جيراننا أولويتنا

جيراننا أولويتنا

الخميس - 17 محرم 1435 هـ - 21 نوفمبر 2013 مـ رقم العدد [12777]
محمد جواد ظريف
وزير الخارجية الإيراني
خلال الأسابيع القليلة الماضية، سعت الجمهورية الإسلامية في إيران ومجموعة الدول الست إلى الاستفادة من الفرصة الفريدة التي أتاحتها الانتخابات الرئاسية الإيرانية في الصيف الماضي، لإيجاد حل للمسألة النووية، التي ألقت، من دون دواع، بظلالها بانعدام الأمن والأزمات على امتداد المنطقة.
وفي حين رحبت غالبية المجتمع الدولي بهذا التطور الإيجابي، أعرب بعض أصدقائنا في دول الجوار عن مخاوفهم من أن هذا الانفتاح قد يتم على حساب مصالحهم.
إن من المؤسف انتشار منطق اللعبة الصفرية في منطقتنا وفي العالم، حتى إن البعض اعتاد استغلال العدائية ضد إيران لتحقيق مصالحهم. لكن، أود أن أكرر أن الجمهوریة الإسلامیة في إيران ليس لديها مثل هذه الأوهام. نحن نعلم أنه لا يمكن أن نعزز مصالحنا على حساب الآخرين، وهذا بالتحديد الوضع بالنسبة لعلاقتنا مع نظرائنا المقربين الذين يتداخل أمنهم واستقرارهم معنا.
ولذلك، وعلى الرغم مما يجري الترويج له بتسليط الضوء على علاقتنا مع الغرب، فإن الحقيقة المغيبة هي أن الأولوية في سياستنا الخارجية لمنطقتنا.
قليلة هي الأشياء التي لا تتغير في السياسات الدولية، كالجغرافيا فهي ثابتة، ولا دولة بوسعها تغيير جيرانها.
في عالمنا المتداخل، يرتبط مصير أي أمة بشكل وثيق بمصير الأمم التي تجاورها.. الحدود التي تفصلنا عن جيراننا في الجنوب ليست مجرد ممر مائي فحسب، فهي أيضا مورد رئيس مشترك للحياة، وكلنا نعتمد عليه، ليس فقط للبقاء، بل للتطور والازدهار.
ولأن مصيرنا متشابك، فإن أكبر وهم نقع فيه هو اعتقاد أنه يمكن لأحدنا أن يحقق مصالحه دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الآخرين.
كما برهنت الاضطرابات في المنطقة، أنه لا يمكن لأي بلد أن يعيش منعزلا، ولا يمكن الوصول إلى الرفاهية على حساب فقر الآخرين، ولا يمكن تحقيق الأمن على حساب انعدام أمن الآخرين. إما أن نربح معا أو نخسر معا.
نحن قادرون على أن نعمل معا، ويثق بعضنا ببعض، وندمج مقدراتنا لبناء منطقة أكثر أمنا وازدهارا.
من المؤسف أنه حتى الآن استند نموذج الأمن والاستقرار، الذي فرض على منطقتنا، على أساس المنافسة وتشكيل التحالفات، وكان الناتج الوحيد لذلك هو تعزيز لحالات جديدة من عدم التوازن، إلى جانب دوافع غير معلنة وغير محققة، هددت المنطقة مرارا في العقود الثلاثة الماضية.
كيف إذن نمضي قدما إلى الأمام؟
كخطوة أولى، يجب تحديد المجالات التي تخص المصالح والأهداف المشتركة، وبعد ذلك يجب علينا أن نمضي قدما من خلال إيجاد طرائق ووسائل للمشاركة في إنجاز تلك الأهداف والحفاظ عليها.
ما يجمعنا يفوق بكثير ما يفرقنا، ونحن بحاجة إلى تقدير واع لحقيقة أن لدينا مصالح مشتركة وأننا نواجه تحديات مشتركة، وأننا يجب أن نتعامل مع هذه التحديات المشتركة، وأن نستفيد من الفرص المشتركة. باختصار، لدينا مصير مشترك.
جميعنا لديه مصلحة في منع حالة التوتر في المنطقة، والحد من التطرف والإرهاب، وتعزيز التوافق بين مختلف المذاهب الإسلامية، والحفاظ على سلامة أراضينا، وضمان استقلالنا السياسي، وضمان التدفق الحر للنفط، وحماية بيئتنا المشتركة.
هذه هي ضرورات حتمية لأمننا وتطورنا المشترك.
ولكي نكون قادرين على قلب تأثير دورة الحلقة المفرغة للشك وعدم الثقة، ونمضي قدما في بناء الثقة، ونوحد قوانا في سعينا لبناء مستقبل أفضل وأكثر أمنا وازدهارا لأطفالنا - فمن الضروري أن نتذكر النقاط الثلاث التالية:
أولا:
من المهم أن نبني إطار عمل شامل من الثقة والتعاون في هذه المنطقة الاستراتيجية، وأي شكل من الإقصاء سيخلق عدم الثقة والتوتر والأزمة في المستقبل.
إن نواة أي ترتيبات إقليمية شاملة يجب أن تقتصر على الدول الثماني الساحلية، وإضافة أي دول أخرى ستجلب معها قضايا معقدة أخرى ستطغى على المشاكل الحالية لهذه المنطقة وستزيد تعقيد الطبيعة المركبة للأمن والتعاون فيما بيننا.
بطبيعة الحال، هناك مخاوف مشروعة حول إيجاد اختلالات ممكنة في التوازنات وحدوث تباينات قد تنشأ في أي منظومة جديدة، والمخاوف من سيطرة أو فرض رأي بلد واحد أو مجموعة بلدان، يجب أخذها بالحسبان والتعامل معها.
إن بناء نظام شامل، مبني على أساس الاحترام المتبادل ومبدأ عدم التدخل، يتطلب أن تكون الترتيبات في إطار قرارات الأمم المتحدة، وقد جرى توفير إطار العمل المؤسساتي المطلوب في قرار مجلس الأمن رقم «598»، وهو الذي أنهى الحرب الكارثية التي فرضها صدام حسين على إيران والعراق والمنطقة برمتها.
ثانيا:
ضرورة توضيح فكرة أنه ما دام تعاوننا ليس على حساب أي طرف آخر، وما دام سيعزز الأمن للجميع، فنحن مدركون لتنوع المصالح المترابطة الموجودة في المنطقة.
الممر المائي الذي يفصلنا أساسي بالنسبة للعالم، لكن مصدر أهميته ليس متطابقا لكل الأطراف.
بالنسبة لنا، الدول الساحلية، المياه هي شريان الحياة. وبالنسبة للذين يعتمدون علينا كمزودين رئيسين لاحتياجاتهم من الطاقة، فإن هذا الممر يشكل عنصرا أساسيا لرفاهيتهم الاقتصادية والصناعية.
أما بالنسبة إلى أولئك الذين لا يعتمدون على مصادر الطاقة لدينا، فالمنطقة مجرد مسرح مهم لبسط سيطرتهم على الساحة السياسية الدولية، وفي مجال المنافسات الاقتصادية الدولية. وبناء على ذلك، يجب أن نضع في حسباننا أن هناك اختلافا نوعيا بين مصالح سائر الأطراف واللاعبين ذوي الصلة، والتصرف بناء على هذا الأساس.
ثالثا:
إن عدم الاستقرار الدولي في منطقتنا ينبع من تنوع طبيعة المصالح للقوى الخارجية المختلفة وتنافسها.
إن إقحام تلك الأطراف للقضايا الغريبة على المنطقة يزيد من التعقيدات، الموجودة أساسا في وضعها الأمني. ويجب ألا ننسى أن المصالح القصوى للأطراف الخارجية قد لا تعني دائما الاستقرار، إلا أنه في الحقيقة يعتمد على كل ما يمثل مبررا لوجوده.
وجود القوات الأجنبية أدى عبر التاريخ إلى عدم الاستقرار الداخلي في البلدان المضيفة وإلى تفاقم التوتر الموجود بين هذه البلدان والدول الإقليمية الأخرى.
أنا مقتنع بأن هناك إرادة حقيقية لمناقشة هذه التحديات المشتركة. التحديات والفرص التي نواجهها هائلة، وهي تتراوح بين تدهور بيئي وتوترات طائفية... وبين تطرف وإرهاب، وحد من التسلح ونزع للسلاح، وتتراوح أيضا بين السياحة والتعاون الاقتصادي والثقافي، وبناء الثقة وتعزيز التدابير الأمنية.
علينا أن نهدف إلى بدء الحوار الذي تنتج عنه خطوات عملية قابلة للتطور تدريجيا.
إيران، الراضية عن مساحتها وموقعها الجغرافي ومواردها البشرية والطبيعية، التي تتمتع بروابط دينية وتاريخية وثقافية مشتركة مع جيرانها، لم تشن يوما عدوانا على أحد منذ قرابة الثلاثة قرون. نحن نمد أيدينا بصداقة ووحدة إسلامية إلى جيراننا، ونؤكد لهم أنه بإمكانهم الاعتماد علينا كشريك يثقون به.
في انتخاباتنا الرئاسية الأخيرة التي كانت تجسيدا نفخر به لقدرة النموذج الإسلامي على تطبيق الديمقراطية والمشاركة في إحداث تغيير من خلال صناديق الاقتراع، تلقت حكومتي تفويضا شعبيا قويا للانخراط في تفاعل بناء مع العالم، وخاصة مع دول الجوار.
نحن ملتزمون الاستفادة من هذا التفويض للانطلاق بتغييرات نحو الأفضل، لكننا لا نستطيع فعل ذلك وحدنا. والآن، أكثر من أي وقت مضى، حان الوقت المناسب لنتكاتف للعمل من أجل ضمان مستقبل أفضل لنا جميعا؛ مستقبل يقوم على أساس المبادئ النبيلة من احترام متبادل وعدم تدخل. إننا نتخذ الخطوات الأولى نحو هذا الهدف، ونأمل أن تنضموا إلينا في هذا الدرب الصعب، ولكن المثمر.
* وزير الخارجية الإيراني

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة