قرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس فيه غبن وظلم وعدم مبالاة للرأي العام العربي والإسلامي، وهذه هي البيئة التي تتكاثر فيها بكتيريا التشدد المؤدي للإرهاب. وأكاد أجزم أن حركات الإرهاب والتشدد التي اندحرت في الشام والعراق وكل خلاياها النائمة والمستيقظة في طول العالم العربي وعرضه انتشت لهذا القرار، لأن أدبياتها أصلاً تقوم على إقناع ضحاياها الذين يستدرجهم المختصون للدخول إلى عالم العنف والإرهاب بأنه لا يمكن التعويل على الحلول السلمية والمفاوضات المكوكية، فهي لا تزيد القوى الكبرى إلا مزيداً من التعنت والظلم، وأن العنف والإضرار بالخصم هو اللغة التي يفهمها... هكذا تغسل التوجهات الإرهابية أدمغة الشباب، وهكذا بدا المشهد متناقضاً، فمن يجعل أولى أولوياته محاربة الإرهاب ويبذل الغالي والنفيس لإغلاق مصادره وتجفيف منابعه هو ذاته الذي يفجر أحد منابع الإرهاب ومصادره!
وهذه ليست فرضية بل تسندها الوقائع والشواهد، فالحكومات التي ترأسها قمعيون ومارسوا الكبت والقمع والظلم والازدراء مثل العقيد القذافي وحافظ الأسد كانت مناخاً مهيأً لتفريخ المتشددين والإرهابيين، والحكومات التي ازدهرت شعوبها ولم تمارس القمع والظلم، مثل دول الخليج، كانت الأقل تأثراً بالإرهاب وجهود تجنيد الجيل الجديد للدخول في هذا العالم غير الحضاري.
يجب أن تدرك الولايات المتحدة أن تفردها بزعامة الكرة الأرضية ليس معناه أنها تستطيع أن تحقق ما تريد، دون المعاناة من الأعراض الجانبية وبعض الارتدادات العكسية ولو على المدى الطويل، فقد ذكر عدد من المحللين أن هذا القرار الأميركي الخطير قد قفز بقضية فلسطين إلى الواجهة مرة أخرى بعد أن توارت عن اهتمام العالم الإسلامي منذ اندلاع الثورات العربية وما أعقب زلزالها من ارتدادات لا نزال إلى الآن نعيش آثارها الكارثية. كما يجب أن تدرك أميركا أن القدس حي في وجدان المسلمين تعززه النصوص وتشعله جذوة الإصرار، فقد سطر التاريخ ملاحم من النزلات الصعبة، كالحروب الصليبية، انتهت في الأخير بدحر الغزاة على الرغم من كثرتهم وقوة عتادهم وسطوتهم، ولا أقصد أن الغرب في هذا الشأن شريك في هذا القرار، بل على العكس، إذ أبدى عدد كبير من الدول الغربية، ومنها دول كبرى، مواقف مشرفة باعتراضها الشديد على القرار، وحذرت، كما حذر القادة العرب من تداعياته ومآلاته.
وأخيراً، فليس المحزن فقدان القدس، لا سمح الله، واعتبارها عاصمة لإسرائيل فحسب، بل المحزن أيضاً حالة الخصام الشديد والتخوين والسباب والشتائم التي اندلعت بين قلة من شرائح المجتمعات العربية وخصوصاً الشرق أوسطية، ونال دولاً لها سجل تاريخي ذهبي في دعم القضية الفلسطينية سياسياً واقتصادياً وإغاثياً وفي المحافل الدولية بلا منة ولا استمطار لثناء، ومع انزعاج المملكة العربية السعودية من مواقف بعض القادة الفلسطينيين في الماضي، كموقفهم إبان احتلال الكويت، فإن المملكة لم تغير مواقفها الراسخة الداعمة للقضية الفلسطينية، أما شريحة الجماهير العربية التي دخلت في معترك سباب متبادل، فقد كان الأولى أن تجعل من القرار الأميركي عامل وحدة لا سبباً لفرقة، فالأزمات توحد ولا تشتت.
9:11 دقيقه
TT
القرار الأميركي يوحد لا يشتت
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
