المعاني التي تضمنتها تعزية إردوغان للأرمن

المعاني التي تضمنتها تعزية إردوغان للأرمن

الثلاثاء - 21 رجب 1435 هـ - 20 مايو 2014 مـ رقم العدد [12957]
البروفسور أمر الله إيشلر
نائب رئيس الوزراء التركي
احتوت رسالة التعزية التي نشرها السيد رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان، في 23 أبريل (نيسان) الماضي، المتعلقة بأحداث 1915 الخاصة بأرمن الأناضول، على أهمية خاصة من جهة الديمقراطية التي يجري تشييدها من قبل حكومات حزب العدالة والتنمية المتعاقبة، وإظهار سياساتها السلمية المتبعة.
دول كثيرة شهدت انعقاد العديد من المؤتمرات، لمناقشة أحداث 1915، إلا أن غالبية تلك المؤتمرات كانت متحيزة وبعيدة عن الحقائق العلمية، خاصة أنها لم تتناول ظروف الحقبة بموضوعية، واعتمدت على الآراء المنحازة، لا على الوثائق المستخرجة من الأرشيف، لذا لا بد من إجراء دراسات تساعدنا على فهم حقيقة الخط الذي كانت تنتهجه الدولة العثمانية، مع مختلف أتباع الديانات واللغات والثقافات التي كانت موجودة داخل حدود الدولة، قبل الذهاب إلى تقييم أحداث عام 1915، التي تعد مرحلة مهمة في تاريخ بلدنا.
إن الدولة العثمانية، كانت تمتلك قوة أقوى الدول التي كانت تمارس سياسات استعمارية في القرنين الـ19 والـ20. وكذلك في القرن الـ21، الذي نعيش أحداثه، إلا أنها لم تنتهج سياسة استعمارية، بخلاف الدول الغربية، حتى عندما كانت في أوج قوتها. في الوقت الذي واصلت فيه الدول الاستعمارية (وعلى مدار القرون الثلاثة الماضية) انتهاج سياسات السعي لفرض ثقافاتها على الآخرين، من خلال التذويب والصهر وقهر الشعوب، تلك السياسات التي أثرت وما زالت تؤثر سلبا على عالمنا المعاصر. وفي هذا السياق، يجدر بنا أن نقيّم الحربين العالميتين الأولى والثانية، على أنهما نتيجة حتمية لسياسات المصالح الأنانية، التي انتهجتها الدول الاستعمارية الجشعة، والتي تسببت بآلام يصعب محوها من تاريخ البشرية.
اعتمدت الدولة العثمانية على سياسة التسامح بين جميع مكونات الدولة الدينية والعرقية، تلك السياسة التي هي مستمدة أصلا من الشريعة والأخلاق الإسلامية، ومستلهمة من النماذج التي يذخر بها التاريخ الإسلامي في عهد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين الأربعة، فضلا عن أن الدين الإسلامي الحنيف، الذي تعتنقه الدولة العثمانية، لا يسمح أصلا بالتعصب. ونستطيع أن نلمس تلك الأمثلة والنماذج المتعددة، من خلال المدونات التي خطتها أقلام الرحالة والمؤرخين الغربيين، والتي تحدثوا فيها عن التسامح الذي كان يعيشه المجتمع والدولة العثمانية، وقد تحدث المستشرق الألماني والعالم في مجال اللغات السامية كارل بروكلمان (1868 - 1956) عن التسامح في الدولة العثمانية قائلا: «لو أراد الأتراك المسلمون، لتمكنوا من القضاء على جميع المسيحيين إبان الفتوحات، إلا أن الدين الذي يعتنقونه لا يسمح لهم بذلك».
لم يقتصر مبدأ التسامح في الدولة العثمانية، على فترات معينة أو على عهود سلاطين معينين، إذ نستطيع ملاحظة تبني الدولة العثمانية (منذ قيامها) أسس التنوع العرقي والديني والتعددية الثقافية، فنرى بأن أورخان غازي، ثاني سلاطين الدولة العثمانية، كان متزوجا بثيودورا كانتاكوزين، ابنة الإمبراطور البيزنطي يانيس كانتاكوزين السادس (1347 - 1354)، التي لم تغير دينها وبقيت محافظة على مسيحيتها، ويمكننا ذكر الكثير من الأمثلة المماثلة، التي تكشف بشكل جلي لا يدع مجالا للشك، أن ظاهرة التسامح الديني والعرقي على امتداد تاريخ الدولة العثمانية، لم تكن حالة طارئة أو ظاهرة سطحية، بل ظاهرة ضربت جذورها عميقا في بنية الدولة والحكومة، وبفضلها تمكنت الدولة العثمانية من إدارة المجتمعات المكونة لها بشكل ناجح لعدة قرون.
لقد شكلت الحرب العالمية الأولى كارثة، لم يشهد لها تاريخ البشرية نظيرا، حيث لقي 16 مليون إنسان على الأقل مصرعهم، بسبب تلك الحرب، وجرح أكثر من 20 مليونا آخرين، وتسببت الحرب أيضا في انهيار الدولة العثمانية، والإمبراطورية النمساوية - المجرية، وروسيا القيصرية، وتغير واضح في حدود الدول، وهجرات بشرية واسعة النطاق، وأجبرت تلك الحرب ما يقرب من خمسة ملايين مواطن عثماني على الاستقرار في الأناضول وإسطنبول، بعد أن طُردوا من أوطانهم الأصلية في البلقان والقوقاز إبان انهيار الدولة العثمانية، في حين فقدت أعداد كبيرة لا يمكن تقديرها من المواطنين العثمانيين حياتها، جراء عمليات التهجير القسرية التي تعرضت لها، فكانت حالة الحرب الفظيعة، التي أفرزت ضحايا وعمليات تهجير، بمثابة قدر مشترك لكثير من المجموعات العرقية التي كانت تحمل صفة مواطن عثماني.
مما لا شك فيه أن الغاية من عملية نقل الأرمن، من بعض مناطق وجودهم، إلى أخرى داخل حدود الدولة العثمانية آنذاك، لم تكن محو وجودهم، إنما ضمان أمن الدولة، وحماية أولئك المواطنين، بعد انخراط الكثيرين منهم، خلال سنوات الحرب، في صفوف الجيوش الروسية الغازية، بهدف إقامة دولة أرمنية في الأناضول، وتورطهم بتنفيذ مذابح جماعية ضد المسلمين، في مناطق مختلفة من الأناضول، بغية إنشاء دولة متجانسة لهم، وهنا نرى الكثير من مواطنينا الأرمن على وجه التحديد، يعترفون بأن أبناء جلدتهم قاموا خلال الحرب - وقبل أن يتعرض أي أرمني البتة لأي أذى - بتشكيل عصابات كانت مهمتها السطو على المؤن الخاصة بالجيش، والاعتداء على القرى التي يسكنها المسلمون وحرقها.
وفي مقابل ذلك، أصدرت الحكومة العثمانية آنذاك، تعليمات خاصة عام 1915، تقضي بإجلاء المواطنين الأرمن عن مناطق الحرب أو عن المناطق المتاخمة لها، لإبعادهم عن خطوط النقل والإمدادات العسكرية للجيوش الروسية، ونقلهم إلى الولايات الجنوبية للدولة، ورغم أن الحكومة العثمانية اتخذت تدابير معينة، تهدف إلى رعاية وحماية وضمان حصول المهجرين الأرمن على الغذاء الكافي أثناء عملية نقلهم، فإن عوامل اشتداد ظروف الحرب، وحلول المجاعات والأوبئة، وانتشار قطاع الطرق، أدت إلى تعرضهم لآلام أثناء التهجير.
ومع ذلك، فإن الوثائق الخاصة بالدولة العثمانية، تؤكد أن الهدف من عملية التهجير، لم يكن التسبب بتلك الأحداث، وقيام الحكومة العثمانية، آنذاك، بمعاقبة من ثبت ارتكابهم تجاوزات، تثبت مصداقية ذلك، كما قامت الحكومة العثمانية بمحاكمة الموظفين الحكوميين الذين أخلوا بانتظام وأمن عملية التهجير، أمام محكمة «ديوان الحرب العليا» (محكمة الجرائم العسكرية)، التي عقدت في العاصمة إسطنبول، حيث حكمت تلك المحكمة بالإعدام، على كل من ثبت تورطهم بارتكاب انتهاكات، حتى قبل أن تكون الحرب العالمية الأولى قد وضعت أوزارها، كما حصل عام 1916.
فضلا عن أن قرار النقل (الإجلاء) لم يشمل جميع الأرمن، إذ استُثني منه أتباع المذهب الكاثوليكي والبروتستانتي، والضباط الأرمن العاملون في الجيش العثماني، والمسعفون الذين كانوا يخدمون في وزارة الصحة، والموظفون الذين كانوا يعملون في البنك العثماني وفروعه، والعاملون كذلك في قنصليات الدولة العثمانية، وكل من حافظ على ولائه للدولة. كما استثني كل من المرضى والمعوقين والمسنين والأيتام والأرامل، حيث تولت الدولة الإنفاق عليهم ورعايتهم في دور الأيتام أو القرى، وخصصت لهم صندوقا خاصا، عُرف باسم مخصصات المهاجرين، وكل هذا إن دل على شيء، فإنما يدل على حسن نية الدولة العثمانية، رغم كل الظروف التي أجبرتها على نقل مواقع سكن الأرمن.
إن ما ينبغي على الأتراك والأرمن فعله، هو العمل من الآن فصاعدا على إعادة بناء أواصر الصداقة التاريخية، دون نسيان التحديات التي واجهت تاريخهما المشترك، أما قضية أحداث 1915، فيجب أن تكون مثار بحث ونقاش أكاديمي، بين مؤرخين يمتازون بالسمعة الطيبة من الجانبين. وانطلاقا من هذا الفهم، قمنا في الجمهورية التركية، بتوجيه الدعوات مرارا وتكرارا من أجل تأسيس لجنة تاريخية مشتركة، تعنى بإجراء دراسات تستند إلى أسس علمية حول أحداث عام 1915.
نحن نؤمن بأن الدراسة المشتركة التي سيجريها المؤرخون الأتراك والأرمن، والمؤرخون العالميون أيضا، ستلعب دورا مهما في إماطة اللثام عن حقيقة أحداث عام 1915، وستساهم في تكوين فهم صحيح للسياقات والأحداث التاريخية، لذا فتحنا أرشيفنا ووضعناه، بما يحتويه من مئات الآلاف من الوثائق، تحت تصرف وفي خدمة جميع الباحثين والمؤرخين.
وهنا يجب علينا أن نشير إلى أن تأكيد السيد رئيس الوزراء على ضرورة تحلي جميع الأطراف بالصدق والانفتاح الفكري، في إطار المساعي والجهود المبذولة من أجل تجاوز الأزمة التاريخية والسياسية التي تشهدها العلاقات الثنائية بين الشعبين، يشكل النقطة الأبرز في رسالة التعزية، كما أن الاستجابة الصادقة في حال جرت من قبل مرجعيات صناعة القرار الأرمني، لما ورد ذكره في رسالة السيد رئيس الوزراء، حيث قال: «إن روح العصر، تحتم علينا مواصلة الحوار رغم كل العراقيل والعثرات، ومحاولة فهم ما يقوله الشخص الذي يتحدث أمامنا، والبحث عن سبل المصالحة، ونبذ الكراهية، وإعلاء قيم الاحترام والتسامح»، ستساهم في إعادة بناء الصداقة التاريخية والتعاون المشترك بين الشعبين، خاصة أنه لم يعد من المقبول في هذا العصر استنباط روح العداء من باطن التاريخ، لإنتاج معارك جديدة.

* نائب رئيس الوزراء التركي

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة