جدل مزمن وإفراط بلا ضرورة

جدل مزمن وإفراط بلا ضرورة

الأربعاء - 5 رجب 1439 هـ - 21 مارس 2018 مـ رقم العدد [14358]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
وفاة عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ، أحيت جدلاً مزمناً، محوره سؤال: هل يصح لنا أن نعتمد على عقولنا كمصدر للقيم وأخلاقيات التعامل مع الناس، المشابهين لنا والمختلفين عنا؟
سبب هذا السؤال هو إصرار بعض الناس، على أن هوكينغ وأمثاله من العلماء الذين أغنوا حياة البشر، ليسوا مسلمين فلا يستحقون الرحمة.
لحسن الحظ، فإن غالبية المسلمين اليوم، يعتبرون هذا الرأي إفراطاً بلا ضرورة. لأننا لا نعلم ماذا سيفعل الله بأمثالنا وأمثال ستيفن هوكينغ. وذكرني هذا السجال بقصة شهدتها أيام دراستي الأولى، خلاصتها أن زميلاً لي جادل أستاذنا حول المصير الأخروي لمن نعتبرهم كفاراً. بدأت القصة حين أثنى الأستاذ على علم الفيلسوف اليوناني سقراط وفضائله. فقال التلميذ مازحاً: «في نهاية المطاف... سنتفرج عليه وهو يحترق في نار جهنم» فأجابه الأستاذ بلهجة حازمة: «إذا حظينا بعفو الله فقد نجد سقراط وتلاميذه قدامنا في الجنة». ثم شرح مسألة الحسن والقبح العقليين، التي كانت في الماضي مورداً للجدل بين علماء الكلام وأصول الفقه.
منذ زمن قديم انقسم علماء المسلمين إلى فريقين، فريق اعتبر النص الوارد عن الله والرسول مصدراً وحيداً للتشريع والقيم الأخلاقية. وفريق قال إن العالم يتغير فتستجد قضايا ما كانت منظورة في زمن النص. فلا محيص من اعتماد العقل كمصدر للشرائع. صور هذه الإشكالية الفقيه الشافعي أبو الفضل الشهرستاني بقوله إن النصوص محددة والحوادث لا متناهية، ونعلم قطعاً أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يمكن للمحدد أن يكون لامحدود.
كلا الفريقين ما زال حاضراً في ساحة الفقه والدعوة. ولديه مبررات تدعم موقفه. ولعل أقوى حجج الإخباريين هي قولهم بأن النص معصوم والعقل خطاء، فالالتزام بمنطوق النص أقرب للسلامة، لأن طاعة الله أحرى ألا تبنى على الظنون.
يعرض الفريق الآخر حجة لا تقل قوة، وخلاصتها أن الله خلق العقل وأمر عباده بالاعتماد عليه في كل جوانب حياتهم، واعتبره شرطاً للتكليف، فغير العاقل لا يسأل عن شيء ولا تكليف عليه. العقل إذن محور علاقة الناس بربهم. فإذا كان غير قادر على تمييز القبح والحسن المنطوي في أفعال البشر، غير قادر على تمييز ما يستحق الثناء وما يستحق العقاب، فكيف يكون قاعدة الحياة الدينية ومحور علاقة الإنسان بربه؟
وقالوا أيضاً إن التفكر والاختيار العقلي المحض، هو مبدأ معرفة الله والإيمان به، فليس في التوحيد تقليد. وهذا أصل الإيمان، وهو سابق لكل الشرائع. فكيف يكون العقل مبدأ في الأصول، ولا يكون معتبراً في الفروع؟
جوهر المسألة إذن يدور حول سؤالين، أولهما: هل يمكن وصف فعل ما بأنه حسن أو قبيح اعتماداً على حكم العقل، أم أن جميع الأفعال محايدة، حتى يأتينا نص شرعي يخبرنا عن كونها حسنة أو قبيحة. والثاني: إذا حكم العقل على فعل ما بأنه حسن أو قبيح، فهل لهذا الحكم اعتبار في الشرع، أم لا.
لو أردنا تطبيق المسألة على حدث اليوم، فستكون على النحو التالي: هل نعتبر إنجازات العلماء أمثال ستيفن هوكينغ، ذات قيمة واحترام عند الدين أم لا. وبناء على الجواب، هل يستحق هؤلاء العلماء التبجيل والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة أم لا.
أظن أن أي إنسان يقدر عقله قد توصل إلى الجواب الآن.

التعليقات

كاظم مصطفى
البلد: 
الولايات المتحده الاميريكيه
21/03/2018 - 00:18

هؤلاء العلماء الذين خدموا البشريه في مكافحة الامراض بادويتهم التي توصلوا لها والعلوم الاخرى الصناعية والزراعيه كل هؤلاء العلماء لم يتوصلوا لانجازاتهم هذه الا بمشيئة الله سبحانه وتعالى بقوله (ولا يحيطون بشئ من علمه الا بما شاء الله) اي ان كل هذه العلوم في محيط دائرة مغلقه شاء الله ان يخترق هذا المحيط لمن خدم البشرية .

