«فقر الدم المنجلي» و«ثلاسيميا بيتا»: العلاج الجيني بتقنية «كريسبر»

نجاح عمليات معالجة المرضى في السعودية

خلايا الدم المنجلية
خلايا الدم المنجلية
TT

«فقر الدم المنجلي» و«ثلاسيميا بيتا»: العلاج الجيني بتقنية «كريسبر»

خلايا الدم المنجلية
خلايا الدم المنجلية

«اعتلالات الهيموغلوبين» هي مجموعة من أمراض الدم الوراثية التي تنتقل إلى الأبناء عبر الجينات، وأهمها «فقر الدم المِنجلي» والـ«ثلاسيميا» التي تؤدي إلى إنتاج خلايا دم حمراء غير طبيعية وغير قادرة على نقل الأكسجين بكفاءة.

وتعدّ محدودية علاج هذه الأمراض من أكبر التحديات التي تواجه المرضى، فالعلاجات المتاحة حالياً تقتصر على تخفيف الأعراض من خلال تناول الأدوية، وأحياناً عمليات نقل دم شهرياً، وزيارات متكررة إلى المستشفى. بالتالي، تظل الحاجة ملحة إلى مزيد من الأبحاث والتطوير لتقديم حلول علاجية فعالة وتحسين جودة حياة المرضى.

«فقر الدم المنجلي»

مرض «الخلايا المنجلية (SCD)» أو «فقر الدم المنجلي» هو اضطراب دموي وراثي يؤدي إلى تشوه خلايا الدم الحمراء، فتصبح على شكل مِنْجَل جامد وصلب؛ مما يجعل بعضها يلتصق ببعض، ويسبب انسداد الأوعية الدموية الصغيرة، وهو أمر مؤلم للمرضى بدرجة كبيرة. ويتسبب المرض في تلف الأعضاء، وتقصير العمر الافتراضي، بسبب خلايا الدم المشوهة أو المنجلية.

يولد في كل عام ما بين 300 ألف و400 ألف طفل مصاب بـ«فقر الدم المِنجلي» في جميع أنحاء العالم. يمكن أن يعاني الأشخاص المصابون بهذا المرض من «أزمات انسداد الأوعية الدموية (Vaso-Occlusive Crisis, VOCs)» شديدة الإيلام، التي يمكن أن تؤدي إلى «متلازمة الصدر الحادة»، والسكتة الدماغية، واليرقان، وأعراض قصور القلب، مما قد يؤدي إلى تلف الأعضاء في النهاية والوفاة المبكرة.

يواجه، اليوم، علاج «فقر الدم المنجلي» تحديات صعبة، فزرع الخلايا الجذعية؛ الذي يُعدّ العلاج الوحيد القادر على شفاء هذا المرض، هو خيار متاح فقط لعدد محدود من المرضى بسبب عوامل رئيسية عدة:

- الحاجة إلى متبرع متطابق جينياً: يتطلب زرع الخلايا الجذعية تطابقاً جينياً دقيقاً بين المتبرع والمريض، وعادةً ما يكون الأشقاء هم المصدر الأنسب. ومع ذلك، فليس لجميع المرضى أشقاء متطابقون جينياً، مما يقلل فرص إجراء العملية.

- التكلفة الباهظة: زرع الخلايا الجذعية يُعدّ إجراءً مكلفاً للغاية، سواء من حيث جمع الخلايا؛ والتحضير للزرع، والمتابعة طويلة المدى. هذا يجعل العلاج بعيد المنال لكثير من المرضى، خصوصاً في الدول ذات الموارد المحدودة.

- المضاعفات والمخاطر المرتبطة بالزرع: العملية تحمل مخاطر كبيرة، مثل رفض الجسم الخلايا المزروعة، والإصابة بالعدوى بسبب ضعف المناعة. هذه المضاعفات تجعل الأطباء حذرين في التوصية بها إلا في الحالات الشديدة.

- التأثير على الحالة الصحية العامة: المرضى الذين يعانون من ضعف في الصحة العامة قد لا يكونون مؤهلين لإجراء الزرع بسبب المخاطر الكبيرة المرتبطة بالإجراء.

بسبب هذه التحديات وغيرها يُستخدم زرع الخلايا الجذعية بشكل محدود، مما يجعل الحاجة ملحة لتطوير علاجات جديدة وبديلة تكون في متناول المرضى.

«ثلاسيميا بيتا»

«ثلاسيميا بيتا» اضطراب وراثي في الدم يؤثر على خلايا الدم الحمراء، ويتطلب نقل دم منتظماً مدى الحياة، ويُعتقد أنه يؤثر على نحو 288 ألف شخص في العالم.

ويتسبب المرض في التعب وضيق التنفس، وقد يصاب الأطفال الرضع بفشل في النمو واليرقان ومشكلات في التغذية. وأشد أشكال المرض هو الـ«ثلاسيميا بيتا المعتمد على نقل الدم (Transfusion Dependent beta Thalassemia (TDT»، وفيها يعاني المرضى من التعب وضيق التنفس، مما يجعلهم يعتمدون على عمليات نقل الدم كل بضعة أسابيع بانتظام، مما قد يؤدي إلى تراكم غير صحي للحديد. وتشمل مضاعفات «ثلاسيميا بيتا» تضخم الطحال و/أو الكبد و/أو القلب؛ وتشوه العظام؛ وتأخر البلوغ.

اليوم، يُعدّ زرع الخلايا الجذعية من متبرع متطابق خياراً علاجياً لمرضى «ثلاسيميا بيتا». ومع ذلك، يظل هذا الخيار متاحاً لعدد محدود من المرضى، كما سبق، كما يتطلب علاجاً مستمراً مدى الحياة، ويستهلك موارد كبيرة من نظام الرعاية الصحية. بالإضافة إلى ذلك، يؤدي المرض في نهاية المطاف إلى انخفاض متوسط العمر المتوقع وجودة الحياة، فضلاً عن تأثيره السلبي على الدخل والإنتاجية طوال حياة المريض. هذا الوضع يؤكد الحاجة الملحّة إلى تطوير علاجات بديلة تكون أكثر فاعلية وأقل تكلفة.

خيارات العلاج

أولاً: العلاج الحالي: يمكن أن تساعد خيارات العلاج الحالية في تقليل مضاعفات الأمراض الوراثية، ولكنها غير قادرة على القضاء عليها تماماً.

لدى مرضى «فقر الدم المنجلي» والـ«ثلاسيميا بيتا»، يُعدّ زرع الخلايا الجذعية خياراً علاجياً محتملاً. ومع ذلك، فإن هذا الخيار يواجه تحديات عدة؛ بما فيها المخاطر الطبية المرتبطة بالزرع، مثل رفض الجسم، والحاجة إلى أدوية مثبطة للمناعة، بالإضافة إلى محدودية توفر المتبرعين المطابقين.

ثانياً: العلاج الجيني الحديث: شهدت تقنيات «التحرير الجيني» تطورات هائلة تُعدّ نقلة نوعية في علاج الأمراض الوراثية، مثل «فقر الدم المنجلي (SCD)» والـ«ثلاسيميا بيتا المعتمد على نقل الدم (TDT)». ومن أبرز هذه التطورات تقنية «كريسبر/ كاس9» للعلاج الجيني، التي حازت موافقة «إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)»، و«الوكالة الأوروبية للأدوية (EMA)»، وأخيراً «الهيئة السعودية للغذاء والدواء (SFDA)»، مما يمثل إنجازاً كبيراً في علاج هذه الأمراض المرهقة.

في يناير (كانون الثاني) 2024، وافقت «الهيئة السعودية للغذاء والدواء» على استخدام «كريسبر/ كاس9» لعلاج مرضى «فقر الدم المنجلي» والـ«ثلاسيميا بيتا». يعتمد هذا العلاج على تعديل الخلايا الجذعية لدم المريض وراثياً لتحفيز إنتاج مستويات مرتفعة من «الهيموغلوبين الجنيني (fetal hemoglobin)»، الذي يعمل على تخفيف تشوه خلايا الدم الحمراء الناتج عن المرض، وبالتالي تخفيف الأعراض.

خلال سبتمبر (أيلول) 2024، حققت الشؤون الصحية في وزارة الحرس الوطني بالرياض إنجازاً عالمياً غير مسبوق بتطبيق العلاج الجديد (العلاج الجيني كريسبر/ كاس 9) خارج نطاق التجارب السريرية والأبحاث؛ فقد عولج بنجاح طفل يعاني من الـ«ثلاسيميا» منذ الولادة، في «مدينة الملك عبد العزيز الطبية» بالرياض، وقد خرج الطفل من المستشفى بعد تعافيه. ويخطَّط لتطبيق هذا العلاج على مرضى آخرين من مختلف الفئات العمرية ممن يعانون من «فقر الدم المنجلي» والـ«ثلاسيميا بيتا».

التعايش مع الحالات

• يعاني الأشخاص المصابون بمرض «فقر الدم المنجلي (SCD)» من أزمات ألم متكررة تُعرف باسم «أزمات انسداد الأوعية الدموية (VOCs)»، التي تؤدي إلى ألم شديد ومنهك يمكن أن يحدث في أي وقت وفي أي مكان بالجسم. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي مرض «الخلايا المنجلية» أيضاً إلى تلف الأعضاء وتقصير متوسط العمر المتوقع.

وتشير البيانات الدولية إلى أنه بالإضافة لمتوسط العمر المتوقع الذي يبلغ نحو 40 عاماً (Annals of Emergency Medicine 2020; 76:38)، وأزمة الألم، يمكن أن يعاني الأشخاص المصابون بـ«فقر الدم المنجلي» أيضاً من أعراض أخرى، مثل فقر الدم، واصفرار الجلد والعينين (اليرقان)، وأعراض قصور القلب. كما يعاني المرضى غالباً من تلف الطحال، مما يزيد من خطر الإصابة بالعدوى البكتيرية.

• يتطلب مرض الـ«ثلاسيميا بيتا المعتمد على نقل الدم (TDT)» عمليات نقل دم مستمرة كل ما بين أسبوعين و5 أسابيع لعلاج فقر الدم الحاد. ومع ذلك، تؤدي عمليات نقل الدم المتكررة إلى تراكم الحديد في الجسم، مما يسبب تلفاً للأعضاء. على الرغم من وجود أدوية لإزالة الحديد الزائد من الدم، فإن متوسط العمر المتوقع للمرضى يقل بمقدار 55 عاماً عن الطبيعي وفقاً للبيانات الدولية.

يعاني هؤلاء المرضى من مجموعة من الأعراض، تشمل التعب، وضيق التنفس، وقد يواجه الأطفال الرضع تأخراً في النمو، واليرقان، ومشكلات في التغذية. وتشمل المضاعفات الأخرى تضخم الطحال والكبد والقلب، وتشوه العظام، وتأخر البلوغ.

نجاح تطبيق هذا العلاج الجيني الحديث يمثل إنجازاً علمياً يعزز من مكانة السعودية في مجالات البحث الطبي والابتكار

رؤية مستقبلية

إن النجاح الذي حققته المملكة العربية السعودية في تطبيق هذا العلاج الجيني الحديث يمثل إنجازاً علمياً عالمياً يعزز من مكانة السعودية في مجالات البحث الطبي والابتكار. علاوة على ذلك، فإن استخدام هذه التقنية في «مدينة الملك عبد العزيز الطبية» بالرياض يعكس التزام السعودية بتقديم أحدث تقنيات العلاج لمرضاها.

إن العلاج الجيني الحديث يُعدّ تحولاً جذرياً في معالجة الأمراض الوراثية المعقدة، مثل «فقر الدم المنجلي» والـ«ثلاسيميا بيتا». هذا التطور لا يوفر فقط خياراً علاجياً جديداً، بل يفتح آفاقاً غير مسبوقة لتحسين نوعية حياة المرضى.

ومن خلال تعديل الجينات المسببة للمرض بدقة، يمكن لهذا العلاج أن يقدم حلاً مستداماً، مما يخفف من الأعراض ويقلل الحاجة إلى العلاجات التقليدية المرهقة، مثل عمليات نقل الدم وزرع الخلايا الجذعية.

إن هذه الخطوات تمثل بداية حقبة جديدة يمكن أن تغير مستقبل علاج الأمراض الوراثية، مما يعزز الأمل في القضاء على هذه الأمراض المرهقة وتحقيق نقلة نوعية في جودة حياة الأجيال المقبلة.

تشخيص الحالات في السعودية

في كثير من البلدان، تعدّ فحوصات ما قبل الزواج، وفحوصات الأطفال حديثي الولادة، أدوات أساسية للكشف المبكر عن «فقر الدم المنجلي» والـ«ثلاسيميا بيتا».

وفي المملكة العربية السعودية، أنشأت وزارة الصحة برامج لفحوصات ما قبل الزواج، وأخرى لحديثي الولادة، وهي واسعة الانتشار في أكثر من 130 مركزاً للرعاية الصحية بجميع أنحاء البلاد، مما يسهم في توعية المواطنين، وتحسين نتائج العلاج، ويمكّن الجميع من الحصول على الاستشارات والفحوصات المخبرية. يعتمد التشخيص على الأعراض المميزة لكل مرض ومجموعة من الاختبارات؛ بما فيها اختبارات الدم والاختبارات الجينية.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

لماذا يصيب الشلل الرعاش الرجال أكثر من النساء؟

يوميات الشرق مرض باركنسون يعد سبباً رئيسياً للإعاقة حول العالم (أ.ف.ب)

لماذا يصيب الشلل الرعاش الرجال أكثر من النساء؟

كشفت دراسة جديدة عن تغيرات جينية في خلايا الدماغ قد تُفسر سبب إصابة الرجال بمرض باركنسون أكثر من النساء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك أسباب ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان تعد معقدة ومتداخلة (بيكسلز)

تقرير يتوقع ارتفاعاً حاداً في إصابات السرطان عالمياً... فما الأسباب؟

رغم التقدم الذي تحقق في تشخيص السرطان وعلاجه خلال السنوات الأخيرة فإن العالم يتجه نحو مواجهة عبء صحي أكبر بالعقود المقبلة 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الجري يُفعّل عضلات الجذع بما في ذلك العضلات الجانبية للبطن (بيكسلز)

هل الهرمونات هي سر بناء العضلات؟ دراسة جديدة تفاجئ الجميع

الهرمونات ليست السر لبناء العضلات؛ دراسة تكشف أن الانتظام في تمارين القوة والجهد المستمر أهم من توقيت الدورة الشهرية أو التغيرات الهرمونية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الكرياتين يرتبط بزيادة مستويات الدوبامين والسيروتونين (بيكسلز)

مكمل شائع بين الرياضيين قد يحمل فوائد واعدة لمرضى الاكتئاب

لطالما ارتبط الكرياتين بتحسين الأداء الرياضي وزيادة القوة العضلية، مما جعله من أكثر المكملات الغذائية استخداماً بين مرتادي الصالات الرياضية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
صحتك  الزنك يشارك في أكثر من 100 تفاعل كيميائي داخل الجسم (بيكسلز)

ماذا يحدث للجسم عند الإفراط في تناول الزنك؟

يُعد الزنك من المعادن الأساسية التي يحتاج إليها الجسم لأداء كثير من وظائفه الحيوية فهو يسهم في دعم المناعة وتسريع التئام الجروح والمساعدة في النمو

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقرير يتوقع ارتفاعاً حاداً في إصابات السرطان عالمياً خلال العقود المقبلة... فما الأسباب؟

أسباب ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان تعد معقدة ومتداخلة (بيكسلز)
أسباب ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان تعد معقدة ومتداخلة (بيكسلز)
TT

تقرير يتوقع ارتفاعاً حاداً في إصابات السرطان عالمياً خلال العقود المقبلة... فما الأسباب؟

أسباب ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان تعد معقدة ومتداخلة (بيكسلز)
أسباب ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان تعد معقدة ومتداخلة (بيكسلز)

رغم التقدم الذي تحقق في تشخيص السرطان وعلاجه خلال السنوات الأخيرة، فإن العالم يتجه نحو مواجهة عبء صحي أكبر في العقود المقبلة. فحسب تقرير جديد لمنظمة الصحة العالمية، من المتوقع أن تشهد معدلات الإصابة بالسرطان ارتفاعاً ملحوظاً بحلول عام 2050، مدفوعة بعوامل عدة، من بينها شيخوخة السكان، وتحسن وسائل التشخيص، واستمرار التفاوت في فرص الوقاية والعلاج بين الدول، إلى جانب انتشار عوامل الخطر التي يمكن تجنب كثير منها.

