ليصبح قوة وإبداعاً... كيف تتعامل مع اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في العمل؟

كيف نوجه اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في مكان العمل؟
كيف نوجه اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في مكان العمل؟
TT

ليصبح قوة وإبداعاً... كيف تتعامل مع اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في العمل؟

كيف نوجه اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في مكان العمل؟
كيف نوجه اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في مكان العمل؟

اصطحبت جيريمي ديدييه ابنها إلى طبيبة نفسية لإجراء تقييم محتمل لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، عندما رأت مقالاً عن نساء مصابات بهذه الحالة. وبينما كانت تقرأه في غرفة الانتظار، فكرت في نفسها: إنهم يصفونني.

وقالت جيريمي ديدييه: «كان لدي الكثير من المخاطرة، والعديد من السلوكيات الاندفاعية خلال نشأتي».

وحسب «أسوشييتد برس»، تفوقت جيريمي ديدييه في المدرسة، لكنها وقعت في مشاكل بسبب كثرة كلامها. تراكمت عليها مخالفات السرعة بكثرة عندما كبرت.

التفتت جيريمي ديدييه إلى زوجها وقالت: «أعتقد أنني مصابة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه».

جيريمي هي الآن رئيسة مجلس إدارة مؤسسة «الأطفال والبالغون المصابون باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط»، وهي منظمة غير ربحية للمناصرة والدعم. ويعكس إدراكها تجارب بالغين آخرين يتساءلون عما إذا كانوا مصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بعد تشخيص إصابتهم بالطفل.

واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط هو حالة عصبية نمائية تتميز بقلة الانتباه أو فرط النشاط أو مزيج من الاثنين. ويمكن أن تُشكّل الأعراض الشائعة، مثل صعوبة التركيز أو الجلوس ساكناً، تحديات في العمل.

وقال أندرو سيلفستر، الطبيب النفسي في مركز «يو سي هيلث» في لونجمونت، كولورادو، إن الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه غالباً ما يُهمَلون في الترقيات. فقد تؤدي صعوبات الانتباه إلى شرود الذهن أثناء الاجتماعات، مما يُفوّت على الشخص تفاصيل مهمة في النقاش. قد يتداخل هذا الاضطراب مع التنظيم والتخطيط وتذكر التفاصيل.

ومع ذلك، يعتقد بعض البالغين أن الإصابة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه مصدر قوة شخصية وأساليب تفكير تُفيد أصحاب العمل. قد تُصنّفه الأدلة التشخيصية اضطراباً، ولكنه قد يكون أيضاً قوة خارقة، كما يقولون.

وأوضحت جيريمي ديدييه أن «أدمغتنا تعمل بشكل مختلف، ولذلك من المرجح أن نكون قادرين على التفكير خارج الصندوق وابتكار أفكار مختلفة، وأحياناً يكون ذلك لأننا اضطررنا إلى القيام بذلك من أجل البقاء».

وفيما يلي بعض الطرق للتعامل مع اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وتوجيهه في مكان العمل.

تواصل مع الآخرين

لا يؤدي تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه دائماً إلى حل سريع. فبينما يوصي الأطباء غالباً بالأدوية والعلاج النفسي، لا يستطيع الجميع تناول الأدوية، وهذه الطرق لا تقضي بالضرورة على جميع الأعراض.

وعانت جيريمي ديدييه من الفوضى في منزلها والصراخ الشديد عندما شُخِّصت هي وأربعة من أطفالها الخمسة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

جرّبت الأدوية والأنظمة الغذائية ومخططات المكافآت، واكتشفت ما ساعدها أكثر: مجتمع من الآباء والأمهات الذين لديهم أطفال مصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

وقالت: «لا شيء يضاهي التحدث إلى أشخاص آخرين يمرون بما تمر به، لمساعدتك على الشعور... بأنك لست وحدك».

أصبحت جيريمي ديدييه في النهاية اختصاصية اجتماعية، وهي الآن تدير مجموعات دعم للبالغين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، حيث تُعلّمهم مهارات يمكنهم استخدامها في العمل.

وتنظم بعض المؤسسات مجموعات موارد للموظفين حول التنوع العصبي لتوفير روح الزمالة والدعم للبالغين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، والتوحد، وعسر القراءة، وغيرها من الحالات.

«جي بي إس» للدماغ

غالباً ما يعاني الأشخاص المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه من ضعف في الوظيفة التنفيذية، التي تصفها جيريمي ديدييه بأنها «جي بي إس لدماغك» لتوجيه يومك. الوظيفة التنفيذية هي مجموعة من المهارات العقلية التي تشمل وضع الخطط وإدارة الوقت والتفكير المرن. كما تشمل الذاكرة العاملة، التي تساعدنا على تتبع ما نقوم به.

ولتجنب التشتت، يوصي الخبراء بتقسيم المهام الكبيرة إلى أجزاء، وكتابة قوائم مهام مفصلة، وأخذ فترات راحة.

يكتب الطاهي الشخصي بيل كولينز، البالغ من العمر 66 عاماً، الذي شُخِّص باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه قبل عامين، قوائم منظمة عند إعداده وجبة طعام لأحد العملاء.

ويُصنِّف فئات لمناطق المطبخ - المنضدة، الموقد، والفرن - ثم يُدرج مهاماً مثل «تقطيع الجزر، وغلي الماء للمعكرونة» أسفل كل فئة. ثم يُرقِّم كل مهمة ليعرف بالضبط ما يجب فعله، وأين، ومتى.

وقال كولينز: «هكذا تغلبت على اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه الذي كنت أعاني منه في وقت مبكر، من خلال إعداد القوائم فقط». إذا كان هناك شيء لا أرغب في فعله، فأضعه في أعلى القائمة لأتمكن من إنجازه.

هناك أسلوب آخر يُسمى «التناوب الجسدي»، وهو عبارة عن اجتماع زميلين في العمل عبر «زووم» أو وجهاً لوجه للتركيز على إنجاز المشاريع. قد يختار الاثنان القيام بمهام منفصلة - قد يُنشئ أحدهما عرضاً تقديمياً بينما يُقدم الآخر تقارير ضريبية - لكنهما يُساعدان بعضهما البعض على تحمل المسؤولية.

قال جيريمي ديدييه: «أنت تجلس هناك فقط خلال هذا الوقت المخصص، وتُنجز المهام».

وصرحت فيرليندا دي مارينو، رئيسة قسم المزايا، بأن شركة التأمين «ليبرتي ميوتشوال» تُقدم أداة ذكاء اصطناعي تُساعد على تقسيم المشاريع الكبيرة إلى مهام سهلة الإدارة، وتُقدم تذكيرات بالمواعيد النهائية، لمساعدة الموظفين الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه على التركيز والتنظيم.

الصمود خلال الاجتماعات

قد تُصبح الاجتماعات صعبة على الأشخاص الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه إذا شرد تفكيرهم أو شعروا برغبة في النهوض من الكرسي. كما قد يُعانون من صعوبة في التحكم في انفعالاتهم ويجدون صعوبة في انتظار دورهم للتحدث.

تقترح نيكول كلارك، الرئيسة التنفيذية لمعهد طب البالغين والأطفال، وهو عيادة للصحة النفسية في ستيوارت، بفلوريدا، طلب مواضيع الاجتماع مُسبقاً وتدوين نقاط النقاش. إذا خطرت ببالك أسئلة أثناء الاجتماع، فاكتبها.

وأضافت نيكول كلارك أن بعض أصحاب العمل يستخدمون خدمة «تحويل الصوت إلى نص»، حيث يعرضون ما يقوله المتحدث على الشاشة، مما يُساعد الأشخاص الذين يعانون من صعوبات في الانتباه على التركيز.

كما نصح سيلفستر بممارسة الاستماع الفعّال من خلال ترديد ما قاله أحدهم للتو، أو أخذ استراحة قصيرة من الاجتماع لإعادة ضبط النفس.

وقال: «قل لهم: (أحتاج إلى خمس دقائق. سأعود حالاً). انهض وأخرج. افعل ما عليك فعله».

تجلس مارييل باراليتيسي موراليس، كبيرة الأطباء في معهد طب البالغين والأطفال، والمصابة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، بالقرب من الشخص الذي سيتحدث للمساعدة في الحفاظ على انتباهه.

وقالت موراليس إن «حمل شيء ما في يدي يُساعد. إذا اضطررنا للتحدث، وجدت أنه من الأسهل علي أن أكون أول من يُبادر ويكسر حاجز الصمت» لكي لا تُعيد التفكير فيما كانت تُخطط لقوله.

اطلب تسهيلات

يمكن للأشخاص المُشخصين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه طلب تسهيلات في العمل. قد تُساعد سماعات الرأس العازلة للضوضاء في ذلك. فكر في طلب إمكانية أخذ استراحة كل 20 دقيقة، كما قال سيلفستر.

وأضاف: «اضبط منبهاً لمدة 5 إلى 10 دقائق. انهض وقم برياضة المشي قليلاً. حضّر بعض القهوة. اذهب للعب مع كلبك. عندما يرن المنبه، عد إلى دورة إنتاجية مكثفة لمدة 15 إلى 20 دقيقة».

يمكن للموظفين أيضاً طلب جدول زمني مرن أو إمكانية العمل من المنزل، مما يتيح وقتاً للعلاج أو العناية الذاتية.

احتفل بنقاط قوتك

أكدت جيريمي ديدييه أن الإصابة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يمكن أن تكون ميزة في مكان العمل، والعديد من الرؤساء التنفيذيين ورواد الأعمال متنوعون عصبياً.

وأضافت: «نجلب جميع أنواع المواهب الفريدة إلى أماكن عملنا. التركيز المفرط، والكثير من الطاقة، والمرونة، والقدرة على أداء مهام متعددة». يبدو أن لدى المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه قدرة أكبر على الإبداع والابتكار.

أما أنطوانيت داميكو، 23 عامًا، التي تنسق الأحداث في شركة بحث تنفيذي في سان فرانسيسكو، قالت إنها تمارس التأمل، وتكتب أهدافًا يومية في مجلة، وتبتعد عن الوسائط القصيرة لتحسين تركيزها.

ورأت داميكو أيضاً أن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يُقدّم لها بعض المزايا. فعندما تُبدي اهتماماً بموضوع ما، يُمكنها التركيز الشديد، والقراءة المُطوّلة، والتحدث عنه بلا انقطاع، وهي سمة يُشير إليها آخرون ممن يُعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

وقالت: «يُولّد هذا شغفاً حقيقياً فريداً من نوعه. إنه يُولّد لدي دافعاً قوياً، فعندما أرغب بإنجاز شيء ما، أشعر بدفعة من الطاقة».


مقالات ذات صلة

يمدحك ليستغلك ويهددك ويسرق إنجازاتك... هل تعمل مع مدير «ميكيافيلي»؟

يوميات الشرق تتسم الشخصية الميكيافيلية بخدمة الذات والانتهازية والطموح (بكسلز)

يمدحك ليستغلك ويهددك ويسرق إنجازاتك... هل تعمل مع مدير «ميكيافيلي»؟

إذا كنت تعمل تحت ضغط دائم، أو تشعر بأن مديرك ينسب إنجازاتك لنفسه، فقد لا يكون الأمر مجرد أسلوب إداري سيئ، بل قد يرتبط بما يُعرف بـ«الشخصية الميكيافيلية».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك اكتئاب ما بعد الولادة يتجاوز الشعور المؤقت بالحزن (بيكسلز)

صحة الأم بعد الولادة: 4 اضطرابات يجب الانتباه لها

غالبًا ما تُقدَّم فترة ما بعد الولادة في صورة مثالية تركز على لحظات الترابط بين الأم وطفلها، إلا أن هذه المرحلة تحمل أيضاً جانباً آخر لا يقل أهمية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
العالم عامل في أحد مطارات ألمانيا (أ.ب)

840 ألف وفاة سنوياً حول العالم بسبب المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل

حذّرت منظمة العمل الدولية في تقرير حديث بأن المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل من الإجهاد والمضايقة وأيام العمل الطويلة، تتسبب بمقتل 840 ألف شخص سنوياً في…

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق النجاح اليومي لا يقتصر على عادات تقليدية مثل تناول فطور صحي بل يبدأ من الداخل عبر تهيئة العقل (بيكسلز)

4 خطوات فقط... روتين صباحي بسيط قد يغيّر يومك بالكامل

لا يحتاج بدء يوم ناجح إلى تغييرات جذرية أو وقت طويل، بل قد يكفي اعتماد روتين صباحي بسيط ومدروس لإحداث فرق واضح في الطاقة والتركيز والحالة الذهنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق كيف يبرر النرجسيون الفشل بينما يسعون فقط إلى النجاح؟ (بكسلز)

النرجسيون والفشل... لماذا يصعب عليهم هضمه؟

يواجه معظم الأشخاص الفشل بشجاعة أو على الأقل بقدر من التقبل، إذ يسعون لفهم أسبابه والتعلم منه للمضي قدماً. لكن هذا لا ينطبق على الأشخاص ذوي السمات النرجسية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
TT

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)

في عمق البحر الأبيض المتوسط قبالة الساحل الفرنسي، نجح روبوت موجَّه من بُعد مخصَّص للغوص في الماء، في انتشال قطع أثرية تعود إلى قرون، من بينها إبريق استقر بجوار حطام سفينة تجارية تعود إلى القرن السادس عشر.

وأوضح الضابط في البحرية الفرنسية، سبستيان، الذي لم يفصح عن هويته الكاملة لأسباب أمنية، أنّ التعامل مع الموقع يتطلب دقة فائقة؛ لتفادي إلحاق أي ضرر بالحطام أو إثارة الرواسب التي قد تعوق الرؤية.

ووفق «سي بي إس نيوز»، يُشرف سبستيان على المهمة الأولى ضمن بعثات استكشافية أثرية في أعمق حطام داخل المياه الإقليمية الفرنسية، التي تُجرى على بُعد نحو ساعتين من الريفييرا الفرنسية.

كان اكتشاف السفينة قد حدث مصادفةً خلال مسح عسكري روتيني لقاع البحر العام الماضي في منطقة قبالة ساحل راماتويل بالقرب من بلدة سان تروبيه.

ويرجّح علماء الآثار أنّ السفينة كانت في طريقها من شمال إيطاليا، محمّلةً بالآنية الخزفية وسبائك معدنية، قبل أن تلقى مصيرها في الأعماق.

بين الإنسان والعمق... وسيط من معدن (أ.ف.ب)

وقد عادت البحرية الفرنسية حالياً، بالتعاون مع قسم الآثار الغارقة تحت الماء بوزارة الثقافة، لمعاينة القطع الأثرية التي بقيت محفوظة على عمق يزيد على ميل ونصف تحت سطح البحر.

مدافع وأباريق خزفية تحت الأعماق

وتحافظ البحرية على سرّية موقع الحطام، الذي أطلقت عليه اسم «كامارا 4»، رغم أنّ الوصول إليه يتطلَّب إمكانات تقنية متقدّمة نظراً إلى عمقه الكبير.

ومع بزوغ الفجر، وصلت القاطرة البحرية التابعة للمهمّة إلى الموقع، حاملةً روبوتاً مخصّصاً للعمل تحت الماء، ومعه حاويتان كبيرتان تُستخدمان مكاتبَ ميدانية بديلة لعلماء الآثار البحرية.

ويُنزل طاقم العمل الروبوت المزوّد بالكاميرات وأذرع تشبه الكماشة إلى الأعماق، حيث يوجّه أحد المسؤولين في البحرية الروبوت نحو الأسفل عبر كابل طويل، في حين يراقب الخبراء حركته عبر الشاشات.

وبعد نحو ساعة، يبدأ الروبوت، المُصمَّم للغوص حتى عمق يصل إلى 4 آلاف متر، في الانزلاق فوق أكوام من الأباريق دائرية الشكل في قاع البحر.

وتكشف اللقطات التي ترصدها الكاميرات للفريق على السطح، عن تفاصيل الحطام، حيث تظهر مدافع إلى جانب مئات الأباريق والأطباق المزخرفة بنقوش نباتية وصلبان وأشكال أسماك.

ويلتقط الروبوت 8 صور في الثانية على مدى 3 ساعات، ممّا أتاح جمع أكثر من 86 ألف صورة تُستخدم لاحقاً لإنتاج نموذج ثلاثي البُعد دقيق للموقع.

وأعربت عالمة الآثار فرانكا تشيبيكيني عن دهشتها من وضوح الرؤية في هذا العمق، قائلةً: «بدت ممتازة، ولا يمكن تخيّل ذلك على هذا العمق». وأضافت أن السفينة كانت تجارية على الأرجح، وكانت تحمل آنية خزفية مصقولة من منطقة ليغوريا في شمال غربي إيطاليا، وربما حُمِّلت في موانئ جنوة أو سافونا.

كان خبراء قد حدّدوا سابقاً وجود مرجلين ومرساة و6 مدافع في موقع الحطام، إلى جانب نفايات حديثة، مثل علبة مشروبات وعلبة زبادي فارغة، ظهرت في بعض الصور قرب المرساة.

عينٌ آلية ترى ما عجزت عنه العيون (أ.ف.ب)

استعادة إحدى أعمق القطع

وترى رئيسة فريق التنقيب، مارين سادانيا، أنّ هذه النتائج تُمثّل مصدراً مهماً لفهم طرق التجارة البحرية في القرن السادس عشر، في ظلّ محدودية المصادر التاريخية التفصيلية المتاحة.

وخلال عملية الانتشال، راقب الفريق بحذر الروبوت وهو يخفض ذراعه لالتقاط صندوق برفق، لتفادي كسره، رغم أنّ أحد الأواني الخزفية تحطم خلال العملية.

وقد نجح الفريق في استخراج عدد من الأباريق والأطباق، إذ فُحِصت في مختبرات بمدينة مرسيليا، وأظهرت التحاليل الأولية زخارف بخطوط زرقاء داكنة وأشكال هندسية ملوّنة.

وأكدت سادانيا أن هذه القطع تُعد من أعمق القطع الأثرية التي استُخرجت من حطام سفينة في فرنسا.

يأتي هذا الاكتشاف بعد العثور عام 2019 على حطام الغواصة «لا مينيرف» قبالة مدينة تولون، على عمق 1.4 ميل، والتي غرقت عام 1968 وعلى متنها 52 بحاراً.

وفي تطور موازٍ، أعلن مسؤولون اكتشاف حطام سفينة أخرى تعود إلى القرن الـ16، عُثر عليها خلال تدريبات عسكرية قبالة ساحل السويد.


هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
TT

هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)

من منظور علمي، يُعدّ فنجان القهوة لغزاً معقّداً، إذ يسهم أكثر من ألف جزيء في تشكيل نكهته، وتتأثر هذه النكهة بعوامل، منها نوع الحبوب، ودرجة تحميصها، وطريقة طحنها، وأخيراً أسلوب تحضيرها. وغالباً ما تكون النتيجة فنجاناً غير متّسق، يصعب التنبّؤ بمذاقه أو جودته، فقد يكون حامضاً أكثر من اللازم، أو ذا طعم محترق، أو ضعيف القوام.

ورغم أن الكيميائيين قادرون على استخدام أدوات متقدّمة لتحليل هذه المكوّنات وفهم كيفية تفاعلها لتشكيل المزيج المعقّد الذي يصنع نكهة القهوة، فإن هذه المقاربة لا تُعد عملية وسريعة لفحص الجودة في بيئة عمل مزدحمة مثل المقاهي.

وإنما دراسة حديثة نقلتها «واشنطن بوست» قد تُسهم في فكّ هذا اللغز؛ إذ استعان علماء بتقنية مستخدمة في بحوث البطاريات، وأظهروا أن قياس التيار الكهربائي المارّ عبر القهوة يمكن أن يوفّر طريقة سريعة لتحديد قوة المشروب ونكهته.

وفي هذا الإطار، استخدم علماء من جامعة أوريغون جهازاً يُعرف باسم «بوتنشيواستات»، يولّد جهداً كهربائياً متغيّراً، إذ وضعوا أقطابه في أكواب من القهوة، وقاسوا التيار المارّ عبر عيّنات أُعدّت من الحبوب نفسها، لكنها حُمِّصت بدرجات مختلفة، وباستخدام طريقة تحضير موحَّدة.

وأظهرت النتائج أنه كلما زادت الشحنة الكهربائية التي تمرّ عبر القهوة، زادت قوة المشروب، إذ كانت القهوة الأقوى أكثر قدرة على توصيل الكهرباء. في المقابل، كانت القهوة داكنة التحميص أقل توصيلاً عند مستوى القوة نفسه، ويُعزى ذلك جزئياً إلى تراكم جزيئات مثل الكافيين على الأقطاب.

ويُمثّل هذا الاكتشاف أحدث إضافة إلى مجال علوم القهوة، حيث يعمل خبراء في أنحاء مختلفة على دراسة أفضل الطرق للانتقال من الحبوب إلى مشروب مثالي.

تقليدياً، تعتمد صناعة القهوة على قياس «معامل الانكسار» لتحديد القوة، من خلال ما يُعرف بـ«إجمالي المواد الصلبة الذائبة»، أي كمية القهوة المذابة في المشروب. وإنما النكهة تُمثّل مزيجاً من خصائص عدّة، تشمل القوة ودرجة التحميص، ولا يمكن لهذا القياس وحده أن يعكسها بالكامل.

في هذا السكون الداكن... عالم كامل (أ.ف.ب)

وقال الكيميائي في جامعة أوريغون وقائد فريق البحث، كريستوفر هيندون، إنه يأمل أن يوفّر هذا القياس الكهروكيميائي وسيلة لمراقبة الجودة والاتساق، وهو أمر أقل أهمية عند تحضير القهوة في المنزل، لكنه يُمثّل تحدّياً كبيراً عند الإنتاج على نطاق واسع.

وأضاف: «إنها تجربة شديدة البساطة، لكن تحليلها معقّد. وما يثير حماستي هو صعوبة تصوّر أنّ خاصية كهربائية واحدة يمكن أن تختزل النكهة الكلية لمشروب يحتوي على آلاف المركّبات المختلفة».

ومع ذلك، فإنّ فهم كيفية تفاعل هذه المكوّنات لتشكيل نكهات مثل الفراولة في رشفة، أو لمسات الكراميل في أخرى، ليس بالأمر السهل. وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم النهائي على جودة الطعم بيد اللسان البشري.

وأشار هيندون إلى أنهم تحقّقوا من دقة هذه النتائج من خلال تحليل 4 دفعات من القهوة من محمصة تُدعى «Colonna» في مدينة باث بالمملكة المتحدة، حيث تمكّنت الطريقة الكهروكيميائية من تمييز الدفعة التي استُبعِدت بعدما قيَّمها متذوّق بشري على أنها دون المستوى المطلوب. وأوضح القائمون على المحمصة لاحقاً أن تلك الدفعة رُفضت لأنها لم تُحمّص بشكل كافٍ وكانت شديدة الحموضة.

من جانبها، قالت هيذر سميث، وهي كيميائية متخصّصة في النكهات وعالمة في علوم الإدراك الحسي بجامعة كوينزلاند في أستراليا، ولم تشارك في الدراسة، إنها اطّلعت على عدد من «الأنوف الإلكترونية» التي تحاول تمييز البصمة العطرية ونكهة القهوة.

