لقد كان أحد أكثر الانتصارات المجازية سخافة في تاريخ ألمانيا. ففي مساء الأحد، وبعد انقضاء 56 يوماً من محادثات الأحزاب الأربعة بشأن تشكيل الحكومة الائتلافية، انسحب الحزب الديمقراطي الحر، المؤيد لعالم المال والأعمال، على نحو مفاجئ من المفاوضات، مما أسفر عن انتهائها بصورة فعالة.
وتحتل «التوافقية» محل الحمض النووي في النظام الديمقراطي البرلماني الألماني - ولذلك، عندما استيقظ الشعب الألماني صبيحة يوم الاثنين على تلك الأنباء، كانت تمثل صدمة كبيرة بالنسبة لهم. فإن مثل هذا الإخفاق يعد من أكبر التحديات في الدور الجديد الذي تلعبه ألمانيا على الصعيد العالمي اليوم. وهو من الأمثلة الأخرى على الاستبدادية السياسية الخطيرة التي تجتاح الديمقراطيات على مستوى العالم.
وفي الانتخابات الوطنية التي عقدت في 24 سبتمبر (أيلول)، حصلت ستة أحزاب على الأصوات الكافية لتأمين مقاعدهم داخل البرلمان الألماني (البوندستاغ) - ومن أبرزها كان حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي المتطرف. وكان الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وهو حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، هو أكبر هذه الأحزاب، ولكن مع نسبة لا تتجاوز 34 في المائة من مقاعد البرلمان، لا يزال الاتحاد في حاجة إلى ائتلاف قوي لأجل تشكيل حكومة الأغلبية.
وحيث إن الأحزاب كافة ترفض تماما تشكيل الائتلاف مع حزب البديل من أجل ألمانيا، فلا يوجد سوى مجموعتين توافقيتين: ائتلاف كبير آخر بين الديمقراطيين الاشتراكيين اليساريين وبين الديمقراطيين المسيحيين - وهو الخيار الذي لاقى اعتراضاً من الديمقراطيين الاشتراكيين في أعقاب الهزيمة الانتخابية الكبيرة التي تعرضوا لها - أو تشكيل ائتلاف من أربعة أحزاب يضم الديمقراطيين المسيحيين، وشقيقهم البافاري الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وحزب الخضر، إلى جانب الحزب الديمقراطي الحر (وإننا نطلق على مثل هذا الائتلاف في ألمانيا مسمى «الائتلاف الجامايكي»، إذ إنه يحاكي الألوان الثلاثة المكونة لعلم دولة جامايكا بألوانه الخضراء والصفراء والسوداء).
وجاء قرار كريستيان ليندنر، زعيم الحزب الديمقراطي الحر، بالانسحاب من المفاوضات ليترك ألمانيا أمام الخيارات السيئة التالية: لا يزال بإمكان الرئيس الألماني فرنك - فالتر شتاينماير الاقتراح على السيدة ميركل تولي منصب مستشارة البوندستاغ، ثم يمكنه حينئذ أن يطلب منها تشكيل حكومة أقلية أو حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة. والقليل من الناس يفضلون إجراء انتخابات جديدة، وهو الأمر الذي لأجله يحض السيد شتاينماير أعضاء الديمقراطيين الأحرار والديمقراطيين الاشتراكيين على إعادة النظر في قراراتهم. وصرح الرئيس الألماني بقوله في هذا الصدد يوم الأحد: «ينبغي على الأطراف المعنية كافة التوقف لبرهة من الزمن وإعادة النظر في المواقف الحالية. وكل من يخوض هذه الانتخابات بغية تحمل المسؤولية السياسية يجب ألا يختفي متوارياً عندما يمسك بزمام المسؤولية في يديه». (وفي يوم الاثنين، قالت السيدة ميركل إن الانتخابات الجديدة قد تكون من الخيارات الجيدة).
وتتعمق المخاوف الألمانية من حالة عدم الاستقرار السياسي في البلاد. وبالنسبة للكثيرين، فإن دخول حزب البديل من أجل ألمانيا إلى البرلمان يجلب إلى الأذهان الظلال القاتمة لجمهورية فايمار، وانهيارها الكارثي، وكل ما أعقب ذلك من حوادث. وكانت صحيفة «فرنكفورتر»، المؤيدة لتيار يمين الوسط، قد نشرت سلسلة من المؤرخين الألمان الذين يبحثون في أوجه التشابه بين عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وبين اليوم: ففي تلك الأوقات، كان الطيف السياسي الداخلي المنقسم، إلى جانب اليسار المتشرذم، مع المتطرفين على كلا جانبي الطيف، قد تمخض عن وجود سلسلة من حكومات الأقلية ومظاهر الفوضى السياسية، الوقائع التي تضافرت فيما بينها لتضفي طابع البديل الجذاب على السلطوية الديكتاتورية النازية وقتذاك.