وتشير توقعات منظمة الصحة العالمية، في تقرير نُشر الأربعاء، إلى ارتفاع كبير في حالات الإصابة بالسرطان على مستوى العالم بحلول عام 2050. كما خففت المنظمة، التابعة للأمم المتحدة، من تفاؤلها بشأن وتيرة التحسن في رصد السرطان وعلاجه، محذرة من أن التفاوتات في أنظمة الرعاية الصحية حول العالم تسهم في زيادة أعداد الإصابات والوفيات، حسب صحيفة «واشنطن بوست».

ووفقاً للتقرير، شُخِّص نحو 20.6 مليون شخص بالسرطان خلال عام 2024، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 35 مليون حالة جديدة سنوياً بحلول عام 2050.

وأشار التقرير إلى أن الدول ذات الدخل المنخفض، التي تعاني محدودية الوصول إلى خدمات الكشف المبكر والعلاج، ستتحمل النصيب الأكبر من الزيادة المتوقعة في حالات السرطان.

وقال أندريه إلباوي، مسؤول مكافحة السرطان في منظمة الصحة العالمية، خلال مؤتمر صحافي عُقد هذا الأسبوع لمناقشة نتائج التقرير: «لا يزال عدد كبير جداً من الناس يُهمَلون».

وقد ارتفعت معدلات الإصابة بالسرطان عالمياً خلال السنوات الأخيرة، كما توصلت تقارير حديثة أخرى إلى توقعات مماثلة لتلك التي خلصت إليها منظمة الصحة العالمية بشأن عام 2050. وتشير تقديرات المنظمة إلى أن واحداً من كل خمسة أشخاص سيصاب بالسرطان في مرحلة ما من حياته.

وأوضح التقرير أن أسباب ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان معقدة ومتداخلة. فبعض أنواع السرطان أصبحت أكثر شيوعاً لدى فئات عمرية مختلفة، كما أن زيادة أعداد الحالات المشخصة تعود أيضاً إلى تحسن وسائل الكشف المبكر، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، وهو ما يزيد من احتمالات الإصابة بالسرطانات المرتبطة بالتقدم في السن.

ضعف خدمات التشخيص والعلاج في بعض المناطق يؤدي إلى نتائج صحية أسوأ بكثير (بيكسلز)

وفي الولايات المتحدة، ظل معدل الإصابة بالحالات الجديدة من السرطان مستقراً بصورة عامة خلال السنوات الأخيرة، وفقاً للمعاهد الوطنية للصحة، في حين واصل معدل الوفيات الناجمة عن المرض انخفاضه.

وقال إميل لو، اختصاصي الأورام والأستاذ المشارك في الطب بجامعة مينيسوتا، في مقابلة صحافية، إن التطورات العلاجية، ومن بينها العلاج المناعي، أسهمت بشكل كبير في تحسين فرص بقاء المرضى على قيد الحياة، خصوصاً المصابين ببعض أنواع السرطان المتقدمة مثل سرطان الرئة.

وأضاف لو، الذي لم يشارك في إعداد تقرير منظمة الصحة العالمية: «على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزناه في علاج بعض أنواع السرطان بفاعلية غير مسبوقة، فإن الارتفاع المستمر في انتشار السرطان عالمياً يذكرنا بأن أمامنا طريقاً طويلاً لا يزال يتعين قطعه».

وسلّط التقرير الضوء على الفجوة الكبيرة في نتائج علاج السرطان بين الدول، مشيراً إلى أن ضعف خدمات التشخيص والعلاج في بعض المناطق يؤدي إلى نتائج صحية أسوأ بكثير. واستشهد الباحثون بسرطان الثدي وسرطان عنق الرحم لتوضيح حجم هذا التفاوت.

وقالت إيزابيل سورجوماتارام، عالمة الأوبئة في الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، خلال المؤتمر الصحافي: «في الدول ذات الدخل المرتفع في أوروبا وأميركا الشمالية، نلاحظ انخفاضاً في حالات سرطان عنق الرحم حتى يكاد ينعدم». وأضافت: «أما في كثير من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فلا يزال سرطان عنق الرحم هو السرطان الأكثر شيوعاً».

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يتجاوز معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات لدى المصابات بسرطان الثدي 85 في المائة في البلدان ذات الدخل المرتفع، بينما ينخفض إلى أقل من 30 في المائة في البلدان منخفضة الدخل.

وأشار التقرير أيضاً إلى أن الدول، سواء كانت غنية أو فقيرة، لا تستثمر بما يكفي في برامج الوقاية من السرطان وعلاجه، رغم تحقيق تقدم معتدل في الحد من بعض عوامل الخطر المعروفة المسببة للمرض.

وأشاد التقرير بالتقدم العالمي في تبني سياسات الحد من استهلاك التبغ، موضحاً أن معدلات استهلاكه انخفضت بنسبة 27 في المائة منذ عام 2010.

وفي سياق متصل، أفاد التقرير بأن 85 في المائة من دول العالم أدرجت لقاحات فيروس الورم الحليمي البشري ضمن برامج التطعيم الوطنية، كما ارتفعت نسبة الفتيات اللواتي تلقين الجرعة الأولى من اللقاح إلى نحو 31 في المائة، مقارنة بـ17 في المائة عام 2019.

ومن بين أكثر الاتجاهات التي أثارت قلق الباحثين، استمرار ارتفاع معدلات السمنة في معظم دول العالم. وقد ربطت المعاهد الوطنية للصحة السمنة بأكثر من 12 نوعاً من السرطان، من بينها سرطان الكبد، والبنكرياس، والقولون والمستقيم.

وقال إلباوي: «سيمثل ذلك عبئاً إضافياً كبيراً على جميع دول العالم عندما تصبح أنواع السرطان المرتبطة بالسمنة أكثر شيوعاً، ومن المرجح أن يحدث ذلك في عدد كبير من الدول خلال العشرين أو الثلاثين عاماً المقبلة».

ورغم الصورة المقلقة التي يرسمها التقرير، شددت سورجوماتارام على أن جزءاً كبيراً من حالات السرطان المستقبلية يمكن الوقاية منه. وأضافت: «أربع من كل عشر حالات سرطان جديدة ترتبط بعوامل خطر نعرف بالفعل كيفية التعامل معها والحد منها».


هل الهرمونات هي سر بناء العضلات؟ دراسة جديدة تفاجئ الجميع

الجري يُفعّل عضلات الجذع بما في ذلك العضلات الجانبية للبطن (بيكسلز)
الجري يُفعّل عضلات الجذع بما في ذلك العضلات الجانبية للبطن (بيكسلز)
TT

هل الهرمونات هي سر بناء العضلات؟ دراسة جديدة تفاجئ الجميع

الجري يُفعّل عضلات الجذع بما في ذلك العضلات الجانبية للبطن (بيكسلز)
الجري يُفعّل عضلات الجذع بما في ذلك العضلات الجانبية للبطن (بيكسلز)

لطالما ارتبط بناء العضلات بفكرة أن الهرمونات تلعب الدور الأكبر في تحديد قدرة الجسم على اكتساب القوة والحجم العضلي، خصوصاً لدى النساء، حيث كان يُعتقد أن التغيرات الهرمونية خلال الدورة الشهرية قد تؤثر بشكل مباشر على نتائج تمارين رفع الأوزان.

إلا أن دراسة حديثة جاءت لتعيد النظر في هذا الاعتقاد، مؤكدة أن الأمر قد يكون أبسط مما كان يُعتقد. وفقاً لصحيفة «واشنطن بوست».

فقد تابع باحثون من جامعة ماكماستر في كندا مجموعة من 24 امرأة شابة خلال برنامج تدريبي امتد لعدة أشهر، مع مراقبة دقيقة لمراحل الدورة الشهرية وقياس مستويات الهرمونات لديهن، بهدف معرفة ما إذا كان توقيت التدريب خلال الشهر يؤثر على قدرة العضلات على النمو والتطور.

وجاءت النتائج مفاجئة، إذ لم يجد الباحثون تأثيراً واضحاً لمراحل الدورة الشهرية على زيادة قوة العضلات أو حجمها. فقد سجلت المشاركات تقدماً متشابهاً، سواء تدربن خلال الفترات التي ترتفع فيها مستويات هرمون الإستروجين، أو خلال المراحل التي تنخفض فيها هذه المستويات.

عند استخدام أحزمة المقاومة تعمل العضلات على مقاومة قوة الشدّ الناتجة عن تمدد الحزام (بيكسلز)

وتشير الدراسة إلى أن الهرمونات الجنسية، مثل الإستروجين والبروجسترون لدى النساء، وكذلك هرمون التستوستيرون لدى الرجال، قد لا تكون العامل الحاسم في تحديد قدرة الجسم على بناء العضلات عند ممارسة تمارين المقاومة.

وبحسب الباحثين، فإن العامل الأكثر تأثيراً هو «الضغط الميكانيكي» الذي تتعرض له العضلات في أثناء رفع الأوزان، إذ يدفعها إلى التكيف مع الجهد المبذول، ومن ثم تصبح أكثر قوة وحجماً مع مرور الوقت.

وتدعم هذه النتائج أبحاثاً سابقة أظهرت أن اختلاف مستويات هرمون التستوستيرون بين الرجال لا يمنع تحقيق تقدم في بناء العضلات، طالما هناك تدريب منتظم ومجهود كافٍ والتزام طويل الأمد.

ويرى متخصصون أن أهمية هذه النتائج لا تقتصر على النساء الشابات فقط، بل تمتد إلى النساء بعد انقطاع الطمث، وإلى الرجال في مراحل عمرية متقدمة، إذ تؤكد أن التقدم في العمر أو التغيرات الهرمونية لا تعني فقدان القدرة على تحسين القوة البدنية وبناء كتلة عضلية.

ومع ذلك، يوضح الباحثون أن النتائج لا تعني تجاهل تأثير الأعراض المصاحبة للدورة الشهرية، مثل التعب أو الألم، التي قد تجعل بعض الأيام أكثر صعوبة من غيرها بالنسبة إلى ممارسة التمارين. وفي هذه الحالات قد يكون تعديل شدة التدريب أو منح الجسم وقتاً للراحة خياراً مناسباً.

الخلاصة التي تقدمها الدراسة واضحة: لا توجد «ساعة ذهبية» أو فترة سحرية خلال الشهر لبناء العضلات. فالطريق الحقيقي للنتائج يمر عبر الانتظام، ورفع الأوزان بطريقة صحيحة، ومنح الجسم الوقت الكافي للتكيف والاستمرار.


مكمل شائع بين الرياضيين قد يحمل فوائد واعدة لمرضى الاكتئاب

الكرياتين يرتبط بزيادة مستويات الدوبامين والسيروتونين (بيكسلز)
الكرياتين يرتبط بزيادة مستويات الدوبامين والسيروتونين (بيكسلز)
TT

مكمل شائع بين الرياضيين قد يحمل فوائد واعدة لمرضى الاكتئاب

الكرياتين يرتبط بزيادة مستويات الدوبامين والسيروتونين (بيكسلز)
الكرياتين يرتبط بزيادة مستويات الدوبامين والسيروتونين (بيكسلز)

لطالما ارتبط الكرياتين بتحسين الأداء الرياضي وزيادة القوة العضلية، مما جعله من أكثر المكملات الغذائية استخداماً بين مرتادي الصالات الرياضية. إلا أن دراسة جديدة تفتح الباب أمام دور محتمل لهذا المكمل يتجاوز اللياقة البدنية؛ إذ تشير إلى أنه قد يُسهم في تحسين أعراض الاكتئاب عند استخدامه إلى جانب العلاجات التقليدية، مع تأكيد أن الأدلة الحالية لا تزال أولية وتحتاج إلى مزيد من الدراسات.

ويصف بعض الأطباء الكرياتين بأنه «واعد، لكنه ليس علاجاً نهائياً»، باعتباره علاجاً مساعداً للاكتئاب.

وخلصت مراجعة منهجية، نُشرت في مجلة «طب الدماغ» التابعة لدار «جينوميك برس»، إلى أن «مونوهيدرات الكرياتين» قد يكون مفيداً بوصفه علاجاً إضافياً للاكتئاب الشديد، رغم أن الأدلة المتوافرة حتى الآن لا تزال محدودة وأولية، وفقاً لصحيفة «نيويورك بوست».

علاقة ارتباط وليست علاقة سببية

وحلّل باحثون كنديون بيانات خمس تجارب عشوائية مضبوطة لتقييم تأثير تناول «مونوهيدرات الكرياتين» في الصحة النفسية.

وتناولت أربع من هذه التجارب حالات الاكتئاب الشديد، في حين ركزت التجربة الخامسة على مرضى اضطراب ثنائي القطب الذين كانوا يعانون نوبة اكتئاب حالية.

وفي إحدى الدراسات، التي أُجريت على نساء مصابات بالاكتئاب، تناولت المشاركات 5 غرامات من الكرياتين يومياً إلى جانب مضاد الاكتئاب «إسيتالوبرام»، ولُوحظ تحسّن أكبر في الأعراض بعد ثمانية أسابيع مقارنة بالعلاج الدوائي وحده. كما أظهرت دراسة أخرى فائدة عند إضافة الكرياتين إلى العلاج السلوكي المعرفي.

في المقابل، لم تجد دراسات أخرى أُجريت على فتيات مراهقات أي فوائد تُذكر عند استخدام جرعات مختلفة من الكرياتين لمدة ثمانية أسابيع. كما لم تسجل الدراسة الخاصة بمرضى اضطراب ثنائي القطب أي تحسنات ملحوظة عند إضافة 6 غرامات من الكرياتين إلى العلاج الدوائي لمدة ستة أسابيع.

وأوضح الباحثون، في بيان صحافي، أن دراسات سابقة أظهرت أن الأشخاص المصابين باضطرابات المزاج يتعامل دماغهم مع الكرياتين بطريقة مختلفة. وبما أن الكرياتين يؤدي دوراً مهماً في إنتاج الطاقة داخل الخلايا، فإن بعض العلماء يعتقدون أن أي خلل في هذه العملية قد يُسهم في الإصابة بالاكتئاب.

ورغم أن الكرياتين يرتبط أيضاً بزيادة مستويات الدوبامين والسيروتونين، وهما من أبرز الناقلات العصبية التي تستهدفها معظم مضادات الاكتئاب، شدد الباحثون على أن العلاقة بين مستويات الكرياتين في الدماغ وتحسن المزاج لا تزال علاقة ارتباط وليست علاقة سببية مؤكدة، خصوصاً أن الاكتئاب اضطراب معقّد تتداخل في حدوثه عوامل عديدة.

آثار جانبية

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة من جامعة أوتاوا، بسام جيريوس فارس، في بيان صحافي، إن النتائج «مثيرة للاهتمام، لكنها ليست حكماً قاطعاً».

وأضاف: «أشارت تجربتان إلى وجود فائدة محتملة، في حين توصلت ثلاث تجارب إلى نتائج مختلفة. وهذا ليس النوع من الأدلة الذي يغيّر الممارسة السريرية، بل يشير إلى أن هذا المجال يستحق مزيداً من البحث».

من جانبه، قال المؤلف الرئيسي للدراسة، الطبيب المقيم في قسم الطب النفسي بجامعة أوتاوا، نيكولاس فابيانو، إن الكرياتين «يبدو علاجاً آمناً»، موضحاً أن الآثار الجانبية التي سُجّلت في الدراسات اقتصرت على ألم خفيف في المعدة.

لكنه حذر في الوقت نفسه من أن الأدلة الحالية لا تسمح بالجزم بأن الكرياتين يخفّف أعراض الاكتئاب، كما لا يمكن التأكد بعد من أن هذه النتائج تنطبق على جميع المرضى.

من جانبها، قالت الدكتورة ثيا غالاغر، عالمة النفس ومديرة برامج الصحة في مركز لانغون الطبي بجامعة نيويورك، الدكتورة ثيا غالاغر، إن الكرياتين لا يقتصر دوره على دعم أداء العضلات، بل يساعد الدماغ أيضاً في إنتاج الطاقة واستخدامها بكفاءة.

وأضافت ثيا غالاغر، التي لم تشارك في الدراسة، في تصريحات لشبكة «فوكس نيوز ديجيتال»: «يعتقد الباحثون أن بعض الأشخاص المصابين بالاكتئاب قد يعانون اضطرابات في استقلاب الطاقة داخل الدماغ، وأن الكرياتين قد يساعد في دعم مسارات إنتاج الطاقة. كما تشير أدلة حديثة إلى أنه قد يؤثر في النواقل العصبية، ويقلل الإجهاد التأكسدي والالتهابات، إلا أن هذه الآليات لا تزال قيد الدراسة».

وأكدت غالاغر أن النتائج الحالية تشير إلى أن الكرياتين قد يكون أكثر فائدة عند استخدامه إلى جانب العلاجات المعتمدة للاكتئاب، وليس بوصفه بديلاً لها.