«فقر الدم المنجلي» و«ثلاسيميا بيتا»: العلاج الجيني بتقنية «كريسبر»

نجاح عمليات معالجة المرضى في السعودية

خلايا الدم المنجلية
خلايا الدم المنجلية
TT

«فقر الدم المنجلي» و«ثلاسيميا بيتا»: العلاج الجيني بتقنية «كريسبر»

خلايا الدم المنجلية
خلايا الدم المنجلية

«اعتلالات الهيموغلوبين» هي مجموعة من أمراض الدم الوراثية التي تنتقل إلى الأبناء عبر الجينات، وأهمها «فقر الدم المِنجلي» والـ«ثلاسيميا» التي تؤدي إلى إنتاج خلايا دم حمراء غير طبيعية وغير قادرة على نقل الأكسجين بكفاءة.

وتعدّ محدودية علاج هذه الأمراض من أكبر التحديات التي تواجه المرضى، فالعلاجات المتاحة حالياً تقتصر على تخفيف الأعراض من خلال تناول الأدوية، وأحياناً عمليات نقل دم شهرياً، وزيارات متكررة إلى المستشفى. بالتالي، تظل الحاجة ملحة إلى مزيد من الأبحاث والتطوير لتقديم حلول علاجية فعالة وتحسين جودة حياة المرضى.

«فقر الدم المنجلي»

مرض «الخلايا المنجلية (SCD)» أو «فقر الدم المنجلي» هو اضطراب دموي وراثي يؤدي إلى تشوه خلايا الدم الحمراء، فتصبح على شكل مِنْجَل جامد وصلب؛ مما يجعل بعضها يلتصق ببعض، ويسبب انسداد الأوعية الدموية الصغيرة، وهو أمر مؤلم للمرضى بدرجة كبيرة. ويتسبب المرض في تلف الأعضاء، وتقصير العمر الافتراضي، بسبب خلايا الدم المشوهة أو المنجلية.

يولد في كل عام ما بين 300 ألف و400 ألف طفل مصاب بـ«فقر الدم المِنجلي» في جميع أنحاء العالم. يمكن أن يعاني الأشخاص المصابون بهذا المرض من «أزمات انسداد الأوعية الدموية (Vaso-Occlusive Crisis, VOCs)» شديدة الإيلام، التي يمكن أن تؤدي إلى «متلازمة الصدر الحادة»، والسكتة الدماغية، واليرقان، وأعراض قصور القلب، مما قد يؤدي إلى تلف الأعضاء في النهاية والوفاة المبكرة.

يواجه، اليوم، علاج «فقر الدم المنجلي» تحديات صعبة، فزرع الخلايا الجذعية؛ الذي يُعدّ العلاج الوحيد القادر على شفاء هذا المرض، هو خيار متاح فقط لعدد محدود من المرضى بسبب عوامل رئيسية عدة:

- الحاجة إلى متبرع متطابق جينياً: يتطلب زرع الخلايا الجذعية تطابقاً جينياً دقيقاً بين المتبرع والمريض، وعادةً ما يكون الأشقاء هم المصدر الأنسب. ومع ذلك، فليس لجميع المرضى أشقاء متطابقون جينياً، مما يقلل فرص إجراء العملية.

- التكلفة الباهظة: زرع الخلايا الجذعية يُعدّ إجراءً مكلفاً للغاية، سواء من حيث جمع الخلايا؛ والتحضير للزرع، والمتابعة طويلة المدى. هذا يجعل العلاج بعيد المنال لكثير من المرضى، خصوصاً في الدول ذات الموارد المحدودة.

- المضاعفات والمخاطر المرتبطة بالزرع: العملية تحمل مخاطر كبيرة، مثل رفض الجسم الخلايا المزروعة، والإصابة بالعدوى بسبب ضعف المناعة. هذه المضاعفات تجعل الأطباء حذرين في التوصية بها إلا في الحالات الشديدة.

- التأثير على الحالة الصحية العامة: المرضى الذين يعانون من ضعف في الصحة العامة قد لا يكونون مؤهلين لإجراء الزرع بسبب المخاطر الكبيرة المرتبطة بالإجراء.

بسبب هذه التحديات وغيرها يُستخدم زرع الخلايا الجذعية بشكل محدود، مما يجعل الحاجة ملحة لتطوير علاجات جديدة وبديلة تكون في متناول المرضى.

«ثلاسيميا بيتا»

«ثلاسيميا بيتا» اضطراب وراثي في الدم يؤثر على خلايا الدم الحمراء، ويتطلب نقل دم منتظماً مدى الحياة، ويُعتقد أنه يؤثر على نحو 288 ألف شخص في العالم.

ويتسبب المرض في التعب وضيق التنفس، وقد يصاب الأطفال الرضع بفشل في النمو واليرقان ومشكلات في التغذية. وأشد أشكال المرض هو الـ«ثلاسيميا بيتا المعتمد على نقل الدم (Transfusion Dependent beta Thalassemia (TDT»، وفيها يعاني المرضى من التعب وضيق التنفس، مما يجعلهم يعتمدون على عمليات نقل الدم كل بضعة أسابيع بانتظام، مما قد يؤدي إلى تراكم غير صحي للحديد. وتشمل مضاعفات «ثلاسيميا بيتا» تضخم الطحال و/أو الكبد و/أو القلب؛ وتشوه العظام؛ وتأخر البلوغ.

اليوم، يُعدّ زرع الخلايا الجذعية من متبرع متطابق خياراً علاجياً لمرضى «ثلاسيميا بيتا». ومع ذلك، يظل هذا الخيار متاحاً لعدد محدود من المرضى، كما سبق، كما يتطلب علاجاً مستمراً مدى الحياة، ويستهلك موارد كبيرة من نظام الرعاية الصحية. بالإضافة إلى ذلك، يؤدي المرض في نهاية المطاف إلى انخفاض متوسط العمر المتوقع وجودة الحياة، فضلاً عن تأثيره السلبي على الدخل والإنتاجية طوال حياة المريض. هذا الوضع يؤكد الحاجة الملحّة إلى تطوير علاجات بديلة تكون أكثر فاعلية وأقل تكلفة.

خيارات العلاج

أولاً: العلاج الحالي: يمكن أن تساعد خيارات العلاج الحالية في تقليل مضاعفات الأمراض الوراثية، ولكنها غير قادرة على القضاء عليها تماماً.

لدى مرضى «فقر الدم المنجلي» والـ«ثلاسيميا بيتا»، يُعدّ زرع الخلايا الجذعية خياراً علاجياً محتملاً. ومع ذلك، فإن هذا الخيار يواجه تحديات عدة؛ بما فيها المخاطر الطبية المرتبطة بالزرع، مثل رفض الجسم، والحاجة إلى أدوية مثبطة للمناعة، بالإضافة إلى محدودية توفر المتبرعين المطابقين.

ثانياً: العلاج الجيني الحديث: شهدت تقنيات «التحرير الجيني» تطورات هائلة تُعدّ نقلة نوعية في علاج الأمراض الوراثية، مثل «فقر الدم المنجلي (SCD)» والـ«ثلاسيميا بيتا المعتمد على نقل الدم (TDT)». ومن أبرز هذه التطورات تقنية «كريسبر/ كاس9» للعلاج الجيني، التي حازت موافقة «إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)»، و«الوكالة الأوروبية للأدوية (EMA)»، وأخيراً «الهيئة السعودية للغذاء والدواء (SFDA)»، مما يمثل إنجازاً كبيراً في علاج هذه الأمراض المرهقة.

في يناير (كانون الثاني) 2024، وافقت «الهيئة السعودية للغذاء والدواء» على استخدام «كريسبر/ كاس9» لعلاج مرضى «فقر الدم المنجلي» والـ«ثلاسيميا بيتا». يعتمد هذا العلاج على تعديل الخلايا الجذعية لدم المريض وراثياً لتحفيز إنتاج مستويات مرتفعة من «الهيموغلوبين الجنيني (fetal hemoglobin)»، الذي يعمل على تخفيف تشوه خلايا الدم الحمراء الناتج عن المرض، وبالتالي تخفيف الأعراض.

خلال سبتمبر (أيلول) 2024، حققت الشؤون الصحية في وزارة الحرس الوطني بالرياض إنجازاً عالمياً غير مسبوق بتطبيق العلاج الجديد (العلاج الجيني كريسبر/ كاس 9) خارج نطاق التجارب السريرية والأبحاث؛ فقد عولج بنجاح طفل يعاني من الـ«ثلاسيميا» منذ الولادة، في «مدينة الملك عبد العزيز الطبية» بالرياض، وقد خرج الطفل من المستشفى بعد تعافيه. ويخطَّط لتطبيق هذا العلاج على مرضى آخرين من مختلف الفئات العمرية ممن يعانون من «فقر الدم المنجلي» والـ«ثلاسيميا بيتا».

التعايش مع الحالات

• يعاني الأشخاص المصابون بمرض «فقر الدم المنجلي (SCD)» من أزمات ألم متكررة تُعرف باسم «أزمات انسداد الأوعية الدموية (VOCs)»، التي تؤدي إلى ألم شديد ومنهك يمكن أن يحدث في أي وقت وفي أي مكان بالجسم. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي مرض «الخلايا المنجلية» أيضاً إلى تلف الأعضاء وتقصير متوسط العمر المتوقع.

وتشير البيانات الدولية إلى أنه بالإضافة لمتوسط العمر المتوقع الذي يبلغ نحو 40 عاماً (Annals of Emergency Medicine 2020; 76:38)، وأزمة الألم، يمكن أن يعاني الأشخاص المصابون بـ«فقر الدم المنجلي» أيضاً من أعراض أخرى، مثل فقر الدم، واصفرار الجلد والعينين (اليرقان)، وأعراض قصور القلب. كما يعاني المرضى غالباً من تلف الطحال، مما يزيد من خطر الإصابة بالعدوى البكتيرية.

• يتطلب مرض الـ«ثلاسيميا بيتا المعتمد على نقل الدم (TDT)» عمليات نقل دم مستمرة كل ما بين أسبوعين و5 أسابيع لعلاج فقر الدم الحاد. ومع ذلك، تؤدي عمليات نقل الدم المتكررة إلى تراكم الحديد في الجسم، مما يسبب تلفاً للأعضاء. على الرغم من وجود أدوية لإزالة الحديد الزائد من الدم، فإن متوسط العمر المتوقع للمرضى يقل بمقدار 55 عاماً عن الطبيعي وفقاً للبيانات الدولية.

يعاني هؤلاء المرضى من مجموعة من الأعراض، تشمل التعب، وضيق التنفس، وقد يواجه الأطفال الرضع تأخراً في النمو، واليرقان، ومشكلات في التغذية. وتشمل المضاعفات الأخرى تضخم الطحال والكبد والقلب، وتشوه العظام، وتأخر البلوغ.

نجاح تطبيق هذا العلاج الجيني الحديث يمثل إنجازاً علمياً يعزز من مكانة السعودية في مجالات البحث الطبي والابتكار

رؤية مستقبلية

إن النجاح الذي حققته المملكة العربية السعودية في تطبيق هذا العلاج الجيني الحديث يمثل إنجازاً علمياً عالمياً يعزز من مكانة السعودية في مجالات البحث الطبي والابتكار. علاوة على ذلك، فإن استخدام هذه التقنية في «مدينة الملك عبد العزيز الطبية» بالرياض يعكس التزام السعودية بتقديم أحدث تقنيات العلاج لمرضاها.

إن العلاج الجيني الحديث يُعدّ تحولاً جذرياً في معالجة الأمراض الوراثية المعقدة، مثل «فقر الدم المنجلي» والـ«ثلاسيميا بيتا». هذا التطور لا يوفر فقط خياراً علاجياً جديداً، بل يفتح آفاقاً غير مسبوقة لتحسين نوعية حياة المرضى.

ومن خلال تعديل الجينات المسببة للمرض بدقة، يمكن لهذا العلاج أن يقدم حلاً مستداماً، مما يخفف من الأعراض ويقلل الحاجة إلى العلاجات التقليدية المرهقة، مثل عمليات نقل الدم وزرع الخلايا الجذعية.

إن هذه الخطوات تمثل بداية حقبة جديدة يمكن أن تغير مستقبل علاج الأمراض الوراثية، مما يعزز الأمل في القضاء على هذه الأمراض المرهقة وتحقيق نقلة نوعية في جودة حياة الأجيال المقبلة.

تشخيص الحالات في السعودية

في كثير من البلدان، تعدّ فحوصات ما قبل الزواج، وفحوصات الأطفال حديثي الولادة، أدوات أساسية للكشف المبكر عن «فقر الدم المنجلي» والـ«ثلاسيميا بيتا».

وفي المملكة العربية السعودية، أنشأت وزارة الصحة برامج لفحوصات ما قبل الزواج، وأخرى لحديثي الولادة، وهي واسعة الانتشار في أكثر من 130 مركزاً للرعاية الصحية بجميع أنحاء البلاد، مما يسهم في توعية المواطنين، وتحسين نتائج العلاج، ويمكّن الجميع من الحصول على الاستشارات والفحوصات المخبرية. يعتمد التشخيص على الأعراض المميزة لكل مرض ومجموعة من الاختبارات؛ بما فيها اختبارات الدم والاختبارات الجينية.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

لماذا يجب أن تجعل الكينوا جزءاً من نظامك الغذائي اليومي؟

صحتك تحتوي الكينوا على نسبة عالية من الألياف مما يساعد على خفض الكوليسترول الضار إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للأكسدة تقلّل الالتهابات بالجسم (بيكسباي)

لماذا يجب أن تجعل الكينوا جزءاً من نظامك الغذائي اليومي؟

تُعدّ الكينوا من الحبوب الكاملة الغنية بالعناصر الغذائية، وقد أظهرت دراسات حديثة أن تناولها بانتظام يمكن أن يسهم في خفض ضغط الدم وتعزيز صحة القلب.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

مع إشراقة صباح اليوم الأول من شهر شوال، معلنةً بداية عيد الفطر المبارك، تشهد حياة ملايين المسلمين تحولاً سريعاً في أنماطها.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

ربطت دراسة حديثة، بين أعراض اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) وزيادة احتمالية ظهور أعراض لكثير من الاضطرابات النفسية مع مرور الوقت.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها

قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها

باعتباره واحداً من أكثر الأمراض انتشاراً في العالم، ولعلاقته اللصيقة بالقلب والشرايين، فإن ارتفاع ضغط الدم قد برز بالفعل كأحد الأسباب الرئيسية للوفيات

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك هل المنتجات التي تدعي إيقاف الشخير مُجدية؟

هل المنتجات التي تدعي إيقاف الشخير مُجدية؟

الشخير أكثر من مجرد عادة ليلية مزعجة؛ إنه مشكلة يمكن أن تؤثر على علاقاتك ونوعية نومك وصحتك. ولحسن الحظ، هناك بعض التغييرات في نمط الحياة

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)

الكينوا... الحبوب السحرية لصحة القلب وخفض ضغط الدم

تحتوي الكينوا على نسبة عالية من الألياف مما يساعد على خفض الكوليسترول الضار إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للأكسدة تقلّل الالتهابات بالجسم (بيكسباي)
تحتوي الكينوا على نسبة عالية من الألياف مما يساعد على خفض الكوليسترول الضار إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للأكسدة تقلّل الالتهابات بالجسم (بيكسباي)
TT

الكينوا... الحبوب السحرية لصحة القلب وخفض ضغط الدم

تحتوي الكينوا على نسبة عالية من الألياف مما يساعد على خفض الكوليسترول الضار إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للأكسدة تقلّل الالتهابات بالجسم (بيكسباي)
تحتوي الكينوا على نسبة عالية من الألياف مما يساعد على خفض الكوليسترول الضار إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للأكسدة تقلّل الالتهابات بالجسم (بيكسباي)

تُعدّ الكينوا من الحبوب الكاملة الغنية بالعناصر الغذائية، وقد أظهرت دراسات حديثة أن تناولها بانتظام يمكن أن يسهم في خفض ضغط الدم وتعزيز صحة القلب بشكل عام. ويرتبط ذلك بتركيبتها الفريدة التي تجمع بين الألياف، والمعادن، ومضادات الأكسدة، وفق موقع «فيري ويل هيلث».

تحتوي الكينوا على نسبة عالية من الألياف، ما يساعد على خفض الكوليسترول الضار، إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للأكسدة تقلّل الالتهابات في الجسم. كما تبيّن أن استهلاك منتجات تحتوي على الكينوا يومياً لفترة زمنية محددة قد يؤدي إلى انخفاض ملحوظ، وإن كان معتدلاً، في ضغط الدم.

وتكمن أهمية الكينوا أيضاً في غناها بعناصر مثل المغنسيوم والبوتاسيوم اللذين يساعدان على استرخاء الأوعية الدموية وتنظيم توازن السوائل بالجسم، ما ينعكس إيجاباً على ضغط الدم. كما تسهم الدهون غير المشبعة والبروتينات الموجودة فيها في دعم صحة القلب والتحكم في الوزن.

خفض الدهون

إلى جانب تأثيرها على ضغط الدم، تساعد الكينوا في تقليل مستويات الكوليسترول الكلي، وخفض نسبة الدهون بالجسم، وتحسين مستويات الإنسولين، فضلاً عن الحد من التوتر التأكسدي.

ويمكن إدخال الكينوا بسهولة في النظام الغذائي، إذ تُطهى خلال نحو 15 دقيقة، ويمكن إضافتها إلى السَّلطات، والحساء، وأطباق الإفطار، أو استخدامها بديلاً صحياً للأرز.

في المقابل، يبقى الحفاظ على ضغط دم صحي مرتبطاً أيضاً بنمط حياة متوازن يشمل نظاماً غذائياً صحياً، وممارسة الرياضة بانتظام، والحصول على نوم كافٍ، وتجنب التدخين.


دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»
TT

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

مع إشراقة صباح اليوم الأول من شهر شوال، معلنةً بداية عيد الفطر المبارك، تشهد حياة ملايين المسلمين تحولاً سريعاً في أنماطها، منتقلة من إيقاع الصيام المنتظم إلى نمط الاحتفال الاجتماعي والغذائي الذي يميز أيام العيد.

وبعد شهر كامل من الصيام الذي فرض إيقاعاً غذائياً محدداً يقوم على وجبتين رئيسيتين وتنظيم دقيق لمواعيد الطعام، تنتقل الموائد فجأة إلى تنوع واسع من الأطباق التقليدية ومختلف أنواع الحلويات في خضم أجواء الفرح واللقاءات العائلية والزيارات الاجتماعية التي تميز أيام العيد، ويجد الجسم نفسه أمام تحول مفاجئ في نمط التغذية بعد 30 يوماً من التكيف الفسيولوجي مع الصيام.

لقد شكّل شهر رمضان، من الناحية الصحية، تجربة فسيولوجية فريدة أعادت ضبط عدد من وظائف الجسم الحيوية. فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام لساعات محددة، بل يرافقه تغير في أنماط إفراز الهرمونات المنظمة للشهية، وتحسن نسبي في كفاءة عمليات الأيض، إضافة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين النوم وتوقيت تناول الغذاء. وتشير دراسات فسيولوجية عديدة إلى أن الصيام المتقطع، الذي يشبه إلى حد كبير نمط الصيام في رمضان، قد يسهم في تحسين حساسية الإنسولين وتنظيم التوازن الطاقي في الجسم.

ومع حلول صباح العيد، يبرز تساؤل صحي مهم: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكاسب الصحية التي تحققت خلال شهر الصيام، دون أن تتلاشى سريعاً تحت تأثير الإفراط الغذائي الذي قد يرافق الاحتفال بالعيد؟

إن العيد، رغم ما يحمله من معانٍ روحية واجتماعية عميقة، يمثل في الوقت ذاته لحظة انتقالية دقيقة في نمط الحياة، ومرحلة اختبار لقدرة الإنسان على تحقيق توازن واعٍ بين متعة الاحتفال ومتطلبات الصحة. وهو توازن يسمح بتمديد الفوائد الصحية التي وفرها شهر رمضان، لتتحول من تجربة مؤقتة إلى نمط سلوكي أكثر استدامة في الحياة اليومية.

متلازمة العيد المعوية

• «صدمة أيضية». خلال شهر رمضان، تتكيف المعدة والأمعاء مع فترات راحة طويلة، ما يؤدي إلى خفض إفراز الإنزيمات الهاضمة وتباطؤ حركة الأمعاء بشكل طبيعي. ومع صبيحة يوم العيد، نجد أنفسنا أمام «صدمة أيضية»، حيث يواجه الجهاز الهضمي طوفاناً من السكريات بسبب النمط الغذائي المكثف الذي يعتمد بشكل كبير على السكريات والدهون المشبعة مثل الحلويات الشرقية.

وتشير دراسة سابقة نُشرت عام 2020 في «مجلة التغذية والأيض» (Journal of Nutrition and Metabolism)، إلى أن العودة المفاجئة لتناول كميات كبيرة من الكربوهيدرات المكررة والدهون بعد فترة الصيام المتقطع، قد تسبب اضطراباً حاداً في مستويات السكر بالدم واستجابة الإنسولين، ما يؤدي إلى الشعور بالخمول والتخمة، وفي بعض الحالات متلازمة العيد المعوية.

إن الحرية في الأكل التي نشعر بها في العيد هي في الواقع ضغط كيميائي حيوي على الكبد والبنكرياس. لذلك، فإن النصيحة الطبية الأهم ليست الحرمان؛ بل العودة التدريجية المتوازنة إلى نمط الطعام المعتاد. ويجب أن تبدأ العودة إلى نظام الوجبات الثلاث بوجبات صغيرة موزعة، لإعطاء فرصة للجهاز الهضمي لاستعادة نشاطه الإنزيمي.

ويؤكد تقرير صادر عن المكتب الإقليمي لشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية (2022) حول التغذية في المناسبات، أن استهلاك الألياف في أول أيام العيد يعد صمام أمان لتنظيم امتصاص السكر، ومنع حالات الإمساك أو التلبك المعوي الناتجة عن التغيير المفاجئ في مواعيد الوجبات.

• صحة الأطفال في العيد. بالنسبة للأطفال، فإن العيد مرادف للحلويات والسكريات المفرطة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات معوية ونوبات من فرط الحركة يعقبها خمول مفاجئ. تشير توصيات الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال (2023)، إلى أن الاستهلاك المفرط للسكر المضاف في فترات قصيرة - كما يحدث في العيد - لا يؤثر فقط على صحة الأسنان والجهاز الهضمي؛ بل يمتد أثره ليشمل اضطرابات النوم والمزاج لدى الطفل.

إن دورنا بوصفنا إعلاماً صحياً هو توجيه الوالدين نحو الضيافة الذكية المعتمدة على موازنة الفرح مع فوضى السكريات؛ مثل تقديم الفواكه المجففة أو المكسرات بوصفها بدائل جزئية للحلويات المصنعة، مع الحفاظ على ترطيب الجسم بالماء بدلاً من العصائر المحلاة.

• كبار السن في العيد. يمثل العيد لكبار السن مناسبة اجتماعية غامرة، لكنها قد تحمل مخاطر صحية خفية. فالتغيير المفاجئ في مواعيد الأدوية ونوعية الطعام الغني بالأملاح والدهون، قد يؤديان لارتفاع حاد في ضغط الدم أو مستويات «اليوريك أسيد».

وحسب بحث منشور في «Journal of Geriatric Medicine» (2021)، فإن كبار السن أكثر عرضة للجفاف واضطراب الأملاح عند الانتقال من نظام الصيام إلى نمط العيد المزدحم. لذا، من الضروري مراقبة مستويات السكر والضغط لديهم بانتظام خلال أيام العيد، وضمان حصولهم على فترات راحة كافية بين الزيارات العائلية لتجنب الإجهاد الاحتفالي.

الذكاء الاصطناعي والتكيف مع التغيير

• الذكاء الاصطناعي في خدمة الصحة بالأعياد. في عصر التحول الرقمي، لم يعد التعامل مع الصحة العامة في الأعياد تقليدياً؛ فالذكاء الاصطناعي (AI) يمثل عيناً تكنولوجية قادرة على رصد أنماط العيد والتنبؤ بالمخاطر الصحية الجماعية.

ووفقاً لدراسة منشورة في «NPJ Digital Medicine» (2024)، يتم استخدام خوارزميات التعلم الآلي لتحليل البيانات الضخمة الناتجة عن محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي لرصد بوادر تفشي النزلات المعوية أو الأزمات القلبية المرتبطة بالإجهاد الغذائي خلال العطلات الكبرى.

علاوة على ذلك، توفر التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي الآن، مدربين صحيين افتراضيين يمكنهم مساعدة الأفراد في العيد على إعادة جدولة مواعيد أدويتهم ونومهم بناءً على تغير نمط حياتهم المفاجئ. ويعكس هذا التكامل بين التكنولوجيا والوعي الصحي، اتجاهاً متزايداً نحو تعزيز الوقاية الصحية خلال المواسم والعطلات.

• العودة إلى إيقاع النوم الطبيعي. لا يقتصر التغيير خلال شهر رمضان على الطعام فقط؛ بل يشمل أيضاً نمط النوم واليقظة. فكثير من المسلمين يغيرون جدول نومهم خلال رمضان، حيث يمتد السهر إلى ساعات متأخرة من الليل، ويستيقظون لتناول وجبة السحور قبل الفجر.

وقد يؤدي هذا التغير إلى اضطراب مؤقت في الساعة البيولوجية (Circadian Rhythm) للجسم، وهي النظام الداخلي الذي ينظم دورات النوم والاستيقاظ، فيؤثر بشكل مباشر في هرمونات الجوع (الغريلين) والشبع (اللبتين)، وهو ما يفسر سبب الشعور بجوع متكرر في أيام العيد الأولى.

وتشير أبحاث في مجال طب النوم نشرت في «Nature and Science of Sleep» (2021)، إلى أن العودة المفاجئة إلى جدول نوم مختلف قد تسبب شعوراً بالتعب أو صعوبة في التركيز خلال الأيام الأولى بعد رمضان، لذلك ينصح الخبراء بإعادة تنظيم النوم تدريجياً خلال أيام العيد.

ومن الوسائل المفيدة لتحقيق ذلك:

- النوم في ساعات الليل المبكرة قدر الإمكان.

- تقليل السهر الطويل بعد انتهاء رمضان.

- التعرض للضوء الطبيعي في ساعات الصباح.

- تجنب المنبهات مثل القهوة في وقت متأخر من الليل.

وقد أظهرت دراسات نشرت في مجلة «Sleep Medicine Reviews» أن انتظام النوم يلعب دوراً مهماً في تنظيم الهرمونات المرتبطة بالشهية والتمثيل الغذائي، كما ينعكس إيجابياً على الصحة النفسية والقدرة الذهنية.

تحقيق الانتقال الصحي الآمن من انضباط الصيام إلى حرية العيد

العيد فرحة اجتماعية وصحة نفسية

اجتماعياً، يمثل العيد ذروة «التفاعل الإنساني»، وهو أمر له انعكاسات صحية نفسية عميقة. فبعد شهر غلب عليه الطابع الروحاني والتأمل الفردي، يأتي العيد ليعيد دمج الفرد في نسيجه الاجتماعي.

وتؤكد دراسات في «Positive Psychology Program» (2023) أن صلة الرحم والتواصل المباشر في الأعياد يسهمان في إفراز هرمون «الأوكسيتوسين» المعروف بهرمون الحب والارتباط، والذي يعمل مضاداً طبيعياً للقلق والاكتئاب.

وإلى جانب الفوائد الجسدية، يحمل عيد الفطر أهمية كبيرة للصحة النفسية والاجتماعية أيضاً. فالزيارات العائلية والتواصل مع الأقارب والأصدقاء يعززان الشعور بالانتماء والدعم الاجتماعي، وهما عاملان مهمان للصحة النفسية. وتشير دراسات في علم الصحة العامة إلى أن العلاقات الاجتماعية القوية ترتبط بانخفاض معدلات التوتر وتحسن جودة الحياة بشكل عام.

ومن جانب آخر، لا بد أن ندرك أن لغة «المنع» في العيد لغة غير فعالة، والتوجيه الناجح هو الذي يمنحنا «أدوات التمكين»، فتعزيز مفهوم الأكل الواعي (Mindful Eating) خلال زيارات العيد يتيح للشخص الاستمتاع بالضيافة دون الإضرار بلياقته.

وحسب دراسة في «Harvard Health Publishing» (2019)، فإن التباطؤ في مضغ الطعام والاستمتاع بمذاقه يرسل إشارات شبع أسرع إلى الدماغ، مما يقلل الاستهلاك الحراري بنسبة تصل إلى 20 في المائة.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى عيد الفطر ليس فقط بوصفه مناسبة للاحتفال؛ بل أيضاً بوصفه فرصة لتعزيز التوازن بين الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية.

وأخيراً، ها هو عيد الفطر المبارك يطل علينا بوصفه جسر عبور من ضفة «الانضباط الصارم» التي ميزت شهر رمضان المبارك بجدول التغذية المحدد وساعات النوم المبرمجة، إلى ضفة «الحرية الغذائية والاجتماعية المطلقة» التي تميز طقس العيد.

وهذا الانتقال الفجائي، رغم ما يحمله من بهجة، فإنه يضع الجسد والعقل أمام «صدمة تكيفية» كبرى تتطلب قدراً من الوعي الصحي. لذلك ينبغي ألا ننظر إلى العيد باعتباره مجرد مناسبة دينية واجتماعية؛ بل أيضاً مرحلة انتقالية تتطلب إدارة ذكية متوازنة للتحولات البيولوجية والنفسية، حتى لا تضيع المكاسب الصحية التي تحققت خلال شهر الصيام.

إن العيدَ هو مكافأة للصائم، وحرية الإنسان في الطعام والشراب والنوم هي جزء من رمزية الفرح. غير أن المنظور الطبي والاجتماعي الشامل يذكرنا بأن الحرية المنضبطة هي الأرقى، وأن الانتقال السلس من رمضان إلى ما بعده يتطلب وعياً بأن الجسد أمانة، وأن الفرح الحقيقي لا يكتمل باعتلال الصحة.

• استشاري طب المجتمع


المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب
TT

المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

ربطت دراسة حديثة لباحثين من جامعة إدنبرة في أسكوتلندا، ونُشرت في النسخة الإلكترونية من مجلة اضطرابات الانتباه (the Journal of Attention Disorders) في مطلع شهر مارس (آذار) من العام الحالي، بين أعراض اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) وزيادة احتمالية ظهور أعراض لكثير من الاضطرابات النفسية مع مرور الوقت.

نقص الانتباه وفرط الحركة

أوضحت الدراسة التي تُعد الأولى من نوعها، أن المراهقين الذين يعانون من أعراض هذا الاضطراب أكثر عُرضة للمعاناة من المشكلات العاطفية والاجتماعية، لعدة أسباب، منها: تقلب المزاج، وعدم القدرة على التركيز فترات طويلة، والبقاء في مكان معين لمدة طويلة بسبب نشاطهم الزائد، ما يجعلهم يشعرون بالعزلة الاجتماعية، بالإضافة إلى أن الاضطراب نفسه يزيد من خطر تدني احترام الذات، ما يسبب مشكلات نفسية تؤثر بالسلب على الصحة النفسية للمراهق.

وتشير التقديرات إلى أن اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، يصيب نحو 5 في المائة من الأطفال والمراهقين في المملكة المتحدة. وعلى وجه التقريب يعاني ربع المصابين بهذا الاضطراب من القلق، بينما يعاني 40 في المائة منهم من نوبات اكتئاب قبل بلوغهم سن الثلاثين، لذلك يُعد فهم العوامل التي تؤدي إلى هذا الارتباط أمراً بالغ الأهمية، للحد من حدوث هذه المشكلات.

وتعتبر فترة المراهقة مرحلة حاسمة في تفاقم المشكلات النفسية، وبشكل خاص للمراهقين المصابين بنقص الانتباه وفرط النشاط؛ لأنها ترتبط بمجموعة من التحديات، مثل ازدياد التوقعات بالاستقلالية عن الآباء، والضغوط الأكاديمية والاجتماعية، والرغبة في عمل علاقات عاطفية، ومثل هذه التحديات تؤثر على نقاط الضعف الموجودة مسبقاً لديهم.

وحلل الباحثون بيانات استقصائية شملت أكثر من 5 آلاف مراهق، تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاماً، وكانت نسبة الإناث أكبر بشكل طفيف من الذكور. وجُمعت هذه البيانات من دراسة الألفية البريطانية التي تتابع المراهقين الذين وُلدوا في الفترة بين عامَي 2000 و2002، في جميع أنحاء المملكة المتحدة.

مؤشرات رئيسية

تم تقييم حدة الأعراض للمشاركين، من خلال الإجابة على مدى صحة 5 مؤشرات رئيسية، وهي: «التململ، وعدم القدرة على البقاء في وضع معين»، و«سهولة التشتت، وعدم القدرة على التركيز»، و«التفكير بروية قبل التصرف»، و«إنجاز المهام حتى النهاية»، و«عدم التنظيم وسوء إدارة الوقت».

بعد ذلك، قام الباحثون بتخصيص درجة لكل عَرَض بحيث تحصل الإجابة بـ«غير صحيح» على صفر، و«صحيح إلى حد ما» على درجة واحدة، و«صحيح تماماً» على درجتين. وجُمعت إجابات المؤشرات للحصول على درجة إجمالية لفرط النشاط/ قلة الانتباه؛ حيث تشير الدرجات الأعلى (متوسط الدرجات من 5 إلى 10) إلى فرط نشاط/ قلة انتباه أكبر بكثير من الأقران، وتشير الدرجات الأقل إلى أعراض أخف حدة.

وتم قياس حدة الأعراض الداخلية، لاستبيان نقاط القوة والصعوبات المختلفة، من خلال رصد شكاوى المراهقين؛ سواء العضوية مثل الشكوى المتكررة من الصداع وآلام المعدة والغثيان، أو النفسية، مثل كثرة المخاوف والشعور بالحزن والضيق والبكاء في كثير من الأحيان، والتوتر والتعلق الزائد في المواقف الجديدة.

عوامل محتملة

واختبر الباحثون كثيراً من العوامل المحتملة التي تربط بين اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والاضطرابات النفسية، بما في ذلك نقص المهارات الاجتماعية، وصعوبة التعامل مع الأقران، كالرفض أو التنمر أو النفور، ومشكلات الدراسة، واضطراب العلاقات مع الوالدين، والمشكلات السلوكية، وتدني تقدير الذات. وشملت العوامل الأخرى التي تم تقييمها معرفة إذا كان أحد الوالدين يعاني من مشكلات نفسية من عدمه.

وأظهرت النتائج أن العوامل الأكثر تأثيراً في زيادة فرص الإصابة بالأمراض النفسية في المراهقين الذكور، المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، كانت انخفاض تقدير الذات، وتراجع الصحة النفسية للوالدين.

وفي المقابل، كانت العوامل الأكثر تأثيراً في الفتيات هي: الافتقار للمهارات الاجتماعية، ووجود صعوبات في التعامل مع الأقران، وقد ثبتت هذه النتائج حتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل أخرى، مثل أي مشكلات سابقة في النمو العصبي أو الصحة النفسية.

ونصحت الدراسة بضرورة التركيز على حل المشكلات الداخلية للمراهقين من مرضى نقص الانتباه وفرط النشاط؛ لأن معظم الجهود التي يتم بذلها في العلاج تكون لمحاولة السيطرة على السلوكيات الخارجية لهؤلاء المراهقين، ولكن حل المشكلات النفسية قد يكون أكثر فاعلية؛ لأنه يُفسر الدافع وراء هذه السلوكيات.

وعلى سبيل المثال، فإن الميل إلى المخاطرة وارتكاب أفعال متهورة، في الأغلب يكون للحصول على التقدير من الآخرين (بسبب تدني تقدير الذات) ما يزيد من الرغبة في الشعور بالمكافأة. كما تكون مشكلات المدرسة والأقران -في الأغلب- نوعاً من ردود الأفعال للرفض المجتمعي والتنمر، أما العنف تجاه الجنس الآخر ففي الأغلب يعكس رغبة في تكوين علاقة عاطفية سليمة.

وأوضح الباحثون أن نتائج هذه الدراسة يمكن أن تسهم، في تصميم أنظمة دعم نفسي مُخصص للمراهقين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، من خلال تدخلات فعالة لتعزيز تقدير الذات.

وتبعاً لنتائج الدراسة، يجب توفير العلاج والدعم النفسي لأسرة المراهق المصاب بالكامل، لكسر الحلقة المفرغة من المشكلات النفسية لأسر المصابين بنقص الانتباه وفرط النشاط؛ لأن الأعراض في المراهقين ترتبط بتدهور الصحة النفسية للوالدين، والذي بدوره يؤثر بالسلب على الصحة النفسية للمراهقين، وهكذا. لذلك يجب عمل مسح لعائلات هؤلاء المراهقين لمعرفة وجود مشكلات نفسية لديهم، وعلاجها بالتزامن مع علاج المراهق.

* استشاري طب الأطفال.