أنقذ «الفن النبيل»

أنقذ «الفن النبيل»

الاثنين - 6 ذو الحجة 1438 هـ - 28 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14153]
في ساعات الصباح الأولى من يوم الأحد الفائت ترقبت متلهفاً وبشغف نزالاً فريداً في «الفن النبيل»، وهو وصف عرف عالمياً عن رياضة الملاكمة، التي تعلقت بها منذ عقد من الزمن. هذا النزال كان مثقلاً بالرموز وحمل أكثر من محمل ففيه يصطدم عملاقان من طراز فريد، نجم عالم الملاكمة الأول بدون منازع ونجم الألعاب القتالية الحرة الأول، فلويد مايويذر الملاكم الأميركي الأسود الذي هيمن لعقدين من الزمن و{الكاريزماتيكي} الآيرلندي اللامع كولين مكريغور.
بالنسبة لفلويد كان هنالك الكثير ليخسره؛ ورهن تقييم سيرته ووضعها في محك هذا الاختبار الأخير، الهزيمة قد تدمر إرثه وتردي بذكراه في كواليس النسيان، فكيف له أن يهزم أمام ملاكم يخوض نزاله الأول في صفوف المحترفين وهو من لقب نفسه بـ«الأفضل على الإطلاق»، فهو الذي هزم كل أبطال اللعبة الذين اعترضوا طريقه بخمسة أوزان مختلفة وبسهولة غير مسبوقة مستعرضا فنه في أن يَلكِم ولا يُلكَم والذي طوره لحد الكمال.
على الصعيد الآخر لم يكن عند مكريغور الكثير ليخسره سوى كبريائه واعتداده بموهبته الفريدة التي دفعته في سنوات قليلة ليصبح بطل للعالم في وزنين مختلفين، وهو إنجاز غير مسبوق في عالم القتال الحر «يو إف سي»، فلو استطاع هزيمة فلويد سيصبح بين عشية وضحاها النجم الأول برياضتين قتاليتين وكان سيقارن بعظماء كمحمد علي كلاي وبروس لي، أما الخسارة فلن يكون لها وقع كبير على مسيرته المهنية ويستطيع القول بكل بساطة لقد كانت تجربة رائعة وممتعة في عالم الملاكمة مع شكر كل من ساهم في إنجاح هذا النزال، ويمضي عائداً لرحم وطمأنينة البيت الذي عبر منه الـ«يو إف سي».
قبل هذا النزال، كانت الملاكمة تعاني من أفول نجمها وتراجع في أعداد عشاقها ومتابعيها، وفي المقابل كان صعود رياضة القتال الحر مطرداً وعلى حساب «الفن النبيل»، ففي أميركا التي تعتبر السوق الأولى والكبرى لكلا الرياضتين تفوقت الـ«يو إف سي» في السنوات الأخيرة وبشكل دائم على الملاكمة في معدلات المشاهدة مسبوقة الدفع، وبات واضحاً نمو أسهم سوق على حساب أخرى، لهذا مثل النزال تحديا بين سوقين متنافستين، وكان تسويقه وترويجه في الوقت نفس حلماً للمنظمين الذين استطاعوا أن يأسروا من خلاله خيال جماهير المعسكرين، ويحققوا أرباحاً قياسية غير مسبوقة.
أما عن النزال فقد حقق مايويذر ما كان متوقعًا منه وهو الفوز مع أنه في سن الأربعين ومنافسه يصغره بأحد عشر عاما، مبرهنا أنه الأفضل ومنقذا سمعة الملاكمة، والتي من دون شك سترتفع قيمة أسهمها من جديد على أصداء هذا النزال، لأنها برهنت علو كعبها وأنها بالفعل فن قتالي نبيل، فرغم تفوق مكريغور في الجولات الأولى لأفضلية حجم ووزن كتلته الجسمانية، فإن فلويد انتصر عبر التقنية العالية في تنفيذ الخطة المحكمة التي رسمها مع مدربه المحنك «السيد الوالد»، واقتضت الخطة أن يتقدم نحو الأمام في بداية النزال ليجعل مكريغور يرمي ويسدد كل ما في جعبته من ضربات ولكمات القوة فامتصها في ثلاث جولات معطيا الأفضلية والغلبة لمكريغور، وبدأ في الجولة الرابعة والخامسة والسادسة مقارعة مكريغور لكمة بلكمة، وما أن بلغت المباراة الجولات الحاسمة حتى بدأ فلويد من الجولة السابعة التقدم والهجوم نحو الأمام بحزم وحرفنة وبلا هوادة واضعاً رأسه بين قفازيه ومهاجماً من دون توقف، حتى بدا التعب والإعياء واضحين على مكريغور وفي الجولة العاشرة بلغ من منازله مبلغاً أعجزه عن حماية نفسه أمام ضربات فلويد الدقيقة فتدخل حكم النزال لحماية مكريغور، معلنا فوز فلويد بالضربة الفنية القاضية.
لقد أنقذ فلويد الملاكمة من خطر التراجع المستمر وأدخل في الوقت ذاته شيكاً بقيمة 300 مليون دولار في حسابه الخاص مقابل أداء ساحر لا يتجاوز النصف ساعة، مسدلاً بذلك الستار عن مسيرته الرياضية بخمسين انتصارًا من دون هزيمة.
في الختام شكراً فلويد لإنقاذ رياضة «الفن النبيل» وحظاً موفقاً بإدارة شركتك الخاصة لترويج الملاكمة والبوادر كلها تؤشر الى أن سيرتك المهنية في عالم الأعمال قد لا تقل لمعاناً عن عالم الرياضة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة