصف أعضاء الحكومة، ثم تقديم رئيسها استقالته، وهنا دخل الزعيم الدرزي كمال جنبلاط على الخط، وبدأ يتحدث عن أزمة حُكْم يسير نحوها لبنان. وإزاء ذلك فاجأ رئيس الجمهورية اللبنانيين بحرب عسكرية برئاسة العميد المتقاعد نور الدين الرفاعي، وقوبلت الخطوة بردود فِعْل معترضة، فكانت استقالة الحكومة التي عاشت 36 ساعة، ولم تُلتقط لها حتى الصورة التذكارية. هنا بدأ الوضع يتجه نحو ما هو أعظم، خصوصاً بعد تصريح أدلى به هنري كيسنجر، قال فيه إن الوضع قد ينفجر ويتحول إلى حرب أهلية، مقابل نداء من الرئيس أنور السادات دعا فيه اللبنانيين إلى «ضبْط النفس، وتقدير الظروف العربية، والتوفيق بين سيادة لبنان ووجود المقاومة فيه».
ازدادت حدة الأزمة، وبلغت الشدة المجتمعية الذروة، وبدأت حبات العقد السياسية تتبعثر، رغم تكليف القطب السياسي المحنك رشيد كرامي بتشكيل حكومة جديدة. وطغت أخبار القتل والاعتداءات، ونصْب المتاريس المذهبية، وانتشار السلاح، وحدة الكلام التجريحي، والاتهامات المتبادَلة مغمسة بالسيئ من العبارات، ودخل الرئيس حافظ الأسد شخصياً على الأزمة، بين مستقبلٍ لزعامات لبنانية سياسية ودينية، وبين إيفاد مبعوثين من جانبه إلى لبنان، كان الأبرز بين هؤلاء عبد الحليم خدام (المدني)، وحكمت الشهابي (العسكري).
هنا ترتسم في المشهد اللبناني المتأزم الذي ينزف سمعة وأرواحاً بريئة، أبشع حالات القتل، إلى جانب التهجير، وكذلك الهجرة عبْر البحر.
وهنا يفاجئ الزعيم الديني الشيعي الإمام موسى الصدر اللبنانيين بكافة أطيافهم وطوائفهم، بما لم يتوقعه أحد منه. فقد توجَّه بعد ظهر يوم الجمعة 27 يونيو (حزيران) 1975، إلى مسجد الكلية العاملية (الصرح الشيعي التعليمي الوحيد في لبنان منذاك وحتى الآن)، وهو من باب المصادفة اللافتة يقع (أي الصرح والمسجد) في شارع عمر بن الخطاب. كان مع السيد موسى أربعة من المعاونين، ودخل المسجد حاملاً بيد حقيبة، وباليد الأُخرى عباءته، واتخذ من إحدى زوايا المسجد مكان جلوس، وأبلغ الذين التفوا حوله (وكنتُ بصفتي الصحافية أحدهم) الآتي: «طوال يوم الخميس وليله، كنتُ أتلقى شكاوى الرجال، وأسمع بكاء الأرامل واليتامى، وعلى رغم أنني سعيتُ جهدي ولم أذق طعم النوم، فإن القصف لم يهدأ، والأوضاع تزداد سوءاً، فقررتُ في الثانية بعد ظُهر اليوم أن أعتصم، وأصوم حتى الشهادة، أو حتى تعود البلاد إلى طبيعتها. وقد ودَّعتُ والدتي وزوجتي وأطفالي، وجئتُ أصلِّي إلى الله أن ينقذ هذا الوطن...». أفادت الخطوة الصدرية، كونها غاندية المنحى، لا سلاح ولا مكايدة ولا تهديدات ولا اجتياحات. لمجرد سماع نبأ الاعتصام تقاطر الناس إلى المسجد، ثم بدأ رموز العمل السياسي والحزبي من مسلمين ومسيحيين يصِلُون إلى المسجد. وكان لافتاً منظر ثلاثة زعماء من السنة (رشيد كرامي، وصائب سلام، وعبد الله اليافي) يفرشون الأرض يحيطون بالصدر، ثم تقاطُر شخصيات مسيحية جاءوا أيضاً مقدِّرين خطوة الاعتصام، مستحضرين وقفة السيد موسى ذات يوم خطيباً على منبر كنيسة في بيروت.
كما كان واضحاً أن الفِعْل الصَدري ساعد في أن رشيد كرامي استطاع تشكيل حكومة من ستة، كانت نوايا هؤلاء إنقاذ الوطن من شدَّته؛ لكن المحنة كانت أقوى من النوايا، وبقيت حال لبنان تتأرجح بين الفناء والبقاء، إلى أن قضي الأمر إنقاذاً من خلال المسعى السعودي العربي الطيِّب، الذي أثمر «اتفاق الطائف»، وإعلانه في مدينة جدة مساء يوم الاثنين 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1989. حقائق المداولات في ذمة وذاكرة الصدري العريق ورئيس البرلمان السابق، السيد حسين الحسيني.
تلك كانت إضاءة على الأمثولة الصدرية الأولى، ورمزها الديني – السياسي، السيد موسى الصدر، قبل 43 سنة في لبنان. في انتظار ما ستحققه الأمثولة الصدرية الثانية في العراق، ورمزها الديني – السياسي، السيد مقتدى الصدر.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة