من موسكو إلى نيويورك... الزيارة والتقرير!

من موسكو إلى نيويورك... الزيارة والتقرير!

الخميس - 22 محرم 1439 هـ - 12 أكتوبر 2017 مـ رقم العدد [14198]
سليمان جودة
صحافي وكاتب مصري
كل محاولة لإقناعي بأنه لا توجد علاقة بين زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى روسيا، وبين تقرير منظمة الأمم المتحدة عن الحرب في اليمن، هي محاولة تستخف بعقلي، ومن ورائي تستخف بعقول السادة القراء!
إننا جميعاً نعرف كيف تصدر التقارير التي من هذه النوعية، وكيف مُسبقاً يجري طبخها على نار هادئة، أو غير هادئة، حسب ما هو مطلوب، ثم كيف تتحرك في الأروقة هناك في نيويورك، حيث مقر المنظمة الدولية الأم، وكيف في النهاية ترى النور!
نعرف هذا، ونفهمه، ولكننا بالطبع نرفضه، ولا نتوانى عن كشفه، ولا عن تسليط الضوء عليه!
ولكن أن يكون العاهل السعودي في موسكو، وأن يكون هذا هو مستوى الاستقبال الذي حظي به في العاصمة الروسية، وأن يكون هذا هو حجم الاتفاقيات الاقتصادية، وغير الاقتصادية، التي شهد التوقيع عليها، أثناء الزيارة، ثم يخرج التقرير الأممي في التوقيت ذاته، مُتهماً التحالف العربي الذي تقوده الرياض في اليمن، بأنه تسبب في قتل كذا من الأطفال، فهذا كلام لا يجوز أن يمر بسهولة هكذا، ولا يجوز أن يفوت!
أقول ذلك، ليس على سبيل المجاملة لدول التحالف، ولكن لأن النظرة الأولى إلى محتوى التقرير، تقول إن الموضوعية في التناول تبدو غائبة عنه، وهو يتعرض للموضوع!
وقد كان شيئاً جيداً للغاية، وفي محله، أن يسارع السفير عبد الله المعلمي، مندوب السعودية الدائم لدى الأمم المتحدة، إلى التأكيد على أن بلاده لن تلتزم الصمت حيال التقرير، وأنها بدأت حملة من التواصل داخل المنظمة، لعل القائمين على الأمر فيها يلتفتون إلى أن ما جاء في تقريرها غير دقيق، ومُضلل، وبالإجمال هو غير صحيح!
ومن وجوه التضليل فيه، مثلاً، أن تكون المستشفيات اليمنية التي يسيطر عليها الحوثي، هي مصدر المعلومات الواردة في صفحاته عن قتلى الأطفال في الحرب!
هذا تضليل واضح؛ لأن من مصلحة الحوثي أن يُلصق كل شيء سيئ في اليمن، بالسعودية، وبالتحالف العربي كله، وألا يدع نقيصة في كل قرية أو مدينة يمنية، إلا ويضع المسؤولية عنها على كاهل الرياض، ثم على كاهل كل عاصمة عربية مشاركة في التحالف، وراغبة في أن يكون اليمن لليمنيين جميعاً، بمن فيهم الحوثيون، لا أن يكون لفئة دون فئة، ولا لطائفة دون طائفة، ولا لجماعة دون جماعة!
كيف فات هذا على منظمة هي الأم بين المنظمات الدولية في العالم، وهي تُصدر تقريرها عن الأوضاع في صنعاء؟ وكيف فاتها أن مصداقيتها يجب أن تكون مصونة في أثناء إعداد تقرير من نوع ما أعلنته على العالم، وكذلك في أثناء إعلانه على الناس؟!
ولذلك، كانت أبوظبي موفقة جداً، وهي تعلن على لسان بعثتها في نيويورك، وقوفها ووقوف كل دولة في التحالف، إلى جوار المملكة، ورفض المعلومات غير الدقيقة الواردة في التقرير، وتحفظها على مضمونه العام. ثم كان التوفيق نفسه حليف الحكومة اليمنية، حين أحصت عشر ملحوظات على التقرير، وأذاعتها، وطلبت من مجلس الأمن الدولي سحب التقرير، ومراجعته، ليكون تقريراً عادلاً، لا منحازاً إلى طرف في اليمن ضد آخر!
ولكن هذا كله، يجب ألا يُنسينا أن علاقة من نوع ما، تظل قائمة بين توقيت صدور التقرير، ومضمونه، وبين زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى روسيا!
إن أطرافاً بعينها في العالم، لا تريد تقارباً على أي مستوى بين الرياض وبين موسكو، وإذا كان لا بد من التقارب، فليكن في تقدير هذه الأطراف، تقارباً خفيفاً، خجولاً، وعلى استحياء!
ولأن الزيارة لم تكن سرية، بل معلنة قبل موعدها بفترة، فإن الاتفاقيات التي توصل البلدان إليها خلالها، قد جرى الإعلان عنها بوضوح، أمام أضواء الإعلام وكاميراته!
ومنها - مثلاً - الاتفاق على أن تحصل السعودية على أنظمة الدفاع الصاروخية الروسية «إس 400»، وأن تحصل على راجمة صواريخ، وأن تحصل على راجمة قنابل، وأن تحصل على كميات من البندقية الروسية الشهيرة «كلاشنيكوف» مع ذخائرها!
ولم تكن صدفة أن يجري الإعلان في واشنطن، عن أن الحكومة الأميركية وافقت على أن تبيع للحكومة السعودية، نظام الدفاع الصاروخي الأميركي المتطور «ثاد»!
لم تكن صدفة؛ لأنه جاء بعد ساعات معدودة من الإعلان في موسكو عن موافقة الحكومة الروسية على حصول السعودية على «إس 400»!
فكلاهما نظام صاروخي، وكلاهما تظل الرياض في حاجة إليه، للدفاع عن حدودها، لا للهجوم على أي دولة جارة، وإذا كانت الأراضي السعودية تمتد لأكثر من مليوني كيلومتر مربع، فإن الحكومة أصبحت أشد حاجة إلى أن تكون حدودها الطويلة، وشواطئها الأطول، في مرمى سلاحها، وتحت سيطرة جيشها!
والواضح أن الاتفاق خلال زيارة الملك سلمان إلى موسكو، على صفقة السلاح المعلن عنها، وخصوصاً النظام الصاروخي الروسي، لم يصادف ارتياحاً لدى دوائر بعينها في الغرب، وفي الولايات المتحدة، حتى ولو كانت واشنطن قد حاولت إخفاء عدم راحتها، بالإعلان عن موافقتها على بيع «ثاد»!
لقد حصلت تركيا قبل أسابيع، على النظام الروسي ذاته «إس 400»، ولكن حصولها عليه لم يضايق أي دائرة سياسية غربية، أو أميركية؛ لأن أنقرة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولذلك، فانتقاله من العاصمة الروسية إلى العاصمة التركية، لم يسبب أي ضيق لأي دولة من دول الحلف، وعلى رأسها الولايات المتحدة؛ لأن الأمر هنا «في بيته» كما يقال في العادة في وصف الحالات المماثلة!
ولكن انتقاله هو نفسه من العاصمة الروسية إلى العاصمة السعودية، مسألة مختلفة، وهي مختلفة لأن أطرافاً إقليمية في داخل المنطقة، ولأن أطرافاً دولية خارجها، لا يريحها في شيء أن يسعى السعوديون في اتجاه تنويع مصادر سلاحهم، فضلاً عن أن يحرصوا على أن يكون «إس 400»، تحديداً، يعمل على أرضهم بكفاءة!
وإذا كانت راجمات الصواريخ، وراجمات القنابل، وبنادق «الكلاشنيكوف»، إضافة نوعية للقوات السعودية، في مواجهة عدو لا يتوقف عن التربص بها، فكلها تمثل بالقدر نفسه إضافة عربية، بمثل ما هي قوة سعودية.
ويبقى توقيت صدور تقرير الحرب في اليمن، غير بريء بالمرة، فضلاً عن عدم براءة مضمونه، وليست كل السطور السابقة، إلا محاولة لحشد الأدلة على ذلك، وأظنها أدلة مُنتجة في الدعوى بلغة أهل القانون!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة