لبنان في خطر... تحركوا

لبنان في خطر... تحركوا

الجمعة - 21 صفر 1439 هـ - 10 نوفمبر 2017 مـ رقم العدد [14227]
نديم قطيش
إعلامي لبناني
ثماني دقائق، هي المدة التي استغرقها خطاب استقالة الرئيس سعد الحريري من الرياض، أنهت ثماني سنوات من «الإقامة الجبرية» في كنف المحور السوري الإيراني، بدأت يوم زار الحريري سوريا نهاية عام 2009، كجزءٍ من محاولة تسوية كبرى في المنطقة، باءت كما سابقاتها ولاحقاتها بالفشل.
ثماني دقائق لنص يؤسس لمرحلة جديدة بكل المقاييس السياسية والوطنية والإقليمية والدولية، بمعزل عن كل الضجيج والغبار المثار حول ظروف الخطاب، وشكليات الاستقالة.
كانت آخر محاولات التسوية السياسية مع «حزب الله»، تسوية انتخاب الرئيس ميشال عون وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة الحريري.
قامت التسوية على تحييد الملفات الخلافية الكبرى، كالحرب في سوريا، ومشاركة «حزب الله» فيها، والمواقف السياسية من الصراع الإيراني السعودي، والانصراف بدلاً من ذلك إلى معالجة ملفات داخلية يغلب عليها منطق ترميم الدولة، على مستوى التعيينات في أجهزتها المختلفة وإقرار الموازنة والتحضير لانتخابات نيابية، وعلى مستوى تحسين الخدمات العامة وتطويرها! بقيت نتائج هذه العناوين، باهتة وتحتاج في كل يوم إلى الثقل المعنوي لرئيسي الجمهورية والحكومة للتأكيد عليها.
في الأثناء تابع «حزب الله» سياساته التصعيدية ضد المملكة العربية السعودية ومصالح الأمن القومي العربي المشترك، ولم يتراجع قيد أنملة عن أي من تفاصيل مشروعه، أكان تحدياً للدولة اللبنانية والقرار 1701 عبر استعراض مسلح على الحدود اللبنانية الجنوبية أمام الصحافة العالمية، أو كان تزخيماً للانخراط في حروب سوريا واليمن.
لم يتغير «حزب الله» لا قبل التسوية ولا في أثنائها، ولا تغيير بعد كل التسويات الماضية التي سقطت تباعاً. كانت التسوية دائماً حاجة «حزب الله» لصيانة لبنان، لا بوصفه وطناً ومصالح شعب، بل بوصفه غرفة عملياته ضد المنطقة، وهو يريدها غرفة هانئة هادئة تلائم متطلبات مناخ العمل. صحيح أننا حيدنا لبنان عن حرائق المنطقة، لكن لنعترف بشجاعة: إن السبب الأول والأساس لتحييد لبنان عن حرائق المنطقة، كان ولا يزال، أن «حزب الله» لا يريد المغامرة بمقره العام، الذي صار لبنان كله.
لم يتغير «حزب الله». تغيرت السعودية. سقطت ورقة الرهان على صبر السعوديين. سقطت الافتراضات القديمة بأن المملكة فاقدة الحيلة حيال التمادي في العدوان عليها وعلى أمنها وأمن المنظومة الخليجية. وسقط الوهم النرجسي بأن «حزب الله» قوة عظمى تقارع دولاً كبرى في الإقليم والعالم. الأخطر، سقط وهم اللبنانيين أن بوسعهم الهروب من مسؤولياتهم تجاه ميليشيا إرهابية، واستسهال التعايش معها، وتوفير كل مستلزمات الاستقرار لها، لتتمادى هي في لعب أدوار التخريب والتفجير والقتل والعدوان.
لبنان دخل نقطة تحول كبرى في تاريخه، ووضعه «حزب الله» على حافة مواجهة مع العالم، ولا يوجد من هو مستعد أن يجنب لبنان واللبنانيين كأس هذه الجراحة المؤلمة والعميقة، لاستئصال دور «حزب الله» بوصفه ذراعاً أمنية عسكرية إيرانية في المنطقة.
حين كتبت في هذه الصفحة قبل أربعة أشهر: «هل يكون لبنان قطر الثانية؟»، لامني بعض الأصدقاء بسبب السيناريو الكابوسي الذي أشار إليه المقال. الوقائع الراهنة تفيد بأن الكابوس ازداد قتامة وسواداً، وأن لبنان مقبل على سلسلة عقوبات ستتدرج من مقاطعة بعض صادراته لتصل إلى الضغط على الليرة والمصارف مروراً بالتأثير على الوجود اللبناني في الخليج والبنية التحتية لهذا الوجود كفرض عقوبات على تحويلات اللبنانيين وتعليق الرحلات الجوية في الاتجاهين وغيرها كثير.
ما ينبغي أن ندركه أن السعودية باتت في موقع يملك كثيراً من الخيارات. لن تتشكل حكومة في لبنان فيها «حزب الله». وإذا غامر الحزب في الضغط على رئيس الجمهورية ووليد جنبلاط والرئيس نبيه بري وعدد آخر من السياسيين، لتشكيل حكومة لون واحد، فستكون أكثر من «حكومة حرب»، بحسب العبارة التي وصف بها الوزير ثامر السبهان الحكومة القائمة حالياً. وبالتالي ستسرّع هذه الخطوة العقوبات أكثر وتدفع لبنان إلى انهيار أسرع.
حتى اللحظة لم يرتقِ الخطاب السياسي اللبناني إلى مستوى استقالة الحريري، وأحسب أن ما شاب ظروف الاستقالة وما تبعها، سيعقّد على اللبنانيين إمكانية المواكبة، في ظل حملة كثيفة مضادة تزرع كل أنواع الشكوك في أذهان الناس. لكن الحريري سيعود، وستنتظم الأمور، وستوضع البلاد أمام استحقاق الاستقالة، ونصها، ومفاعيلها.
كتبت هنا في هذه الجريدة عن السياسة السعودية تجاه لبنان. وكتبت عن التقصير والتخلي وعدم الاهتمام، ونُشر ما كتبت من دون أي رقابة أو حذف أو تدوير زوايا. وبوسعي أن أقول كثيراً عن بعض ما شاب استقالة الحريري، وأنتظر حتى اكتمال المعطيات، وعودة الرئيس سعد الحريري لأسمع منه شخصياً حول ما يعتمل في صدري ورأسي من أسئلة.
كل ذلك في كفة، وحقيقة أننا أمام سعودية جديدة في كفة ثانية. لم يعد أمام لبنان إلا أن يرتقي إلى مستوى المسؤولية، لأن ما كتب قد كتب، وما مضى قد مضى. لتتشكل لجنة من كبار مسؤولي لبنان ورجالاته وليذهبوا إلى المملكة لمناقشة خيارات الغد القريب، وليجولوا في العالم مستعيدين القضية اللبنانية من أشراك الحكمة والتريث والتأجيل...
لبنان في خطر. تحركوا.

