سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

كل حرب ولدت أخرى

استمع إلى المقالة

في هذا الازدحام الجنوني على الحرب، لم يعد أحد يعرف أين الجبهة، أو الجبهات، أو لماذا اشتعلت وتُهدد بالمزيد. وهل كل هذه النيران والصواريخ والرماد والموت، من أجل الحزب الجمهوري أو الليكود؟

منذ «7 أكتوبر» والأرض تحترق وتتفجر وتعقم، لكيلا تخصب بعد الآن. والمدن مدافن ومجاعات وركام، ولكن أين الحرب؟

تروي مجلة «دير شبيغل» أنَّ 70 ألف شخص قُتلوا في غزة ومثلهم أُصيبوا. وتنسب إلى الجنود الإسرائيليين أن أوامرهم كانت واضحة ومقتضبة: اقتلوا كل من ترونه.

لكن لا الحرب انتهت في غزة ولا هدنة بدأت في أي مكان. العكس. انفجرت حرب كبرى في جنوب لبنان أفرغته من أهله، ودمّرت قراه وأباحتها للاحتلال، ومهَّدت أو بدأت في إقامة شرائط أو أحزمة على طريقة سعد حداد، لا أحد يدري إلى متى تدوم.

على الجانب الآخر من المعركة هناك «الحرب الكبرى». حرب الرئيس دونالد ترمب مع أعمدة بيرسيبوليس. يومٌ يبدو أنها سوف تنهار تماماً فوق الجميع، ويوم يبدو أنها آتية لاستعراض فنون الحرب ومناوراتها.

وفي هذه الحيرة الكبرى امتلأت الدنيا بقارئي الأبراج: تصعيد أم انفراج؟ البصَّارون يعملون جاهدين في البحث عن جواب، ولكن صاحب الشأن نفسه ليس واثقاً بما بين يديه. بدأت المسألة في السهولة. كل فريق تصرَّف على أنها ضربة واحدة أو خطوة واحدة وينتهي كل شيء. لكن كل حرب ولدت أخرى، أو أكثر. هذا ما حققته إيران حتى الآن: لم تبنِ حجراً واحداً، وأعاقت بناء أي شيء. لم تسهِّل وساطة واحدة، وأفشلت كل الوساطات وزادت الدنيا غمّاً.