وأضافت في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «أرى أن هذه التقنية تضيف بُعداً جديداً محتملاً، لكنها ليست حلاً متكاملاً بمفردها».

وأوضحت أن العنصر المفقود يتمثل في البيانات الحسية البشرية، لفهم مدى فائدة هذا القياس الكهروكيميائي. وقالت: «هي طريقة أسرع لقياس بصمة التركيب الكيميائي للقهوة، وستضيف مزيداً من المعلومات إلى مجموعة أدوات التحليل المستخدمة لتقييم جودة النكهة. لكن لا يمكن لأي من هذه الطرق وحدها أن تصف أو تقيس نكهة القهوة بشكل كامل؛ فالتقييم الحسّي البشري وحده قادر على ذلك».


ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
TT

ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)

تعود ماسة «كوه نور» إلى واجهة الجدل الدولي بين الحين والآخر، بوصفها واحدة من أشهر الأحجار الكريمة في العالم وأكثرها إثارةً للنزاعات التاريخية والسياسية. فهذه الماسة، التي تتوسط جواهر التاج البريطاني، ليست مجرد قطعة فاخرة، بل رمزٌ معقَّد لتاريخ طويل من الاستعمار والمطالبات بالاسترداد. وقد تجدَّد النقاش حولها مؤخراً بعد دعوات جديدة لإعادتها إلى الهند، حيث استُخرجت في الأصل.

دعوة جديدة تعيد القضية إلى الواجهة

صرّح عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، يوم الأربعاء، بأنه يشجِّع الملك البريطاني تشارلز على إعادة ماسة «كوه نور» - التي تزن 105.6 قيراط - إلى الهند، وذلك وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وجاء هذا التصريح خلال زيارة الدولة التي قام بها الملك تشارلز والملكة كاميلا إلى الولايات المتحدة، حيث أمضيا يومهما الثالث في نيويورك. وقال ممداني للصحافيين قبل لقائه بالملك: «لو تحدثتُ إلى الملك على انفراد، لربما شجَّعته على إعادة ماسة كوه نور».

وكان ممداني، وهو أميركي من أصل هندي، يتحدث قبيل مشاركته في مراسم إحياء ذكرى ضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ورغم لقائه لاحقاً بالملك تشارلز في المناسبة نفسها، لم يتضح ما إذا كانت هذه القضية قد طُرحت خلال حديثهما. من جهته، امتنع قصر باكنغهام عن التعليق، كما لم يؤكد مكتب العمدة حدوث أي نقاش بهذا الشأن.

وقد أعادت هذه التصريحات إحياء الجدل القديم حول الماسة، التي تطالب الهند منذ سنوات طويلة بإعادتها من بريطانيا.

موقع «كوه نور» في جواهر التاج البريطاني

تحتل ماسة «كوه نور» مكانة بارزة ضمن جواهر التاج البريطاني منذ عام 1911، عندما رُصّعت في صليب يتصدر تاج الملكة ماري. وفي عام 1937، استُبدلت بها نسخة طبق الأصل، بعد نقل الماسة الأصلية إلى تاج الملكة الأم بمناسبة تتويجها إلى جانب الملك جورج السادس.

وفي سياق متصل، اختارت الملكة كاميلا تجنُّب الجدل المرتبط بالماسة، إذ ارتدت تاج الملكة ماري بعد تعديله وإزالة النسخة المقلدة منه، لتصبح بذلك أول قرينة ملك منذ القرن الثامن عشر تعيد استخدام تاج في مراسم التتويج.

أما تاج الملكة الأم، فقد صُنع عام 1937 للملكة إليزابيث، قرينة الملك جورج السادس، لارتدائه خلال حفل التتويج في 12 مايو (أيار) من العام نفسه. ويتميَّز التاج بغطاء مخملي أرجواني وحواف من الفرو، وهو مرصّع بنحو 2800 ماسة مثبتة في إطار بلاتيني، تتوزع في أنماط من الصلبان والمستطيلات.

كما يضم التاج ماسات كبيرة أخرى، من بينها ماسة أهداها سلطان تركيا إلى الملكة فيكتوريا عام 1856. ومع ذلك، تبقى ماسة «كوه نور» الأكثر إثارةً للجدل، إذ تتوسط الصليب الأمامي للتاج على قاعدة بلاتينية قابلة للفصل.

أصل الماسة ورحلتها عبر الإمبراطوريات

استُخرجت ماسة «كوه نور» من الهند، وتُعد من أكبر الماسات المصقولة في العالم، إذ يبلغ وزنها 105.6 قيراط (21.12 غرام). ويعود أول ذكر مكتوب لها إلى عام 1628، خلال عهد الإمبراطورية المغولية، حين كانت مرصّعة في عرش الطاووس الخاص بالإمبراطور شاه جهان، إلى جانب ياقوتة تيمور.

لاحقاً، استولى الحاكم الفارسي نادر شاه على الماسة عندما غزا دلهي عام 1739 ونهب المدينة، حاملاً معه كنوزاً هائلة، من بينها عرش الطاووس.

ومنذ ذلك الحين، تنقلت «كوه نور» بين حكام آسيا الوسطى، إلى أن استقرّت في يد الحاكم السيخي رانجيت سينغ عام 1813، بحسب ما أورده كتاب «كوه نور: تاريخ أشهر ماسة في العالم» للمؤرخين أنيتا أناند وويليام دالريمبل. وقد أعاد سينغ الماسة إلى الهند قبل وفاته عام 1839.

كيف وصلت إلى بريطانيا؟

في تلك الفترة، كانت شركة الهند الشرقية البريطانية قد وسَّعت نفوذها في شبه القارة الهندية، وكانت تنظر إلى «كوه نور» بوصفها رمزاً للقوة والهيمنة الاستعمارية. غير أن البريطانيين لم يحصلوا على الماسة إلا عام 1849.

خلال هذه المرحلة، سُجِنَت راني جيندان، الزوجة الصغرى لرانجيت سينغ ووالدة آخر مهراجا، وهو ابنها دوليب سينغ الذي كان يبلغ من العمر عشر سنوات. وبعد سنوات من الاضطرابات، وجدت الأم وابنها نفسيهما الوحيدين الباقيَيْن في ترتيب ولاية عرش البنجاب.

ووفقاً لأناند ودالريمبل، أُجبر دوليب سينغ على توقيع وثيقة قانونية عدّلت معاهدة لاهور، تنازل بموجبها عن ملكية الماسة للبريطانيين، إضافة إلى التخلي عن جميع مطالباته بالسيادة. وبذلك، انتقلت «كوه نور» إلى الملكة فيكتوريا.

إعادة صقل الماسة وتغيُّر شكلها

عُرضت الماسة في «المعرض الكبير» في لندن عام 1851، لكنها لم تُثر إعجاب الجمهور بسبب بساطة مظهرها. وعلى إثر ذلك، أمر الأمير ألبرت، زوج الملكة فيكتوريا، بإعادة صقلها وتلميعها.

وقد أدى ذلك إلى تقليص حجمها إلى نحو النصف، لكنه زاد من بريقها ولمعانها، لتأخذ الشكل الذي تُعرف به اليوم.

تُقدَّر قيمة ماسة «كوه نور» بما يتراوح بين 140 و400 مليون دولار أميركي، غير أن قيمتها الحقيقية تبقى غير محددة، إذ يُنظر إليها على أنها قطعة لا تُقدَّر بثمن، نظراً لما تحمله من رمزية تاريخية وسياسية.

ومنذ استقلال الهند عام 1947، دأبت الحكومات الهندية المتعاقبة على المطالبة باستعادة الماسة. وكان آخر هذه المطالب في عام 2016، حين أعلنت نيودلهي أنها ستبذل قصارى جهدها لاسترجاعها.