التعليقات

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
09/11/2017 - 23:59

حزب الله مثل ضرس العقل في لبنان مع التحفظ على وصف "العقل"، ضرس غير مفيد لايأتي منه سوى الألم والصداع، هذا الضرس زادت وتيرة الصداع والألم الذي يسببه بعد التسوية الأخيرة تحديداً، وأصبح أمينه العام لا هم له سوى الهجوم على السعودية ليل نهار متناسياً أن موقعه كرئيس حزب ضمن الدولة اللبنانية لا يخوله لمقارعة الدول فهو أمر لا يستقيم لا عرفاً ولا دستوراً ولا قانوناً، وعلى أي حال أو إفتراض أو سيناريو فحزب الله غير مرشح لأن يعيش طويلاً لأن مقومات السقوط لديه أقوى من مثيلاتها للبقاء، لذا فهو إلى زوال فلا تعجلوا ولا تبتئسوا.

rabeae
10/11/2017 - 21:58

والله انك صادق مثل ولا في الاحلام

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
10/11/2017 - 05:42

شكرا للاستاذ نديم قطيش على المقال. أن خطاب الاستقالة للرئيس الحريري وبكل هذا الوضوح لم يعد ما يقال بعده. ويبدو لي ان زيارة مستشار خامنئي الى لبنان هي القشة التي قصمت ظهر البعير. وكمتابع للأحداث لا انصح بعودة الرئيس الحريري الى لبنان في هذا الجو المتوتر. لسببين رئيسين أولا تحول الرئيس سعد الحريري بعد خطاب الاستقالة الى رمز المقاومة اللبنانية للوجود الايراني ولاستهتار حزب الله بالدولة اللبنانية. ثانيا استقتال حزب الله ولنقل ما بقى من جبهة 8 أذار على عودة الحريري واختلاق المسببات الواهية واللامنطقية للضغط اعلاميا على الحريري للعودة ((1- الترويج كونه محتجز، 2-الترويج كونه مجبر ، 3-عدم قبول لاستقالة لحين العودة )) وفي هذا دليل لا يمكن الاستهانة به من كون العودة وكأنها مصيدة وستكون خطرا على حياة الحريري. "هناك تكملة"

