محمد رُضا
صحافي متخصص في السينما
TT

هوليوود وأوهام العرب

لا يوجد فرق يُذكر بين ما قدمته السينما التجارية في بلاد العرب المنتجة للأفلام (مصر، المغرب، لبنان أساساً) من أفلام في كل مراحلها. لا في الستينات ولا فيما بعد ولا اليوم. كلها تبعت خطاً مستقيماً واحداً، وهو تلبية الرغبات العاطفية لمشتري التذاكر.
فيلم كوميدي من المغرب اليوم لا يختلف كثيراً عن فيلم كوميدي من المغرب قبل عشرين سنة. فيلم أكشن لبناني من الستينات لا يختلف أيضاً عن فيلم من النوع ذاته في التسعينات أو اليوم. وعندما يصل الأمر إلى السينما المصرية، فإن العدد الكاسح من الأفلام الميلودرامية والعاطفية والحركة لا يتميّز اليوم عما كان عليه بالأمس إلا في التفاصيل.
يجد المتابع المخلص للسينمات العربية أن التفاصيل الفنية (مثل موسيقى ترتفع عند الحاجة مع اقتراب البطلة من مفاجأة بانتظارها أو في مشهد لقاء عاطفي بين عاشقين) هي واحدة ليس باللحن (المتشابه أصلاً) فقط، بل في مفهومه وتوقيته. في أفلام الأكشن نجد معارك المقاهي في أفلام رشدي أباظة وفريد شوقي ومحمود المليجي هي ذاتها معارك الحانات في أفلام رودولف سكوت وجون واين وكيرك دوغلاس. أن شخصية «السنيد» (Side kick كما يسمّونه غرباً) هي ذاتها: رفيق أمين، ومن الأفضل أن يكون هزلياً مع البطل الجاد.
استوردنا كل شيء في حين أن السينمات الأخرى إما حافظت على خصوصياتها (السويدية واليابانية والروسية) أو شكّلت بنسبة متوازية بين ما هو خصوصي بالثقافة والشخصية وبين ما هو مقلد للمستورد الهوليوودي (كما السينمات الفرنسية والبريطانية والإيطالية).
كان لدينا مثل هذه النسبة المتوازية لفترة طويلة في الستينات والسبعينات؛ وذلك تحت رغبات فعلية لتحريك الثوابت المعمول بها في السينما التقليدية، فخرجت أفلام مصرية ولبنانية وسورية وعراقية وجزائرية وتونسية ومغربية رائعة، لكنها لم تسافر بعيداً.
أثبتت هذه الأفلام حقها في الحضور، لكنها لم تحفر تقاليد عميقة كما فعل مخرجو السينمات الأخرى.
لكن الحديث هنا ليس عن هذه السينما البديلة (التي ما زالت موجودة ونشطة وغير مرتبة) بل عن تلك التقليدية والتجارية. وحين نعتها بالتجارية فإن المقصود بعيد عن احتقارها. هي تجارية كما حال الدواء المبيع في الصيدليات. ما هو مقصود هنا هو كيف أصبح تقليد الوارد من هوليوود، خصوصاً في أفلام الأكشن المصرية، شيئاً مباحاً وسائداً. ما يدل المشاهد على أن الفيلم مصري هو وممثلوه واللهجة التي يتكلمون بها. أما العناصر الإنتاجية وتلك التقنية فهي ذاتها. أساليب السرد منقولة بالمسطرة هي والكتابات التي تستند إليها.
إذا ابتعد المخرج عن هذا المنوال لتحقيق أفلام مصرية فعلاً (أو من أي هوية أخرى) مثل «أخضر يابس» و«آخر أيام المدينة» و«باب الوداع»، وكما فعل الراحل محمد خان في معـظم أفلامه ووجه بالصد من قِـبل الموزعين، هذا إذا ما وجد المنتج والممول أساساً.
لكن هذه هي الأفلام المصرية فعلاً. هي التي ستبقى كما بقي «المومياء» و«الأرض» و«الخوف» و«أحلام هند وكاميليا». أما الباقي فهو نتاج وهم بأن السينما الحديثة الجيدة هي التي تستعير من هوليوود هوية منسوخة.