سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

رفاق كليلة

استمع إلى المقالة

المشهد مأخوذٌ من صحيفة تصدر في مدينة بانما بولاية فلوريدا. الزمن ربيع 2022. الطقس جميلٌ والشمس مشرقة. فجأةً ولسببٍ غير معروف، اندلعت حالة من الفوضى وتدخل رجال الشرطة محاولين التهدئة. وكان أحد هؤلاء يتحرك بغضبٍ شديد، ومعه كلبه المدرب لمثل هذه الحالات. وفي شريط فيديو وزّع فيما بعد، بدأ الشرطي ينهال ضرباً على شابٍ أفرو - أميركي. وراح المتفرجون يصرخون كي يتمهل، لكنه ظلّ مندفعاً بعدوانيةٍ هائلة. في هذه الأثناء، انقلب الكلب تماماً وراح يعضّ ذراع صاحبه الشرطي. امتلأت صحف أميركا بالحديث عن الحيوان الذي يشعر بالإنصاف أكثر من البشر، بل أكثر من مدربه الذي يفترض أنه يحمي القانون ويدافع عن الضعيف.

امتلأت صحف فلوريدا ومجلاتها العلمية بأحاديث عن الحيوان العادل بالمقارنة مع الإنسان الذي لا يكف عن التجني، ويجد بعضنا قصصاً أغرب من الخيال في الوثائق التلفزيونية المأخوذة من العالم الذي يعيش على أطراف عالمنا. وأنا واحدٌ من الذين يمضون الوقت في مشاهدة عجائب الأدغال، أو ما نعتبره نحن شيئاً من العجائب، وهو في الواقع مجرد حقائق يعيشها أهل الغابات في يومياتهم وعاداتهم. ويقول العلماء إن سلسلةً من الأخلاقيات والأدبيات تحكم ما يسميه البشر «شريعة الغاب». كما يقولون إن كثيراً من تلك الأدبيات بدأ قبل ظهور الإنسان؛ ومنها العناية بالمصابين والمسنين والدفاع عن المخلوقات التي يعتدي عليها الأقوياء. وظهر في أحد المسلسلات «وحيد القرن» وهو يقذف بقرنه أسداً في الفضاء عشرات الأمتار، أي بقوةٍ تفوق بالتأكيد قوة الأسد الذي تعلمنا أنه سيّد الغاب، فإذا هو أمام وحيد قرن أو شمبانزي هائل الحجم أشبه بأرنبٍ حديث الولادة.

وصف العلماء إنساننا بأنه حيوانٌ ناطق وأنشأ آلاف الدراسات حول أصول سيّد الغاب وسيّد المدينة، وأقاموا المحميات الكبرى بحثاً عن مزيد من الاكتشافات والتعرف إلى أهل هذا الكوكب على أنواعهم وأجناسهم، وما لا تحد مخيلاتهم. يقول العالم الروسي بيكهوف: «إن أصول الفضيلة والمساواة والأخلاق أقدم من جنسنا البشري». ويكشف أن الكائنات الأخرى من مدجنات أو بريّة، تتبع في حياتها أدبياتٍ تفوق أحياناً أخلاق الناس، كمثل احترام ثقافة الصف الآحادي والطابور. وتحدث أحياناً خلافاتٌ ونزاعاتٌ بالغة العنف إلى ما خطر لصغار السن في القطيع تجاوز فروض الاحترام.

ويروي العلماء أن المجتمعات البشرية تشترك عموماً في منظومة قيمٍ تشبه منظومة الذئاب كمثل رعاية الصغار وحماية الجماعة ومراعاة احتياجات المرضى والمصابين والمسنين والتعاون مع الأصدقاء. وقد قلّد البشر الذئاب في كل ذلك.