ابو سالم
21/03/2018 - 00:48

ان الله لا يغفر ان يشرك به شيئا ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ---- وقوله : ان الدين عند الله الاسلام --- وقوله:

ابوياسر
البلد: 
السعودية
21/03/2018 - 04:53

الجنة كبيرة جدا وتتسع للجميع
والله وحده يقرر من يدخلها
وكل الضوابط والاحكام عن الجنة والنار في القرآن والسنة والماثور ملزمة للمسلم فقط
حتى يحكم على نفسه(بل الانسان على نفسه بصيره. ولو ألقى معاذيره)
اما غير المسلم فمعيار دخوله الجنة هو مايقدم من عمل بينه وبين ربه وهذا يخفى على كل البشر
واذا اردنا ان نترحم على احد منهم فسنذكر له صنيع فعله الذي جعلنا نترحم عليه
ففي عقيدتنا كثير ممن لايدينون بالاسلام دخلوا الجنة بسبب عمل بسيط جدا يخدم الانسان او الحيوان او المثل والقيم الانسانية
وعموما ينبغي ألا نعطي مثل هذه الموضوعات حجما اكبر منها فمن يترحم نقول له لاينفعه ترحمك عليه بشئ
سوى قناعتك بانك تتناول هذا الجانب من الناحية الانسانية
ومن يغضبه الترحم نقول له: لاتخف فالله لن يبدله النار بالجنة اذا كان لايستحقها بمجرد ترحمنا عليه
ولن يزاحمك عليها.

عادل
21/03/2018 - 05:09

أستاذ توفيق, عند انتهاء الحكم العثماني الرجعي في العراق بعد الحرب العالمية الاولى و أحتلال العراق من قبل الانجليز و مجيء فيصل الاول و افتتاح المدارس و بدأ عصر التنوير, قال بعض الناس الى أحد رجال الدين الكبار أن يذهب الى المدرسة الفلانية لكي يرى الكفر بعينيه و قد ذهب هذا و لبس الزي الافندي لكي لا يعرفه احد و سمع مدرس الجغرافيا يقول عندما تشرق الشمس على البحار و تبخر الماء من سطح البحر يذهب بخار الماء الى اعلى الجو و عندما يلامس طبقة باردة يتكاثف و ينزل مطرا, لقد ارتج عقل رجل الدين هذا و الف كراسا يرد به على هذه الافكار و سماه :" السيف البتار في دحض الكفار حول التبخر و الامطار " و ايضا عندما جلب الانجليز الشوكة و الملعقة في الاكل حرموها و قال احدهم ك" أضرب بخمس و لا تاكل بملعقة...أن الملاعق للرحمن كفر انا .

عبدالله صالحين
البلد: 
Saudi Arabia
21/03/2018 - 07:49

أشعر بأن حلقة ما مفقودة في المقال خصوصا في حيثية ربط علم الإنسان وماقدمه للإنسانية بالدعاء له بعد موته بالمغفرة،
فعدم الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة بعد مماته، فيه أثر صريح وعرف يجعل المسلم يحجم عن الدعاء للمتوفي غير المسلم بالرحمة والغفران خاصة دون غيرهما من باقي الدعاء،

وأما انجازات هوكينغ ، فذات قيمة ويشجع عليها الإسلام ويشكر عليها وبعضها مردود عليه، وأما مابينه وبين ربه من عقيدة معلنة ، فذلك هو المفتاح لدعائنا له من عدمه، إذ أن الدعاء بالرحمة والمغفرة حصراً بعد الموت هو واجب فيما بين المسلمين لبعضهم فقط وأما من مات على غير الإسلام فشأنه لله، وليس لمسلم أن يترحم او يستغفر فهي مزية للميت المسلم دون غيرها من الدعاء، ولو دعي له بغير ذلك لكان حسناً،
أما الجدل فهو طبيعي ، ناس يلهمها النص والعرف والأثر ، وناس تحركها عاطفة الاحسان،

حسان عبد العزيز التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
21/03/2018 - 13:20

إننا نفهم مم كاتب المقال أن الرسالات السماوية جاءت مكملة لبعضها ولا تناقض بين رسالة وأخرى سواء أكانت يهودية أو مسيحية أو إسلامية ، ولكننا نلحظ جدلا كبيرا بين علماء الدين وعلى أعلى المستويات ، فيشارك فيها عقول نيّرة مستبصرة ، وقد يوافق البعض على تلك الحورات بين الاديان ، إن جاز التعبير، ولكنهم لا يخلصون لنتيجة ينتظرها الكثيرون من عامة الناس ، وفي هذا الصدد ، فإننا نجد إبن اليهودي يهودا وإبن المسيحي مسيحيا وإبن المسلم مسلما ، وقلما نجد من يعتنق دينا غير دينه من خلال حوار أو قناعة أو اقتناع ، فكل يتبع مقولة ، هكذا وجدنا آباءنا، ثم إنني سمعت نقاشا متلفزا بين محاور ورجل دين، فقال المحاور لا يوجد مشكلة بيني وبين عقيدتي ولا أعاني من أي صراع، لذا فما من داع لاعتناق دين آخر ، ولا بدّ ان اعرج على نفسي شخصيا ، فانا مسلم وسعيد بديانتي وعباداتي

عبدالله
البلد: 
السعودية
22/03/2018 - 19:44

الفعل بما هو فعل مجرداً من الفاعل، لا يقع عليه القبح والحسن… أي أنه لا يتصف بكونه حسناً أوقبيحاً ما لم ننسبه لفاعله هذا أولاً
ثانياً: لا ملازمة لجهود العلماء وأمثالهم في جوانب الحياة ومنها عمارة الأرض وملزوم العقاب أو الثواب الآخروي، وعلى المدعي البيّنة…

خلاصة القول… نحتاج أن ندرّب ونهذّب أخلاقنا، فهؤلاء افضوا إلى أعمالهم، ولم نوكّل بحسابهم

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة