احتفل الفرنسيون، قبل أيام، بعيد الموتى. وهو ليس عيداً بالمعنى المعهود، وإنما هو يوم للذكرى. عطلة رسمية سنوية في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، يزور فيها الأحياء المقابر، ويضعون باقات الأقحوان على قبور أحبتهم الراحلين. تتحوَّل فضاءات الحزن إلى حدائق مُزهرة ملوَّنة.
في صفحة الرأي بهذه الصحيفة، كتب الأستاذ مصطفى فحص، قبل يومين، مقالاً بعنوان «منفيون تحت التراب»، عرض فيه وجهاً من الوجوه العديدة لمأساة آلاف النازحين من جنوب لبنان. تحدَّث عن ضرورة إيجاد مكان يليق بدفن موتاهم، بعد أن تعذَّرت عودتهم إلى قراهم وتراب أرضهم. جثامين تستقر كودائع في مقابر مؤقَّتة.
تشبه «التغريبة الجنوبية»، حسبما وصفها الكاتب، اغتراب جثامين اللاجئين الفلسطينيين. «حين لا تعود المقبرة المنشودة مجرد مساحة لاحتضان جسد؛ بل لحظة اكتمال الانتماء إلى بقعة من الأرض، من المهد إلى اللحد». وهو ما عبَّر عنه الشاعر محمود درويش في قصيدة الوداع الأخير: «ألا قبرَ لي بعد كل هذا التعب؟».
عاش العراقيون، أيضاً، تفاصيل هذا التعب. شعب له ملايين المنفيين والمهاجرين في أربعة أطراف الأرض، يدفنون أحبابهم ورموزهم الوطنية والعلمية والثقافية في التُّرَب الغريبة. ومن لم ينقره طائر الموت بعد، فإنه يعيش قلق انتظار اللُّحود الباردة، بعيداً عن شمس الوطن ومساقط الرؤوس.
في ربيع 2003، مع سقوط النظام السابق، كتبتُ في هذه الصحيفة مقالاً أتخيل فيه استعادة كبار مبدعينا الراقدين في دمشق وعمَّان ودبي ولندن وديترويت، وغيرها من مقابر الدنيا. ومنذ ذلك التاريخ ازداد عددهم أضعافاً، وما زال الاقتراح سارياً. سيكون اسمه مهرجان عودة الرفات. يوم لا يشبه غيره من أيام العراق. تسير فيه مواكب حزن بثياب عيد، وهي ترفع فوق الهامات عظام: الجواهري، والبياتي، ولميعة عمارة، وبلند الحيدري، ومصطفى جمال الدين، وسركون بولص، ويوسف الصائغ، وسعدي يوسف، وغائب طعمة فرمان، والفنانة زينب، وناهدة الرماح، وفاضل الجمالي، ومير بصري، ومنير بشير، وزها حديد، والدكتور فرحان باقر، والعشرات غيرهم.
تمرُّ عشر سنوات ولا تتحقق الأمنية. ولكنني أمضي في خيالي وأكتب رواية أقترح فيها مقبرة إلكترونية تجمع، في العالم الافتراضي، رفات من اغترب من العراقيين إلى جوار آبائهم وأمهاتهم المدفونين في الوطن. سترقد الزوجة التي وافتها المنيَّة في السويد، قرب زوجها الراقد بمقبرة دار السلام، في النجف. وسيُدفن الابن المغترب الذي فارق الحياة في كندا، بجانب والده الذي استُشهد في الفاو. ولكن الواقع العراقي قاصر عن بلوغ الخيال الروائي.
ولعلَّ من الحماقة انتظار عشر سنوات أخرى. أو عشرين. هذا إذا عشنا ورأينا. فالزمن هناك يسير بعكس عقارب الساعة. إلى الوراء دُرْ. ولا يصحُّ الصحيح بل الغلط. ينشغل أولو الأمر بملياراتهم عن مواطنيهم الأحياء، حمَّالي الضيم. فهل سيرهقون الفكر بالأموات؟ تلك رواية أخرى.
