تمرّ ليبيا الآن بأزمات كبيرة. وتوقفت فيها كل سبل التنمية منذ عقد ونصف العقد. وأصبحت مرتعاً للتدخلات الأجنبية، فيما الميليشيات المسلحة تخنق الليبيين وتمنع إقامة الدولة الوطنية. هذا يحدث في غرب البلاد حيث العاصمة غدت رهينة لهذه الميليشيات وتحت سيطرتها. والواقع أنَّ المنطقة الشرقية وكثيراً من جنوب البلاد يعيشان حالة استقرار ونموٍ وتنمية وسلام، ولو كانت تدريجية. من هذا المنظور نرى حالة الاستقرار في المنطقة الشرقية؛ لملاصقتها مصر، ونظراً للتعاون بين الجيش الوطني الليبي والجيش المصري.
الدور المصري كان ولا يزال داعماً للاستقرار في ليبيا، وداعماً للسيادة الليبية على سائر ترابها الوطني بعد المحنة التي تعرضت لها بعد سقوط الدولة الليبية وانتشار الفوضى بعد أحداث فبراير (شباط) عام 2011 وما أعقبها من فوضى وانتشار للسلاح والجماعات الإرهابية عابرة الحدود، قبل أن ينهض الجيش الليبي ويستعيد المبادرة والسيطرة، وكان ذلك بدعم مصري، مما يؤكد وحدة المصير والأمن والاستقرار بين البلدين، فاستقرار ليبيا ينعكس إيجاباً على الأمن القومي في مصر، كما أن استقرار ليبيا على المستويين السياسي والأمني يعدُّ جزءاً من استقرار مصر.
وفي الحرب على الإرهاب كانت هناك شراكة عسكرية بين ليبيا ومصر لملاحقة الإرهابيين، وهذه الشراكة يكفلها القانون الدولي، وكانت بالتنسيق بين الطرفين.
لقد دعمت مصر، وتدعم دائماً، مسار الحل الليبي - الليبي، والسياسة المصرية الخارجية كان فيها دائماً جزء من محاولات ومقترحات الحل في ليبيا، بل كانت تؤكد أهمية وضرورة الملكية الوطنية الليبية لأي مسار سياسي وحوار وطني ليبي - ليبي.
تمسُّك مصر بالحل السياسي في ليبيا على مبدأ البحث عن تسوية سياسية للصراع، كان ثابتاً طيلة الأزمة الليبية الداخلية، وكانت مصر على مسافة واحدة من الأطراف السياسية باستثناء الأطراف التي تتبنى النهج الإرهابي مثل تلك المرتبطة بجماعة «الإخوان المسلمين»، خاصة الفرع الليبي الذي يعدُّ أشدَّ خطورة؛ كونه مسلحاً ويتبنَّى أفراد منه المنهج القطبي التكفيري.
تعود العلاقات التاريخية بين مصر وليبيا إلى آلاف السنين، كما أنها ليست وليدة موقف سياسي أو نظام حكم، بل هي ضاربة في جذور التاريخ؛ من نسب ومصاهرة وتنقل بين القبائل الليبية والمصرية وتداخلها وتشابك علاقاتها، الأمور التي جعلت من العلاقة بين القُطرين من أفضل العلاقات الحدودية في المنطقة؛ لكون الشعبين امتداداً طبيعياً لبعضهما.
فالعلاقات الأخوية المصرية - الليبية لم تتأثر بجغرافيا «سايكس بيكو» في عام 1916، حيث لم تمنع الطرفين من تنقل السكان والقبائل بين البلدين، بل ازدادت بينهما نسب المصاهرة والتزاوج، الأمر الذي يعتبر من أعلى معدلات المصاهرة في العالم؛ لأن الشعبين يتعاملان مع بعضهما من خلال الامتداد الأخوي والقبلي، وليس من خلال المنظور السياسي. وحتى في زمن توتر العلاقات بين السادات والقذافي، لم تنقطع العلاقات الشعبية والترحال والتنقل والمصاهرة بين الشعبين، مما يؤكد قوة ومتانة العلاقة التي لا يمكن أن تكدرها أو تزعزعها أي خلافات في المواقف السياسية، حتى وإن وجدت فهي تعالَج ضمن إطارها السياسي وتنتهي بتوافق بين الطرفين.
وكانت مصر من أوائل الدول التي تعاملت مع ليبيا رسمياً بعد استقلالها في أوائل الخمسينات من القرن العشرين، ولا ننسى أن ليبيا ساعدت وشاركت مصر في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 بمساعدات كبيرة.
حتى في زمن المملكة الليبية، لم يسمح الملك إدريس، رحمه الله، خلال العدوان الثلاثي على مصر، باستخدام القواعد البريطانية والأميركية في ليبيا لضرب مصر، وهذا باعتراف الرئيس جمال عبد الناصر، فليبيا لم تستخدم أراضيها لضرب مصر، مما شكل حالة من التقارب والثقة في حسن الجوار بين البلدين.
مصر تعتبر ليبيا عمقاً استراتيجياً لها، يرتبط بالأمن القومي المصري؛ إذ إن الأمن والاستقرار في ليبيا ينعكسان على مصر؛ وذلك لوجود الحدود الطويلة والمشتركة الممتدة بين البلدين، كما أن القبائل المصرية والليبية المنتشرة في كلا البلدين، لا يمكن نزع أي طرف منهما عن الآخر؛ لأن نصف بعض القبائل في هذا الطرف والنصف الآخر في الطرف الآخر، حيث إن القبائل بين البلدين فصلتها حدود «سايكس بيكو»، وهي قبائل تعدادها بالملايين تتشارك البلدين موطناً لها، وبالتالي لا يمكن نزع مصر عن ليبيا، ولا يمكن نزع ليبيا عن مصر، ولا تنجح أي محاولات للفتنة أو الشقاق بين بلدين يتلاقى شعباهما في أصل قبلي واحد.
مصر وليبيا ربطهما تاريخ طويل من حسن الجوار. والتبادل الاقتصادي والتجاري الكبير، ووجود العمالة الوافدة إلى ليبيا من المصريين، يُعدَّان دليلاً واضحاً على عمق العلاقات الطيبة بين البلدين. وهناك علاقات متشابكة وتاريخ طويل يمتد لآلاف السنين، وبالتالي فلن تؤثر فيها أي اختلافات في وجهات النظر السياسية حول ترسيم الحدود البحرية، وسوف يتجاوز البلدان أي اختلافات ويحققان التوافق المستمر بينهما.
