الرضاعة العلاجية تعزز صحة الأطفال المصابين بفقر الدم المنجلي

وسيلة بديلة عن تدخلات الطب الوراثي

الرضاعة العلاجية تعزز صحة الأطفال المصابين بفقر الدم المنجلي
TT

الرضاعة العلاجية تعزز صحة الأطفال المصابين بفقر الدم المنجلي

الرضاعة العلاجية تعزز صحة الأطفال المصابين بفقر الدم المنجلي

من الثابت علمياً وطبياً أن الرضاعة الطبيعية ذات أهمية بالغة وفائدة كبيرة لصحة الطفل والأم المرضعة على حد سواء، بدنياً ونفسياً ووقائياً.
ولم تُظهر الأبحاث هذه الحقيقة إلا من عهد قريب، فمنذ نهاية الأربعينات من القرن العشرين وحتى منتصف السبعينات منه كان يُعتقد أن حليب الأبقار أفضل من حليب الأم، وكانت تتم تغذية الغالبية العظمى من الأطفال حديثي الولادة في البلاد الغربية والولايات المتحدة الأميركية عن طريق الحليب البديل، وكان النظام المتبع في مستشفيات الولادة هناك أن يصف الطبيب للأم ما يناسب طفلها الرضيع من أنواع الألبان البديلة عند مغادرتها المستشفى.
ولم يكن الأطباء يوصون بالرضاعة الطبيعية إلا عندما تكون الأم من أسرة فقيرة ولا تملك ثلاجة لحفظ الحليب لطفلها وحتى في الحالات التي كانوا يصفون فيها الرضاعة الطبيعية فإن مدة هذه الرضاعة لم تكن تتعدى الشهرين أو ثلاثة أشهر، أما أولئك الأطفال الذين تمتد فترة رضاعتهم الطبيعية إلى خمسة أو ستة أشهر فلم تكن نسبتهم تزيد على 5 في المائة فقط من مجموع عدد السكان، وهذه النسبة لا تمثل العدد الحقيقي لهؤلاء الأطفال حيث تقل كثيراً بين المتعلمين. وإلى جانب الاعتقاد السائد بأفضلية الحليب البديل في ذلك الوقت، كان هناك عامل آخر يغري الأمهات بالإقبال عليه والإعراض عن الرضاعة الطبيعية، وهو خروج النساء للعمل في الدول الصناعية والتخلص من أعباء الرضاعة الطبيعية.

رضاعة طبيعية وبديلة
تحدث إلى ملحق «صحتك» الأستاذ الدكتور محمد جميل الحبال، طبيب استشاري أمراض باطنية وباحث في الموصل – العراق والأستاذ سابقاً في كلية الريان الطبية بالمدينة المنورة وأحد المتحدثين في المؤتمر العالمي الخامس للجودة العلاجية المبنية على البراهين في الطب النبوي والذي عُقد في أوائل هذا الشهر بمدينة أبوظبي بالإمارات العربية المتحدة – موضحاً، أنه في الوقت الذي بدأت الدول الغربية، الأوروبية والأميركية، تتخلى عن اعتقادها الخاطئ حول الرضاعة الطبيعية وبدأت تشجع الأمهات بأن يرضعن أطفالهن ويتخلين عن الرضاعة الصناعية، وصلت عدوى ذلك الاعتقاد إلى البلدان النامية من دول العالم الثالث فانحدرت نسبة الرضاعة الطبيعية لديهم إلى النصف تقريباً لدى طبقة الفقراء وإلى الربع تقريباً لدى المتعلمين من أفراد الطبقات العليا في المجتمع وساعد في ذلك التدني خروج المرأة للعمل والدعاية الكاذبة لشركات تسويق الحليب الصناعي.
وكان من نتائج ذلك انتشار الأمراض والوفيات، حيث قدّرت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف) بأن نحو عشرة ملايين طفل يموتون سنوياً بسبب أمراض التهاب المعدة والأمعاء وسوء التغذية جراء استعمال الحليب الصناعي، ومنعت هذه المنظمات الصحية الدولية الدعايات وأطلقت على منتجي هذه الألبان ومصدّريها من الشركات المصنعة لحليب الأطفال عبارة «قتلة أطفال العالم الثالث».
إن الطفل حتى الشهر السادس من عمره لا يحتاج إلى إضافة أي غذاء إلى حليب أمه، وإذا ما عرفنا أن الرضاعة الطبيعية تقلل كثيراً من نسبة الإصابة بالأمراض أو الوفيات مقارنة بالرضاعة الصناعية، عرفنا أهميتها الصحية والاقتصادية والسكانية. وفقاً لدراسة د. ضحى جاسم الصوفي من جامعة الموصل>كلية العلوم.
وعلينا أن ننظر إلى الرضاعة الصناعية كحالة استثنائية تلجأ إليها الأم في ظروف محددة وباستشارة المختصين، مثلها كالمريض يلجأ إلى تناول الدواء في حالة مرضه.


د. محمد جميل الحبال

 الرضاعة العلاجية هي استعمال الرضاعة من غير الأم لعلاج بعض الأمراض الوراثية، وأهمها مرض فقر الدم المنجلي أنموذجاً، وقد ثبت علمياً أن الحليب البشري يحتوي على عناصر وراثية مهمة، وهي: الخلايا الجذعية، التي يمكنها أن تكون أنسجة جديدة صحية من المصدر والأجسام الميكروية، المسؤولة عن التعبير الجيني للجينوم البشري
 

رضاعة علاجية
يقول الأستاذ الدكتور محمد الحبال، إن الرضاعة العلاجية هي استعمال الرضاعة من غير الأم لعلاج بعض الأمراض الوراثية، وأهمها مرض فقر الدم المنجلي (أنموذجاً)، وقد توصل العلماء للرضاعة العلاجية من خلال الدليل الشرعي بالآية الشريفة «وَإِن تَعَاسَرتُم فَسَتُرضِعُ لَهُ أُخرَىٰ» الطلاق، الآية-6. والتعاسر لفظٌ عام يشمل كل أمر عسير، وحصول مرض وراثي في الأسرة يصيبهم بالعسرة.
ويضيف الحبال، أنه قد ثبت علمياً أن الحليب البشري يحتوي على عناصر وراثية مهمة، وهي:
>الخلايا الجذعية (Stem cells)، التي يمكنها أن تكون أنسجة جديدة صحية من المصدر.
>الأجسام الميكروية (Micro RNA)، المسؤولة عن التعبير الجيني للجينوم البشري.
وقد ثبت إمكانية امتصاصهما، كليهما، مع الخلايا المناعية الأُخرى، في الجهاز الهضمي للطفل الرضيع وإمكانية اختراقها له لعدم نضوجه؛ فالخلايا الجذعية تكون خلايا صحيّة تُصلح المرضية أو تقلل منها وبالإمكان الاستعاضة بها عن عملية زرع نخاع العظم (Bone Marrow Transplantation).
إن الأجسام الميكروية قد تغير التعبير الجيني وتصلح الجين المعطوب وتعوض عن العلاج الجيني (Gene Therapy). وكلتا الطريقتين أعلاه معقدة جداً وباهظة التكاليف وكثيرة الآثار الجانبية ولا تُجرى إلا في مراكز عالمية متخصصة. بينما الرضاعة العلاجية سهلة التطبيق واقتصادية، وتتم عن طريق الفم وسليمة من الآثار الجانبية.
وأشار الأستاذ الدكتور محمد الحبال إلى بحث أجراه حديثاً وقدم نتائجه في عدد من المؤتمرات الطبية، وفيه حالة طفلة مصابة بمرض فقر الدم المنجلي (Sickle Cell Anemia)، رضعت من غير أمها وتحسنت حالتها سريرياً ومختبرياً، كما أوضح في البحث مقارنتها بإخوتها المصابين بالمرض نفسه.

تطور جسم المولود
يقول الأستاذ الدكتور محمد الحبال، إن من الأمور الثابتة طبياً أن الأجهزة الحيوية في جسم الإنسان أو بعضها على أقل تقدير تكون غير متطورة أو غير ناضجة في الطفل عند ولادته ويتكامل نضجها تدريجياً خلال أشهر وسنوات. ونذكر على سبيل المثال أربعة أمثلة معروفة، وهي:
> الجهاز العصبي المركزي (Central nervous system) ونضجه البطيء، خصوصاً الفاعليات العقلية، فبعض الفاعليات العصبية تنضج خلال أشهر وأخرى خلال سنوات.
> الجهاز المناعي للجسم (Immune system)، تختلف فعاليته عند المواليد كثيراً عن فاعليته عند الكبار. ويتضح هذا الاختلاف (أو عدم النضج) من دراسة الخلايا اللمفاوية وكذلك الجسيمات المضادة التي يمكن للرضيع تكوينها. هذه الحقيقة هي أحد الأسباب التي تقضي بتأخير تلقيح الطفل ضد الأمراض المعدية إلى أشهر بعد ولادته؛ وذلك لأن الجهاز المناعي قبل نضجه يمكن اختراقه وتغيير بعض عمله. وقد ثبت في علم المناعة خصوصاً في التجارب على الحيوانات، أن تعرض الجهاز المناعي إلى مواد غريبة قبل نضجه يمكن أن يؤدي إلى تحمل تلك المواد وقبولها بدلاً من رفضها.
> الجهاز الهضمي والنمو التدريجي في قدراته الهضمية وقدرة الطفل على الاعتماد على الغذاء الطبيعي للكبار.
> الجهاز التناسلي وتأخر نضجه إلى سن البلوغ.

الاختراق الوراثي
إن قضية اختراق الجهاز الوراثي ليس بالأمر البعيد، خصوصاً بعد التجارب العلمية الحديثة في علم الجينات وهندستها. وقد يحتمل على هذا الافتراض أنه يوجد في حليب المرضع بعض المواد الغريبة التي يمكن أن تخترق الجهاز الوراثي للرضيع وتؤثر فيه (إذا كان من غير الأم)، خصوصاً أن حليب الأم فيه أنواع من البروتينات الفعالة، ومنها على سبيل المثال الجسيمات المضادة، كما أن عدم نضج الجهاز الهضمي عند الرضيع يساعد على عبور كثير من هذه المواد إلى الدم وغيره من أجهزة الجسم ومنها الجهاز الوراثي.
ومن التطبيقات لنظرية الاختراق الوراثي:
• في حالة زرع الأعضاء: كالكُلية مثلاً يُفضل أن يكون المتبرع من القرابة الصُلبيين، خاصة من كان من الدرجة الأولى كالأخ والأخت مثلاً، وفي حالة تعذر ذلك يفضل الأخوة من الرضاعة إن وُجدوا قبل اللجوء إلى شخص غريب، والسبب في ذلك أن الجينات (العوامل الوراثية) في أخوة الرضاعة والعوامل المناعية قد تتشابه مع جينات أخوة النسب ومع العوامل المناعية أيضاً؛ إذ كلما كان التشابه (التطابق) النسيجي والمناعي بينهما أكثر كانت نسبة نجاح العملية أكبر وتقبل جسم المريض للكلية المزروعة أفضل.
• في حالة علاج الأمراض الوراثية، التي اكتشف الطب أن أنواعها تزيد على ثلاثة آلاف مرض وراثي تنتقل من الوالدين أو أحدهما إلى الذرية. وقد توصل الطب والعلم الحديثان من خلال استعمال التقنيات الحديثة من تشخيصها في خلال الحياة الجنينية (في بطن الأم). وفي تشخيص حالة كهذه يمكن من خلال الرضاعة من ثدي مرضعة أخرى من غير أقاربه (أجنبية) تملك بنية سليمة وصحة جيدة (خالية من الأمراض الوراثية)، نلحقه بها بدلاً من أمه التي تحمل الصفات الوراثية المرضية، حيث نفترض أن الحليب من المرضعة الصحيحة سيزيح أو ينحي أو يتغلب على الصفة الوراثية المرضية التي اكتسبها من والديه، وذلك من خلال اختراقه للجهاز المناعي والوراثي للرضيع.
• في حالة اختيار المرضعات السليمات لزيادة الصفات الحميدة في المولود: إذا كان حليب الأم غير متوافر لأي سبب فليختر له مرضعة تملك الصحة النفسية والبدنية الجيدة حتى ينشأ صحيحاً لانتقال الصفات السليمة الصحيحة وتغلبها أو إزاحتها للصفات الوراثية السقيمة في حالة وجودها عند تشخيص مرض وراثي موجود.
هذه التطبيقات الطبية إشارة دقيقة تدفع العلماء والباحثين للبحث والتقصي والتوصل إلى الطرق العملية الفطرية السليمة للعلاج بدلا من الطرق المعقدة الباهظة الثمن غير مأمونة النتائج كالعلاج بنقل الجينات ((Gene Therapy أو العلاج بزرع نخاع العظم (Bone Marrow Transplantation). وبالطبع، فذلك يحتاج إلى تحقيق وتطبيق وأبحاث مستفيضة وفي حالة نجاحها فإنها ستحقق فتحا طبيا كبيرا وفائدة عظيمة للبشرية.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

صحتك دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

مع إشراقة صباح اليوم الأول من شهر شوال، معلنةً بداية عيد الفطر المبارك، تشهد حياة ملايين المسلمين تحولاً سريعاً في أنماطها.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

ربطت دراسة حديثة، بين أعراض اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) وزيادة احتمالية ظهور أعراض لكثير من الاضطرابات النفسية مع مرور الوقت.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها

قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها

باعتباره واحداً من أكثر الأمراض انتشاراً في العالم، ولعلاقته اللصيقة بالقلب والشرايين، فإن ارتفاع ضغط الدم قد برز بالفعل كأحد الأسباب الرئيسية للوفيات

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك هل المنتجات التي تدعي إيقاف الشخير مُجدية؟

هل المنتجات التي تدعي إيقاف الشخير مُجدية؟

الشخير أكثر من مجرد عادة ليلية مزعجة؛ إنه مشكلة يمكن أن تؤثر على علاقاتك ونوعية نومك وصحتك. ولحسن الحظ، هناك بعض التغييرات في نمط الحياة

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك تتفاعل مركّبات عديدة صحية في العنب ما يعزّز تأثيرها ويجعل العنب غذاءً ذا قيمة صحية عالية (بيكسباي)

هل يُعدّ العنب غذاءً خارقاً؟

يحتوي العنب على أكثر من 1600 مركّب نشط تعمل معاً لدعم صحة الجسم بشكل شامل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»
TT

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

مع إشراقة صباح اليوم الأول من شهر شوال، معلنةً بداية عيد الفطر المبارك، تشهد حياة ملايين المسلمين تحولاً سريعاً في أنماطها، منتقلة من إيقاع الصيام المنتظم إلى نمط الاحتفال الاجتماعي والغذائي الذي يميز أيام العيد.

وبعد شهر كامل من الصيام الذي فرض إيقاعاً غذائياً محدداً يقوم على وجبتين رئيسيتين وتنظيم دقيق لمواعيد الطعام، تنتقل الموائد فجأة إلى تنوع واسع من الأطباق التقليدية ومختلف أنواع الحلويات في خضم أجواء الفرح واللقاءات العائلية والزيارات الاجتماعية التي تميز أيام العيد، ويجد الجسم نفسه أمام تحول مفاجئ في نمط التغذية بعد 30 يوماً من التكيف الفسيولوجي مع الصيام.

لقد شكّل شهر رمضان، من الناحية الصحية، تجربة فسيولوجية فريدة أعادت ضبط عدد من وظائف الجسم الحيوية. فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام لساعات محددة، بل يرافقه تغير في أنماط إفراز الهرمونات المنظمة للشهية، وتحسن نسبي في كفاءة عمليات الأيض، إضافة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين النوم وتوقيت تناول الغذاء. وتشير دراسات فسيولوجية عديدة إلى أن الصيام المتقطع، الذي يشبه إلى حد كبير نمط الصيام في رمضان، قد يسهم في تحسين حساسية الإنسولين وتنظيم التوازن الطاقي في الجسم.

ومع حلول صباح العيد، يبرز تساؤل صحي مهم: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكاسب الصحية التي تحققت خلال شهر الصيام، دون أن تتلاشى سريعاً تحت تأثير الإفراط الغذائي الذي قد يرافق الاحتفال بالعيد؟

إن العيد، رغم ما يحمله من معانٍ روحية واجتماعية عميقة، يمثل في الوقت ذاته لحظة انتقالية دقيقة في نمط الحياة، ومرحلة اختبار لقدرة الإنسان على تحقيق توازن واعٍ بين متعة الاحتفال ومتطلبات الصحة. وهو توازن يسمح بتمديد الفوائد الصحية التي وفرها شهر رمضان، لتتحول من تجربة مؤقتة إلى نمط سلوكي أكثر استدامة في الحياة اليومية.

متلازمة العيد المعوية

• «صدمة أيضية». خلال شهر رمضان، تتكيف المعدة والأمعاء مع فترات راحة طويلة، ما يؤدي إلى خفض إفراز الإنزيمات الهاضمة وتباطؤ حركة الأمعاء بشكل طبيعي. ومع صبيحة يوم العيد، نجد أنفسنا أمام «صدمة أيضية»، حيث يواجه الجهاز الهضمي طوفاناً من السكريات بسبب النمط الغذائي المكثف الذي يعتمد بشكل كبير على السكريات والدهون المشبعة مثل الحلويات الشرقية.

وتشير دراسة سابقة نُشرت عام 2020 في «مجلة التغذية والأيض» (Journal of Nutrition and Metabolism)، إلى أن العودة المفاجئة لتناول كميات كبيرة من الكربوهيدرات المكررة والدهون بعد فترة الصيام المتقطع، قد تسبب اضطراباً حاداً في مستويات السكر بالدم واستجابة الإنسولين، ما يؤدي إلى الشعور بالخمول والتخمة، وفي بعض الحالات متلازمة العيد المعوية.

إن الحرية في الأكل التي نشعر بها في العيد هي في الواقع ضغط كيميائي حيوي على الكبد والبنكرياس. لذلك، فإن النصيحة الطبية الأهم ليست الحرمان؛ بل العودة التدريجية المتوازنة إلى نمط الطعام المعتاد. ويجب أن تبدأ العودة إلى نظام الوجبات الثلاث بوجبات صغيرة موزعة، لإعطاء فرصة للجهاز الهضمي لاستعادة نشاطه الإنزيمي.

ويؤكد تقرير صادر عن المكتب الإقليمي لشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية (2022) حول التغذية في المناسبات، أن استهلاك الألياف في أول أيام العيد يعد صمام أمان لتنظيم امتصاص السكر، ومنع حالات الإمساك أو التلبك المعوي الناتجة عن التغيير المفاجئ في مواعيد الوجبات.

• صحة الأطفال في العيد. بالنسبة للأطفال، فإن العيد مرادف للحلويات والسكريات المفرطة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات معوية ونوبات من فرط الحركة يعقبها خمول مفاجئ. تشير توصيات الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال (2023)، إلى أن الاستهلاك المفرط للسكر المضاف في فترات قصيرة - كما يحدث في العيد - لا يؤثر فقط على صحة الأسنان والجهاز الهضمي؛ بل يمتد أثره ليشمل اضطرابات النوم والمزاج لدى الطفل.

إن دورنا بوصفنا إعلاماً صحياً هو توجيه الوالدين نحو الضيافة الذكية المعتمدة على موازنة الفرح مع فوضى السكريات؛ مثل تقديم الفواكه المجففة أو المكسرات بوصفها بدائل جزئية للحلويات المصنعة، مع الحفاظ على ترطيب الجسم بالماء بدلاً من العصائر المحلاة.

• كبار السن في العيد. يمثل العيد لكبار السن مناسبة اجتماعية غامرة، لكنها قد تحمل مخاطر صحية خفية. فالتغيير المفاجئ في مواعيد الأدوية ونوعية الطعام الغني بالأملاح والدهون، قد يؤديان لارتفاع حاد في ضغط الدم أو مستويات «اليوريك أسيد».

وحسب بحث منشور في «Journal of Geriatric Medicine» (2021)، فإن كبار السن أكثر عرضة للجفاف واضطراب الأملاح عند الانتقال من نظام الصيام إلى نمط العيد المزدحم. لذا، من الضروري مراقبة مستويات السكر والضغط لديهم بانتظام خلال أيام العيد، وضمان حصولهم على فترات راحة كافية بين الزيارات العائلية لتجنب الإجهاد الاحتفالي.

الذكاء الاصطناعي والتكيف مع التغيير

• الذكاء الاصطناعي في خدمة الصحة بالأعياد. في عصر التحول الرقمي، لم يعد التعامل مع الصحة العامة في الأعياد تقليدياً؛ فالذكاء الاصطناعي (AI) يمثل عيناً تكنولوجية قادرة على رصد أنماط العيد والتنبؤ بالمخاطر الصحية الجماعية.

ووفقاً لدراسة منشورة في «NPJ Digital Medicine» (2024)، يتم استخدام خوارزميات التعلم الآلي لتحليل البيانات الضخمة الناتجة عن محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي لرصد بوادر تفشي النزلات المعوية أو الأزمات القلبية المرتبطة بالإجهاد الغذائي خلال العطلات الكبرى.

علاوة على ذلك، توفر التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي الآن، مدربين صحيين افتراضيين يمكنهم مساعدة الأفراد في العيد على إعادة جدولة مواعيد أدويتهم ونومهم بناءً على تغير نمط حياتهم المفاجئ. ويعكس هذا التكامل بين التكنولوجيا والوعي الصحي، اتجاهاً متزايداً نحو تعزيز الوقاية الصحية خلال المواسم والعطلات.

• العودة إلى إيقاع النوم الطبيعي. لا يقتصر التغيير خلال شهر رمضان على الطعام فقط؛ بل يشمل أيضاً نمط النوم واليقظة. فكثير من المسلمين يغيرون جدول نومهم خلال رمضان، حيث يمتد السهر إلى ساعات متأخرة من الليل، ويستيقظون لتناول وجبة السحور قبل الفجر.

وقد يؤدي هذا التغير إلى اضطراب مؤقت في الساعة البيولوجية (Circadian Rhythm) للجسم، وهي النظام الداخلي الذي ينظم دورات النوم والاستيقاظ، فيؤثر بشكل مباشر في هرمونات الجوع (الغريلين) والشبع (اللبتين)، وهو ما يفسر سبب الشعور بجوع متكرر في أيام العيد الأولى.

وتشير أبحاث في مجال طب النوم نشرت في «Nature and Science of Sleep» (2021)، إلى أن العودة المفاجئة إلى جدول نوم مختلف قد تسبب شعوراً بالتعب أو صعوبة في التركيز خلال الأيام الأولى بعد رمضان، لذلك ينصح الخبراء بإعادة تنظيم النوم تدريجياً خلال أيام العيد.

ومن الوسائل المفيدة لتحقيق ذلك:

- النوم في ساعات الليل المبكرة قدر الإمكان.

- تقليل السهر الطويل بعد انتهاء رمضان.

- التعرض للضوء الطبيعي في ساعات الصباح.

- تجنب المنبهات مثل القهوة في وقت متأخر من الليل.

وقد أظهرت دراسات نشرت في مجلة «Sleep Medicine Reviews» أن انتظام النوم يلعب دوراً مهماً في تنظيم الهرمونات المرتبطة بالشهية والتمثيل الغذائي، كما ينعكس إيجابياً على الصحة النفسية والقدرة الذهنية.

تحقيق الانتقال الصحي الآمن من انضباط الصيام إلى حرية العيد

العيد فرحة اجتماعية وصحة نفسية

اجتماعياً، يمثل العيد ذروة «التفاعل الإنساني»، وهو أمر له انعكاسات صحية نفسية عميقة. فبعد شهر غلب عليه الطابع الروحاني والتأمل الفردي، يأتي العيد ليعيد دمج الفرد في نسيجه الاجتماعي.

وتؤكد دراسات في «Positive Psychology Program» (2023) أن صلة الرحم والتواصل المباشر في الأعياد يسهمان في إفراز هرمون «الأوكسيتوسين» المعروف بهرمون الحب والارتباط، والذي يعمل مضاداً طبيعياً للقلق والاكتئاب.

وإلى جانب الفوائد الجسدية، يحمل عيد الفطر أهمية كبيرة للصحة النفسية والاجتماعية أيضاً. فالزيارات العائلية والتواصل مع الأقارب والأصدقاء يعززان الشعور بالانتماء والدعم الاجتماعي، وهما عاملان مهمان للصحة النفسية. وتشير دراسات في علم الصحة العامة إلى أن العلاقات الاجتماعية القوية ترتبط بانخفاض معدلات التوتر وتحسن جودة الحياة بشكل عام.

ومن جانب آخر، لا بد أن ندرك أن لغة «المنع» في العيد لغة غير فعالة، والتوجيه الناجح هو الذي يمنحنا «أدوات التمكين»، فتعزيز مفهوم الأكل الواعي (Mindful Eating) خلال زيارات العيد يتيح للشخص الاستمتاع بالضيافة دون الإضرار بلياقته.

وحسب دراسة في «Harvard Health Publishing» (2019)، فإن التباطؤ في مضغ الطعام والاستمتاع بمذاقه يرسل إشارات شبع أسرع إلى الدماغ، مما يقلل الاستهلاك الحراري بنسبة تصل إلى 20 في المائة.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى عيد الفطر ليس فقط بوصفه مناسبة للاحتفال؛ بل أيضاً بوصفه فرصة لتعزيز التوازن بين الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية.

وأخيراً، ها هو عيد الفطر المبارك يطل علينا بوصفه جسر عبور من ضفة «الانضباط الصارم» التي ميزت شهر رمضان المبارك بجدول التغذية المحدد وساعات النوم المبرمجة، إلى ضفة «الحرية الغذائية والاجتماعية المطلقة» التي تميز طقس العيد.

وهذا الانتقال الفجائي، رغم ما يحمله من بهجة، فإنه يضع الجسد والعقل أمام «صدمة تكيفية» كبرى تتطلب قدراً من الوعي الصحي. لذلك ينبغي ألا ننظر إلى العيد باعتباره مجرد مناسبة دينية واجتماعية؛ بل أيضاً مرحلة انتقالية تتطلب إدارة ذكية متوازنة للتحولات البيولوجية والنفسية، حتى لا تضيع المكاسب الصحية التي تحققت خلال شهر الصيام.

إن العيدَ هو مكافأة للصائم، وحرية الإنسان في الطعام والشراب والنوم هي جزء من رمزية الفرح. غير أن المنظور الطبي والاجتماعي الشامل يذكرنا بأن الحرية المنضبطة هي الأرقى، وأن الانتقال السلس من رمضان إلى ما بعده يتطلب وعياً بأن الجسد أمانة، وأن الفرح الحقيقي لا يكتمل باعتلال الصحة.

• استشاري طب المجتمع


المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب
TT

المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

ربطت دراسة حديثة لباحثين من جامعة إدنبرة في أسكوتلندا، ونُشرت في النسخة الإلكترونية من مجلة اضطرابات الانتباه (the Journal of Attention Disorders) في مطلع شهر مارس (آذار) من العام الحالي، بين أعراض اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) وزيادة احتمالية ظهور أعراض لكثير من الاضطرابات النفسية مع مرور الوقت.

نقص الانتباه وفرط الحركة

أوضحت الدراسة التي تُعد الأولى من نوعها، أن المراهقين الذين يعانون من أعراض هذا الاضطراب أكثر عُرضة للمعاناة من المشكلات العاطفية والاجتماعية، لعدة أسباب، منها: تقلب المزاج، وعدم القدرة على التركيز فترات طويلة، والبقاء في مكان معين لمدة طويلة بسبب نشاطهم الزائد، ما يجعلهم يشعرون بالعزلة الاجتماعية، بالإضافة إلى أن الاضطراب نفسه يزيد من خطر تدني احترام الذات، ما يسبب مشكلات نفسية تؤثر بالسلب على الصحة النفسية للمراهق.

وتشير التقديرات إلى أن اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، يصيب نحو 5 في المائة من الأطفال والمراهقين في المملكة المتحدة. وعلى وجه التقريب يعاني ربع المصابين بهذا الاضطراب من القلق، بينما يعاني 40 في المائة منهم من نوبات اكتئاب قبل بلوغهم سن الثلاثين، لذلك يُعد فهم العوامل التي تؤدي إلى هذا الارتباط أمراً بالغ الأهمية، للحد من حدوث هذه المشكلات.

