د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

كيف يفكر الرقيب؟

استمع إلى المقالة

لا ينظر الرقابي في الأنظمة الإعلامية المُغلقة إلى سياسات التقييد والمنع بوصفها أدوات للتحكم في الرسائل التي تصل إلى الجمهور، وإنما يعتقد أنها ضرورية للتحكم في المجال العام... عبر السيطرة على ما يثق فيه، ويتحدث عنه بوصفه حقيقة، ويحتشد ويحتج من أجله أحياناً.

ففي عصر الاتصال المفتوح، لم تعد الرقابة قادرة على احتكار المعلومات، لكنها لا تزال تحاول احتكار الاعتراف بها. غير أن الإفراط في ممارسة هذا الاحتكار قد يحرم السلطة من الثقة التي تحتاج إليها أكثر من حاجتها إلى الهدوء والامتثال.

يكتسب هذا الطرح أهميته، في ظل وجود مفارقة خطيرة تتفاعل باطّراد في واقعنا الإعلامي الراهن؛ وهي تكمن في أن بعض النظم الإعلامية ما زالت تتعامل مع المجال العام بعقلية تنتمي إلى زمن كانت فيه الصحيفة والتلفزيون والإذاعة هي المنافذ الأساسية التي يَعبُر من خلالها الخبر إلى الجمهور. فقد كان يكفي آنذاك منع النشر، أو فرض رواية محددة، لكي تتمكن السلطة من التأثير في الصورة التي تتشكل لدى المواطنين عن الأحداث.

أما اليوم، فقد تغيرت قواعد اللعبة بصورة جذرية. لم تعد المعلومة تنتظر صحيفة كي تظهر، ولا يحتاج تداولها إلى إذن من مؤسسة إعلامية. يكفي أن ينشرها شخص على منصة اجتماعية حتى تبدأ رحلة قد تنقلها خلال ساعات إلى ملايين المتابعين، داخل البلاد وخارجها.

ومع ذلك، لم تختفِ الرقابة، بل تغيرت طبيعة ما تسعى إلى التحكم فيه. فهي تدرك أن منع تداول المعلومات أصبح مهمة شبه مستحيلة، لكنها تحاول منع انتقالها من المجال الرقمي المفتوح إلى المجال الإعلامي المؤسسي. فثمة فارق في حساباتها بين أن يتداول الناس خبراً أو يناقشوا قضية على منصاتهم الخاصة، وبين أن تتصدر القضية الصحف والقنوات، وأن يتناولها صحافيون معروفون، وأن تتحول إلى موضوع للنقاش العام. فالمؤسسة الإعلامية لا تنقل المعلومة فحسب، بل تمنحها وزناً واعترافاً وتضعها في سياق يسمح بفهم أبعادها وتداعياتها.

من هنا يمكن فهم إصرار الرقابي على ممارسة الضغوط، حتى عندما تكون المادة التي يسعى إلى منعها متاحة للجميع. إنه لا يعتقد بالضرورة أنه قادر على إخفاء الحقيقة، وإنما يريد الحد من قدرتها على التحول إلى قضية عامة. كما أن تدخله لا يستهدف الصحافي الذي يكتب مادة بعينها فقط، بل يبعث برسالة إلى بقية العاملين في المؤسسات الإعلامية مفادها أن هناك مناطق ينبغي الابتعاد عنها. ومع مرور الوقت، لا تعود الرقابة بحاجة إلى إصدار تعليمات متكررة؛ إذ تتولى المؤسسات مراقبة نفسها، ويتعلم الصحافيون استباق ما قد يثير اعتراض الجهات الرقابية، فتتسع دائرة المحظورات من دون أن يصدر قرار رسمي بشأن كل موضوع.

ويجد هذا السلوك تبريراته في اعتبارات تبدو، في ظاهرها، مفهومة. فالحديث عن الأمن القومي، ومواجهة الشائعات، وحماية الاستقرار، ومنع التحريض، كلها مسائل لا يمكن الاستهانة بها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الاعتبارات إلى مظلة واسعة تحجب التمييز بين المعلومة التي قد يترتب على نشرها ضرر حقيقي، والمعلومة التي تسبب إحراجاً لمسؤول، أو تكشف خللاً إدارياً، أو تفتح باباً لنقاش لا تفضل السلطة خوضه. عندئذ تختلط حماية الدولة بحماية صورتها، ويصبح الحفاظ على الهدوء الإعلامي هدفاً يتقدم على معالجة أسباب القلق المجتمعي.

واللافت أن هذا النهج قد يحقق نجاحاً ظاهرياً، لكنه يراكم مشكلات يصعب احتواؤها لاحقاً. فعندما يكتشف المواطن أن قضية يتداولها الآلاف لا تجد طريقها إلى وسائل الإعلام، لا يتوقف بالضرورة عن البحث عنها، وإنما يبدأ في التشكيك في صدقية تلك الوسائل. ويصبح الصمت نفسه موضع تساؤل. وهكذا تخسر المؤسسات الإعلامية جزءاً من رصيدها المهني، بينما تنتقل قطاعات من الجمهور إلى مصادر بديلة لا تخضع بالضرورة لمعايير التحقق أو المسؤولية.

وثمة أثر آخر لا يقل خطورة، يتعلق بقدرة السلطة على معرفة حقيقة الأوضاع التي تديرها. فالبيئة التي تعاقب على نشر الأخبار غير المريحة تشجع المسؤولين على تجنب نقلها، وتدفع المؤسسات إلى تقديم صورة أكثر تفاؤلاً مما تسمح به الوقائع. ومع الوقت، قد تجد القيادة نفسها محاطة بتقارير مطمئنة، بينما تتراكم المشكلات خارج نطاق الرؤية الرسمية. فالرقابة التي يفترض أن تحمي استقرار النظام قد تحرمه من المعلومات اللازمة لتصحيح مساره.

والواقع أن قوة السلطة لا تقاس بقدرتها على منع الأخبار غير المرغوبة، بل بقدرتها على التعامل معها من دون أن تفقد تماسكها أو ثقة مواطنيها. فالمعلومة التي لا تجد طريقها إلى الصحافة لن تختفي بالضرورة، والقضية التي تغيب عن الشاشات قد تظل حاضرة بقوة في المجالس والمنصات والذاكرة العامة.