ومع اعتبار الفروق الواضحة كافة بين الأمس واليوم، يمكن للمرء التغاضي عن حالة التحسر والأسف الشديد، إذ إن الصدمة التاريخية المروعة والتي عفى عليها الزمن منذ وقت طويل، قد حل محلها الواقع السياسي والدستوري الألماني الحالي. فالحكومة الفيدرالية الحالية ليست هي جمهورية فايمار القديمة، بل هي واحدة من أكثر النظم السياسية استقراراً على وجه البسيطة. وربما تشهد البلاد بضعة أسابيع من الفوضى السياسية المعتادة، ولكن في خاتمة المطاف، سوف يبلغ أحدهم حد الرشد ويفكر في الأمر ملياً. أو قد تُعقد الانتخابات الجديدة ونشهد توزيعاً جديداً لبطاقات اللعب. وما زلت على قناعة بأن حزب البديل من أجل ألمانيا، والذي فاز بنسبة 12.6 من عدد الأصوات في سبتمبر الماضي، قد نفد رصيده الانتخابي في التجربة السابقة.
بيد أن عبارة «نحن لسنا فايمار»، لا توحي بالمزيد من الارتياح كما يبدو، حيث يستند النظام السياسي في ألمانيا على المقدرة على التوافق. وكانت الحكومات الألمانية كافة منذ عام 1949 حكومات ائتلافية وحتى الآن، وكانت كلها ناجحة. غير أن صعود النزعة الشعبوية قد أسفر عن تعقيد الأوضاع كما يبدو، وليس من الناحية الحسابية فحسب. إذ يعكس قرار السيد ليندنر أن حزب البديل من أجل ألمانيا قد أفسد المقدرة التوافقية وبصورة أكثر جذرية. فلقد نجح الحزب المتطرف في نزع المصداقية عن «الحل التوافقي» باعتباره القيمة الأساسية للديمقراطية الألمانية.
وفي يوم الاثنين، كانت ألمانيا لا تزال تتكهن بشأن أسباب السيد ليندنر في إنهاء المفاوضات الحزبية. ويبدو أن التساؤلات الاستراتيجية قد لعبت دوراً مهماً في هذا السياق. لقد نجح السيد ليندنر في بناء الحزب الديمقراطي الحر من الصفر بعد حصول الحزب على عدد قليل للغاية من الأصوات في عام 2013 لم تمكنه من دخول البرلمان. وربما كان يشعر بأنه من السابق لأوانه كثيراً، الانضمام إلى ذلك الواقع المعقد الراهن. ولكن لا تزال هناك حالة الوحشية المألوفة للجميع في قرار السيد ليندنر، والذي لا يعد مجرد نتيجة مجردة لذكاء الرجل البارد والصارم.
ورداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي بعد ظهيرة يوم الاثنين عن سبب انسحابه من المفاوضات، ذكر السيد ليندنر المجالات التي لم تسفر المفاوضات بشأنها عن النتائج التي يصبو حزبها إليها. أما الأحزاب الأخرى فستوافق على الإلغاء التدريجي لضريبة «سولي»، وهي التي تستخدم في مساعدة اقتصادات المناطق السابقة بألمانيا الشرقية. كما سعى الحزب الديمقراطي الحر إلى فرض قيود معتبرة على الهجرة، ولكن حزب الخضر أصر على وجود الاستثناءات للأسباب الإنسانية. وهذه من «التوافقات» الطبيعية والضرورية بصورة كاملة - بيد أن الحزب الديمقراطي الحر يخشى وبشكل واضح، أن ناخبيه سوف يستمعون إلى حزب البديل من أجل ألمانيا، عندما يقول لهم إن حزبهم قد باع قضيتهم لأجل فرصة ضئيلة للحكم.
إن النهاية المفاجئة للمفاوضات تعتبر ضربة ساحقة في وجه الصورة العالمية لألمانيا كقوة أوروبية مستقرة ومسؤولة. وبالمقارنة مع القضايا التي على المحك على الصعيد العالمي، فإن المناقشات المتعلقة بتوقيت إلغاء ضريبة «سولي» تبدو طفيفة وهينة. ولكن هذا هو ما نتحدث عنه بالضبط، الاستياء مما يبدو وأنه مخاوف طفيفة باسم التوافقية، الأمر الذي غذى صعود النزعة الشعبوية في المقام الأول.
ويحتاج السيد ليندنر وآخرون إلى التحلي بالشجاعة السياسية، ليس من أجل التوصل إلى حل توافقي، ولكن لتفسير الأمر للشعب الألماني بأهمية الحلول التوافقية للديمقراطية الألمانية.
ولسوف تُظهر الأسابيع المقبلة أي الأمرين أقوى في الواقع الألماني: هل هي المخاوف من إجراء الانتخابات الجديدة، أو حكومة الأقلية ونغمات فايمار المصاحبة لها، أو الاستياء الجديد للتوافقية السياسية بأسرها.
- محررة في قسم الرأي بصحيفة «دير شبيغل» الألمانية
- خدمة «نيويورك تايمز»