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
10/11/2017 - 05:47

لقد اغتيل رفيق الحريري رحمه الله في ظروف ربما كانت افضل أمنيا من الآن ولم يكن حزب الله بهذه السطوة. في اريي أن الرئيس سعد الحريري قد اطلق الصيحة اليوم وعلى كل المخلصين في لبنان العمل اليوم بالتنسيق مع معه وهو خارج البلد للعمل على انهاء كل سلاح خارج سيطرة الدولة لتستيعيد الدولة هيبتها ولتعود للمواطن حريته وكرامته وامنه وحياته وعيشه الكريم. لا يوجد اليوم مبرر قوي للعودة في ظل خطر على الحياة وقد كان هناك كثير من القادة في التاريخ الذين عملوا من خارج البلد حتى استطاعوا بعد ذلك العودة حين كانت الظروف مؤاتيه.

حسان حيدر
10/11/2017 - 18:23

كل وسائل الإعلام مقروءة ومرئية ضمن منظومة إعلامية ضخمة أصبح شاغلها الشاغل هو عودة سعد الحريري الى لبنان. أين كانت أصواتكم وصحفكم عندما غاب سعد الحريري عن لبنان ما يقارب الخمس سنواتٍ خوفاً على حياته من مصيرٍ يشبه مصير الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

أنين "بردى"
11/11/2017 - 11:32

ليس فقط خرست أصواتهم و صحفهم عندما غاب سعد الحريري ما يقرب الخمس سنوات يا سيدي . بل تنطّع أحد زعمائهم آنذاك و من على المنابر بالقول أنه "قطع" لسعد تذكرة باتجاه واحد: ذهاب بلا إياب ! إن تناسى الحريري أو نسي اللبنانيون فالتاريخ لا ينسى .

يتلهفون الآن لعودته لمحاولة إلحاقه (لاسمح الله) بأبيه . و يمكرون و يمكر الله والله خير الماكرين .

حسان حيدر
البلد: 
لبان
10/11/2017 - 18:20

كل وسائل الإعلام مقروءة ومرئية ضمن منظومة إعلامية ضخمة أصبح شاغلها الشاغل هو عودة سعد الحريري الى لبنان. أين كانت أصواتكم وصحفكم عندما غاب سعد الحريري عن لبنان ما يقارب الخمس سنواتٍ خوفاً على حياته من مصيرٍ يشبه مصير الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
10/11/2017 - 18:22

لتتشكل لجنة من كبار مسؤولي لبنان ورجالاته وليذهبوا إلى المملكة لمناقشة خيارات الغد القريب، وليجولوا في العالم ...

كنت دائماً على اتفاق معك يا صديقي، إلاّ في هذه . فلن يفيد تجوال كبار مسؤولي لبنان و رجالاته هنا وهناك لمناقشة خيارات الغد القريب شيئاً في شفاء لبنان من "سرطانه" المستشري و الخروج به من ظلام الوصاية الجديدة إلى مستقبل واعد مشرق، فقد ولّى زمن الطائف و الإنقسام العمودي الآن على أشدّه .
الكلمة الآن للبنانيين المعنيين بمستقبلهم و مستقبل بلدهم (بما فيهم كل شيعي شريف) للتوحد في"مقاومة" تسلط حزب الله بفرض مقاطعة كاملة (أشبه بعصيان مدني) و عزلة خانقة عليه تجعله يدرك أن سلاحه ما عاد يفيده و أن ملاذه الوحيد هو الدولة.
لا مناص من ضغط خارجي عربي و دولي على لبنان، حباً به و حرصاً عليه، مايدفع اللبنانيين إلى اتخاذ قرار خلاصهم الشجاع.

Fadi fayad
البلد: 
Dominica
10/11/2017 - 18:46

حزب الله وأيامه الأخيرة أضحت قاب قوسين أو أدنى... الجرائم للطائفية اللتي ارتكبها الإرهاب الحزب اللاتي في سوريا والعالم العربي وجب معالجتها سريعا.. نتمنى من الحلف العسكري العربي بقيادة السعودية تدمير البنية التحتية للافعى الإيرانية حزب الشيطان

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة