د. حسن أبو طالب
كاتب مصري، مستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
TT

الحرب المنتظرة في إيران... أهداف طموحة وعقبات أكبر

استمع إلى المقالة

عاش العالم في الأيام الماضية في ظل مؤشرات لحدث كبير وتداعيات خطرة، سواء كان الأمر قبل الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، أم بعدها. فالحرب كفكرة لحسم الصراع مع إيران بهدف انصياعها لشروط أميركا، متجذرة بقوة في عقيدة الرئيس دونالد ترمب، الذي يصرّ على أن مهاراته السياسية الخاصة تجعله أفضل من يؤسس لصفقات توفر موارد لا سقف لها للولايات المتحدة حصراً.

الحرب حين يتم التخطيط لها توضع لها أهداف؛ محدودة أو جوهرية. في الحالة الأميركية - الإيرانية، وكما أكدها الرئيس ترمب مرات عدّة، هناك عدد من الأهداف المعقولة وغير المعقولة: عدم امتلاك إيران أي أسلحة نووية، إضعاف النظام ليقبل بالشروط الأميركية للتسوية لاحقاً، وإسقاط النظام تماماً من دون توضيح ما هو النظام البديل المقبول أميركياً، والتخلص من قادته المتشددين، وفتح مضيق هرمز للملاحة الدولية من دون أي عقبات، وعزل إيران عن حلفائها المنتشرين في عدد من الدول العربية، وصفقات نفط متميزة لشركاء أميركيين كما هو الحال مع نظام ما بعد مادورو في فنزويلا.

قائمة طويلة من الأهداف التي تتغير بين أسبوع وآخر، تعني أن ثمة ارتباكاً استراتيجياً لدى البيت الأبيض في التعامل مع إيران سواء عبر الحرب أو عبر المفاوضات. وإذا دمجنا العامل الإسرائيلي في الحسابات الاستراتيجية الأميركية، التي يُصرّ عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويسعى إليها مع الرئيس ترمب، يبرز هدفا إسقاط النظام وتدمير كامل القدرات النووية الإيرانية. ومن المهم ملاحظة أمرين متداخلين؛ الأول يتعلق بالترويج الإسرائيلي لهدف إسقاط النظام الإيراني، باعتباره الآن في أضعف حالاته، ولكن المتشددين يتحكَّمون في القرار، وهم وفق نتنياهو يدبرون الإسراع في منظومة القنبلة النووية، والتي إن امتلكوها، سيعني دماراً لإسرائيل، ومن ثم وجب إسقاط النظام قبل أن تحدث الكارثة وفقاً لمنظومته الدعائية. الملاحظة الأخرى، تتعلق بالتركيز على مفهوم الحرب الاستباقية، كما في تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وكأنَّه يضع شنَّ الحرب من دون أي تردد، كملاذ آمن لنجاة إسرائيل. وهي الحرب التي تشنّها إسرائيل وفقاً لتقديراتها حول مخاطر كبرى يجب إجهاضها أولاً، سواء كانت هذه المخاطر تدعمها حقائق فعلية على الأرض، أم مجرد تكهنات واستنتاجات نظرية. الملاحظتان متداخلتان وتجسّدان أسلوب الترويج لشن الحرب بغض النظر عن التحفظات الأميركية.

بيد أن التحفظات الأميركية لها قوتها وتأثيرها، ليس على قرار الحرب وتدمير إيران وقدراتها النووية والبنية التحتية الإيرانية، ولكن على توقيت الحرب، وهنا ثلاثة توقيتات نظرية، أولها قبل الانتخابات الإسرائيلية ويبدو هذا التوقيت ذا حظ محدود، والثاني قبل الانتخابات الأميركية ويبدو محملاً بالتعقيدات والنتائج غير المحسوبة من قبيل ارتفاع هائل في أسعار النفط، ومن ثم قد يجلب انخفاضاً أكبر في حظوظ المرشحين الجمهوريين. وبالتالي فهو مستبعد. أما التوقيت الثالث، وهو الأكثر حظاً من سابقيه، ويعني شنَّ الحرب مشاركة بين إسرائيل وأميركا بعد الانتخابات النصفية. ويعني أيضاً أن هناك فرصة دقيقة للغاية لكي ينشط الوسطاء وكل القوى والدول التي مرشحة للضرر الأكبر في أن تعيد الاعتبار مرة أخرى للمفاوضات، وهي فرصة قائمة، لكنَّها لا تخلو من عقبات مريرة.

إيران بدورها تتعامل مع الحرب بصفتها قدراً محسوماً، تأمل في أن ينجح الوسطاء في إقناع الرئيس ترمب بأنَّ التسوية والتنازلات المتبادلة هي الخيار الأفضل للجانبين. لديها استعداد للتعامل مع الملف النووي بقدر من المرونة من دون أن تفقد المخزون النووي المخصب 60 في المائة. وهذا الأمر لا يرضي الرئيس ترمب ولا رئيس وزراء إسرائيل. وتلك عقدة كبرى، ربما تعكس تعدد مراكز القرار في طهران، ومع غياب المرشد مجتبى خامنئي عن إدارة البلاد، تبدو فرص الحرب أكبر. وهنا تراهن إيران على ثلاثة أمور، الأول أنَّ لديها، كما تقول، أسلحة أكثر فتكاً مما استخدمته من قبل، وسيكون لها وقع أكبر على القوات الأميركية وحلفائها، والثاني تهديد منظومة الاتصالات العالمية؛ إذ تمرّ سبعة خطوط لنقل البيانات بين الشرق والغرب أسفل مضيق هرمز، ومن اليسير وفقاً لـ«الحرس الثوري» الإيراني قطع تلك الخطوط، أو بعضها، وإغراق العالم في أزمة كبرى تتعلق بالاتصالات ومراكز البيانات والبنوك وشركات الطيران والبنية التحتية في العديد من الدول. ويذكر أنَّ إصلاح أحد خطوط الاتصالات بعد تعرضه للضرر يتطلب تدخلات فنية دقيقة، وبيئة آمنة تماماً. وهو ما تؤكد مصادر «الحرس الثوري» أنَّها لن تسمح به.

الأمر الثالث في الخطاب الإيراني يركز على قدرة المجتمع والمؤسسات على امتصاص الصدمات أياً كانت قوتها وحدتها. ويجسّد هذا البعد إدراكاً ضمنياً أنَّ الحرب المنتظرة سوف تؤدي إلى خسائر كبيرة للغاية، لكنَّها لن تُسقط النظام، وبالتالي ينهار أحد أهم وأكبر مبررات الحرب لدى واشنطن وتل أبيب معاً. ولا يخفي الخطاب الإيراني قدرتَه على توجيه الأذى إلى قوى أخرى في المحيط الإقليمي، بوصفه محفزاً لكثيرين للضغط على واشنطن للتخلي عن خيار الحرب.

هذه الخريطة من المواقف والمعادلات السياسية والاستراتيجية والدعائية، تضع الحرب حال حدوثها في نموذج خاص بها، سوف تجلب للأطراف المتورطة بعضاً من الفوائد، ولكنَّها تظل أقل مما يتم الترويج الدعائي إليه. وفي حال فطن أهل القرار في واشنطن بأنَّ تلك الحرب ذات تكاليف مادية وإنسانية واقتصادية واستراتيجية أكبر كثيراً ممَّا يتوقع تحقيقه بالفعل، فلربما تغيَّرت الحسابات وبدت أكثرَ عقلانية.