وتعتبر فترة المراهقة مرحلة حاسمة في تفاقم المشكلات النفسية، وبشكل خاص للمراهقين المصابين بنقص الانتباه وفرط النشاط؛ لأنها ترتبط بمجموعة من التحديات، مثل ازدياد التوقعات بالاستقلالية عن الآباء، والضغوط الأكاديمية والاجتماعية، والرغبة في عمل علاقات عاطفية، ومثل هذه التحديات تؤثر على نقاط الضعف الموجودة مسبقاً لديهم.

وحلل الباحثون بيانات استقصائية شملت أكثر من 5 آلاف مراهق، تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاماً، وكانت نسبة الإناث أكبر بشكل طفيف من الذكور. وجُمعت هذه البيانات من دراسة الألفية البريطانية التي تتابع المراهقين الذين وُلدوا في الفترة بين عامَي 2000 و2002، في جميع أنحاء المملكة المتحدة.

مؤشرات رئيسية

تم تقييم حدة الأعراض للمشاركين، من خلال الإجابة على مدى صحة 5 مؤشرات رئيسية، وهي: «التململ، وعدم القدرة على البقاء في وضع معين»، و«سهولة التشتت، وعدم القدرة على التركيز»، و«التفكير بروية قبل التصرف»، و«إنجاز المهام حتى النهاية»، و«عدم التنظيم وسوء إدارة الوقت».

بعد ذلك، قام الباحثون بتخصيص درجة لكل عَرَض بحيث تحصل الإجابة بـ«غير صحيح» على صفر، و«صحيح إلى حد ما» على درجة واحدة، و«صحيح تماماً» على درجتين. وجُمعت إجابات المؤشرات للحصول على درجة إجمالية لفرط النشاط/ قلة الانتباه؛ حيث تشير الدرجات الأعلى (متوسط الدرجات من 5 إلى 10) إلى فرط نشاط/ قلة انتباه أكبر بكثير من الأقران، وتشير الدرجات الأقل إلى أعراض أخف حدة.

وتم قياس حدة الأعراض الداخلية، لاستبيان نقاط القوة والصعوبات المختلفة، من خلال رصد شكاوى المراهقين؛ سواء العضوية مثل الشكوى المتكررة من الصداع وآلام المعدة والغثيان، أو النفسية، مثل كثرة المخاوف والشعور بالحزن والضيق والبكاء في كثير من الأحيان، والتوتر والتعلق الزائد في المواقف الجديدة.

عوامل محتملة

واختبر الباحثون كثيراً من العوامل المحتملة التي تربط بين اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والاضطرابات النفسية، بما في ذلك نقص المهارات الاجتماعية، وصعوبة التعامل مع الأقران، كالرفض أو التنمر أو النفور، ومشكلات الدراسة، واضطراب العلاقات مع الوالدين، والمشكلات السلوكية، وتدني تقدير الذات. وشملت العوامل الأخرى التي تم تقييمها معرفة إذا كان أحد الوالدين يعاني من مشكلات نفسية من عدمه.

وأظهرت النتائج أن العوامل الأكثر تأثيراً في زيادة فرص الإصابة بالأمراض النفسية في المراهقين الذكور، المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، كانت انخفاض تقدير الذات، وتراجع الصحة النفسية للوالدين.

وفي المقابل، كانت العوامل الأكثر تأثيراً في الفتيات هي: الافتقار للمهارات الاجتماعية، ووجود صعوبات في التعامل مع الأقران، وقد ثبتت هذه النتائج حتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل أخرى، مثل أي مشكلات سابقة في النمو العصبي أو الصحة النفسية.

ونصحت الدراسة بضرورة التركيز على حل المشكلات الداخلية للمراهقين من مرضى نقص الانتباه وفرط النشاط؛ لأن معظم الجهود التي يتم بذلها في العلاج تكون لمحاولة السيطرة على السلوكيات الخارجية لهؤلاء المراهقين، ولكن حل المشكلات النفسية قد يكون أكثر فاعلية؛ لأنه يُفسر الدافع وراء هذه السلوكيات.

وعلى سبيل المثال، فإن الميل إلى المخاطرة وارتكاب أفعال متهورة، في الأغلب يكون للحصول على التقدير من الآخرين (بسبب تدني تقدير الذات) ما يزيد من الرغبة في الشعور بالمكافأة. كما تكون مشكلات المدرسة والأقران -في الأغلب- نوعاً من ردود الأفعال للرفض المجتمعي والتنمر، أما العنف تجاه الجنس الآخر ففي الأغلب يعكس رغبة في تكوين علاقة عاطفية سليمة.

وأوضح الباحثون أن نتائج هذه الدراسة يمكن أن تسهم، في تصميم أنظمة دعم نفسي مُخصص للمراهقين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، من خلال تدخلات فعالة لتعزيز تقدير الذات.

وتبعاً لنتائج الدراسة، يجب توفير العلاج والدعم النفسي لأسرة المراهق المصاب بالكامل، لكسر الحلقة المفرغة من المشكلات النفسية لأسر المصابين بنقص الانتباه وفرط النشاط؛ لأن الأعراض في المراهقين ترتبط بتدهور الصحة النفسية للوالدين، والذي بدوره يؤثر بالسلب على الصحة النفسية للمراهقين، وهكذا. لذلك يجب عمل مسح لعائلات هؤلاء المراهقين لمعرفة وجود مشكلات نفسية لديهم، وعلاجها بالتزامن مع علاج المراهق.

* استشاري طب الأطفال.


قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها

قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها
TT

قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها

قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها

باعتباره واحداً من أكثر الأمراض انتشاراً في العالم، ولعلاقته اللصيقة بالقلب والشرايين، فإن ارتفاع ضغط الدم قد برز بالفعل كأحد الأسباب الرئيسية للوفيات والأمراض المبكرة عالمياً.

ووفق تحديثات إرشادات الكلية الأميركية لأمراض القلب/ جمعية القلب الأميركية (ACC/AHA) فإن أي مريض يزيد ضغط دمه الانقباضي عن 130 ملم زئبق يصنف على أنه مصاب بارتفاع ضغط الدم، بدلاً من الإرشادات السابقة التي كانت تعتمد قيمة 140 ملم زئبق كحد فاصل لتصنيف الشخص على أنه مصاب بارتفاع ضغط الدم.

عامل خطر على القلب

ويُعد «مرض ارتفاع ضغط الدم» أحد عوامل الخطر الرئيسية لأمراض الشرايين التاجية للقلب، والسكتة الدماغية، واحتشاء عضلة القلب بفعل نوبة الجلطة القلبية، وفشل القلب، وأمراض الكلى المزمنة. ومع ذلك، يُعدّ ارتفاع ضغط الدم عامل خطر ذا تأثير «قابل للتعديل»، حيث تُسهم التدابير غير الدوائية والدوائية في خفض خطر الإصابة بهذه المضاعفات والتداعيات، بشكل كبير. ولذا، تُعدُّ قياسات ضغط الدم ضرورية للأطباء في تشخيص وعلاج ارتفاع ضغط الدم.

وتصنف إرشادات جمعية القلب الأميركية/الكلية الأميركية لأمراض القلب ضغط الدم إلى طبيعي، ومرتفع، وارتفاع ضغط الدم (المرحلة 1 والمرحلة 2)، بناءً على قياسين أو أكثر في مناسبتين منفصلتين أو أكثر.

ولطالما اعتمد تشخيص وعلاج ارتفاع ضغط الدم على قياس ضغط الدم في العيادة، لأنه يُقدّم تقييماً سريعاً لضغط دم المريض. إلا أن ذلك قد لا يعكس ضغط دمه الحقيقي، مع احتمال أن تكون نتائج القياسات مرتفعة أو منخفضة بشكل خاطئ. حيث أظهرت البيانات العلمية الإكلينيكية أن ضغط الدم قد يختلف اختلافاً كبيراً عند قياسه في العيادة عنه عند قياسه خارجها. هذا مع العلم أن ارتفاع ضغط الدم خارج العيادة يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بغض النظر عن ضغط الدم المُقاس في العيادة. كما أن قياس ضغط الدم في العيادة لا يُعطي أي فكرة عن تغيّر ضغط الدم على مدار اليوم أو تأثير أدوية خفض ضغط الدم على هذا التغيّر.

«قياس ضغط الدم المتنقل»

وهنا يُساعد «قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة» ABPM في تقليل عدد القراءات الخاطئة المحتملة، بالإضافة إلى فوائد إضافية تتمثل في فهم التباين الديناميكي لضغط الدم.

وإليك المعلومات الـ4 التالية:

1. يُعدّ «قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة» من الطرق الإكلينيكية المعتمدة لقياس ضغط الدم خارج العيادة. وهو وسيلةً مهمة لقياس ضغط الدم في البيئة الحياتية التي يعيش فيها المرء طوال الوقت، والتأكد من تشخيص الإصابة بمرض ارتفاع ضغط الدم، ووضع الاستراتيجيات العلاجية للسيطرة عليه. وذلك وفق الإرشادات الطبية لجمعية القلب الأميركية AHA والكلية الأميركية لطب القلب ACC وجمعية القلب الأوروبية ESC.

وفي هذا السياق يفيد أطباء «كليفلاند كلينك قائلين»: «يسجل جهاز مراقبة ضغط الدم المتنقل قراءات ضغط الدم على مدار 24 ساعة، سواء كنت مستيقظاً أو نائماً. ويتم ذلك خارج عيادة الطبيب، أثناء ممارستك لحياتك اليومية. وترتدي سواراً على ذراعك وجهازاً صغيراً مُثبّتاً على حزام. ويأخذ جهاز مراقبة ضغط الدم المتنقل عشرات القراءات على مدار فترة متواصلة. وفي معظم الحالات، يسجل الجهاز قراءات كل 15 إلى 30 دقيقة خلال النهار وكل 60 دقيقة ليلاً. كما يقيس الجهاز معدل ضربات القلب (سرعة نبضات القلب). ويستخدم مقدم الرعاية الصحية هذه البيانات لحساب متوسط ضغط الدم على مدار 24 ساعة. كما يحسب التغيرات في ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، ونمط توزيع ضغط الدم، وإحصاءات أخرى».

2. وفق ما تشير إليه مصادر طب القلب، إليك الملخص التالي: يُستخدم جهاز مراقبة ضغط الدم المتنقل لأسباب عديدة، منها:

- تأكيد تشخيص إصابة الشخص بمرض ارتفاع ضغط الدم.

- تحديد كيفية ارتباط تغيرات ضغط الدم بأنشطته اليومية وأنماط نومه. وعادةً، ينخفض ضغط الدم الانقباضي (الرقم العلوي) بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المائة أثناء النوم. مع ذلك، ليس هذا هو الحال دائماً، فقد يبقى ضغط الدم الانقباضي ثابتاً أو يرتفع خلال فترة الليل. وهذا له دلالات إكلينيكية مهمة. (راجع مقال «ارتفاع ضغط الدم أثناء الليل... أسباب وعواقب صحية» عدد 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 لملحق «صحتك» بجريدة «الشرق الأوسط»).

- معرفة مدى فعالية أدوية ضغط الدم في السيطرة على ارتفاع ضغط الدم، فقد لا تُسيطر الأدوية على ضغط الدم طوال اليوم والليلة، وقد يحتاج الطبيب إلى تعديل جرعات أو مواعيد تناول الأدوية، وذلك بناءً على أنماط تغير ضغط الدم لدى المريض، أو قد يحتاج إلى أكثر من دواء لتحقيق استقرار ضغط الدم. وهذا يتضح للطبيب من نتائج القراءات المتواصلة لجهاز مراقبة ضغط الدم المتنقل.

- تحديد التغيرات في قراءات ضغط الدم فيما بين العيادة مقارنةً بالمنزل أو أثناء أداء العمل اليومي أو خلال النوم. ويمكن أن تساعد معرفة هذه التغيرات في تحديد مستوى خطر إصابتك بأمراض القلب والأوعية الدموية. وبالتالي وضع آليات أفضل للمعالجة.

رصد أنماط ضغط الدم

3. يمكن لجهاز مراقبة ضغط الدم المتنقل الكشف عن التغيرات غير الطبيعية في ضغط الدم التي قد تمر دون ملاحظة. ولذا هي في الحقيقة طريقة مفيدة ولا غنى عنها البتة للكشف عن أنماط ضغط الدم المختلفة. وخاصة في الحالات الأربع التالية التي يذكرها أطباء «كليفلاند كلينك» وهي:

- حالة ارتفاع ضغط الدم الناتج عن التوتر في العيادة، أو ما يُعرف بارتفاع ضغط الدم المرتبط برؤية البالطو الأبيض في العيادة White Coat Hypertension، حيث يُعاني بعض الأشخاص الذين يكون ضغط دمهم طبيعياً في المنزل من ارتفاع في ضغط الدم عند زيارة الطبيب. ويُعرف هذا بارتفاع ضغط الدم الناتج عن التوتر في العيادة، أو متلازمة المعطف الأبيض. وقد يؤدي ذلك إلى تشخيص خاطئ بارتفاع ضغط الدم، حتى وإن كان ضغط دمك طبيعياً. ويُصيب هذا النوع من ارتفاع ضغط الدم ما بين 10 إلى 30 في المائة من الأشخاص الذين يُعانون من ارتفاع في قراءات ضغط الدم في العيادات. وقد يُشير ارتفاع ضغط الدم الناتج عن التوتر في العيادة إلى وجود مشكلة في ضغط الدم، لذا ينبغي عليك أنت وطبيبك مراقبته.

- ارتفاع ضغط الدم المستمر Sustained Hypertension. ويُشير هذا إلى قراءات ضغط الدم المرتفعة سواء كنت في عيادة الطبيب أو في المنزل. وربط الباحثون هذه الحالة بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والكلى، بالإضافة إلى السكتة الدماغية.

- ارتفاع ضغط الدم المُقنَّع Masked Hypertension. ويحدث هذا عندما تكون قراءة ضغط دمك طبيعية في عيادة الطبيب، ولكنها مرتفعة في المنزل. قد يُصيب هذا ما يصل إلى 30 في المائة من البالغين الذين تكون قراءات ضغط دمهم طبيعية في عيادة الطبيب. قد تواجه خطراً أكبر للإصابة بارتفاع ضغط الدم المقنَّع إذا كنت تعاني من أمراض الكلى أو السكري أو انقطاع النفس الانسدادي النومي Sleep Apnea.

- ارتفاع ضغط الدم الليلي Nocturnal Hypertension. ويعني هذا أن ضغط دمك يرتفع أثناء النوم. يصيب ارتفاع ضغط الدم الليلي ما لا يقل عن 2 من كل 10 أشخاص بيض، ونحو 4 من كل 10 أشخاص سود. وهو أكثر شيوعاً بين مرضى السكري أو أمراض الكلى. ولا تزال الأبحاث جارية لاستكشاف العلاقة بين ارتفاع ضغط الدم الليلي وأمراض القلب والأوعية الدموية.

4. يُعدّ قياس ضغط الدم المتنقل طريقة دقيقة وفعّالة لقياس ضغط الدم. فهو يُزوّد الطبيب والمريض ببيانات أدقُّ مقارنةً بقياس ضغط الدم في المواعيد الطبية فقط. ويُمكن أن يُفيد قياس ضغط الدم المتنقل شريحة واسعة من الأشخاص. وخاصة منهم في الحالات التالية:

- حين ملاحظة ارتفاع ضغط الدم بناءً على قراءات عيادة الطبيب، ولكن لم تبدأ العلاج بعد، ويريد الطبيب أن يتأكد من تشخيص وجود مرض ارتفاع ضغط الدم.

- عند ملاحظة الطبيب عدم انضباط ارتفاع ضغط الدم برغم تناول أدوية، وتدعو الحاجة إلى تعديل أدوية ضغط الدم.

- استمرار ارتفاع ضغط الدم رغم تناول الأدوية، للبحث عن مزيد من المعرفة عن مدى تأثير الأدوية بعد تناولها خلال فترات اليوم.

- عند تناول الشخص لأدوية أخرى قد تؤثر على ضغط الدم، ويحتاج الطبيب إلى التأكد من عدم تسببها بذلك الارتفاع للمريض.

- عند شكوى المريض من التعرض لنوبات إغماء أو انخفاض ضغط الدم، ويريد الطبيب أن يتأكد أن ذلك ليس بسبب انخفاضات واضحة في مقدار ضغط الدم.

- اكتشاف ومتابعة ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل.

وتشمل النتائج الطبيعية لمراقبة ضغط الدم المتنقلة العناصر الأربعة التالية:

- متوسط ضغط الدم على مدار 24 ساعة: 125/75 ملم زئبق أو أقل.

- ضغط الدم أثناء النهار: 130/80 ملم زئبق أو أقل.

- ضغط الدم أثناء الليل: 110/65 ملم زئبق.

- انخفاض ضغط الدم الليلي: انخفاض في ضغط الدم بنسبة 10 إلى 20 في المائة.