منذ نصفِ قرنٍ والحرب سجالٌ وبشكلٍ جدّي بين الدولة الأردنيّة ومنظّمات الإرهاب؛ خبرةٌ طويلة في مأسسة الحرب على الإرهاب، وجعل مكافحة هذا الداء جزءاً أساسياً من الأمن القومي الداخلي، وتصدير نتائجه المفيدة إلى دول الجوار، بل لدول الغرب.
فعلاوةً على الخبرات الأردنية في مجال الحرب على الإرهاب، والتي شكَّلت نواة تعاونٍ أردني إقليمي، ثمة تعاون ضخم متطوّر مع الولايات المتحدة في هذا المجال، وآخره إعلان تأسيس مركز متطوّر يتعاون فيه البلدان قبل قرابةٍ عقدٍ من الآن.
سبب ذلك أنَّ الأمن الأردني حجر زاويةٍ مهمة للإقليم والعالم. والإرهابيّون لا يجهلون ذلك، بل نعثر على تأكيدهم ضرورة تصديع البنيان الأردني، متَّبعين آليتين؛ أولاهما: استهداف مقدرات الدول، ومحاولة اختراقها أمنياً واستخبارياً بغية تحقيق أضخم عمليّات اختراقٍ تسهّل لها النفوذ نحو أهدافٍ حيويّة.
وثانيهما: ضرب اللُّحمة الوطنية، وعلينا أن ننتبه أن بعض الأصوات لحظة إعلان جريمة الكرك راح يعزف على وتر «القبيلة» في الأردن، وهي حيلةٌ إرهابيّة خبيثة، في حين التعايش الأردني بين القبائل والأديان عصيٌّ على الكسر، والأخطر مَن راح يوظّف رمزيّة مكان الجريمة (الكنيسة) ويومها (الجمعة). إنها حيل الإرهاب النظري الإعلامي الموازي للإرهاب الميداني الدموي الفتّاك.
والمدقق في شكل الجريمة الإرهابية يلحظ أنَّها نفّذت على الطريقة المعتمدة لدى التنظيمات الإرهابية، فهي نسخة من عشرات العمليات التي نُفّذت في دولٍ عربية، وفي تركيا وروسيا وأوروبا. إنه أسلوب «الذئاب المنفردة» التي تعتمد على معلوماتٍ سريعةٍ، تُنفّذ بناءً عليها ضرباتٍ موجعة.
وبغضّ النظر عمَّا إذا كانت المنظّمة الإرهابية ذات تاريخٍ مرصود كـ«القاعدة» و«داعش»، أو ربما نشهد منظّماتٍ وليدة تحمل الأفكار نفسها، وإنما بكوادر وصيغٍ وأدبياتٍ متحوّرة تبعاً للتطورات التي يشهدها الإقليم، ومهما كان المسمّى، فإنَّ النواة الأساسية الجامعة بين تلك التنظيمات والمؤسِّسة لها متقاربة وربما متناسخة، فكلُّ منظمةٍ، ومع كل عقدٍ من الزمان وأكثر، قادرةٌ على أن تلد أختها.
ولئن كان تاريخ الإرهاب في الإقليم والعالم يتشابه في بعض الوجوه، غير أن له استراتيجيته الخاصة في كل دولةٍ تبعاً للمصالح التي يريدها للتنظيم، ولأنَّ الأردن له موقعه الخاص جغرافياً، وأهميته المتفرّدة على دول الإقليم، فإنَّ الإرهاب جعل استهدافه من أولوياته، ويحاول إيجاد أكثر من ثغرةٍ من أجل استهدافه، بمعنى آخر فإنَّ أيّ نجاحٍ إرهابي في الأردن يعني نجاحه في استهداف كل حلفائه في الإقليم والعالم؛ لذلك وُصف حادث الكرك بأنه «زلزال»، لأنه لا يستهدف الكنيسة فحسب، وإنما هو بالأحرى إعلان «انبعاث» للعنف من جديد بعد سنواتٍ من «الكمون التكتيكي».
لقيت هذه الجماعات الإرهابية في الصراع الإقليمي الذي بدأ منذ ستة أشهرٍ تقريباً، عبر الضرب الأميركي والإسرائيلي لإيران، ومن ثم ارتدادات ذلك على دول الجوار، فرصةً مواتيةً لترتيب الصفوف من جديد من أجل إعلان الانبعاث.
ومع تصاعد الإرهاب الحوثي، وجدت الجماعات أنَّ كلَّ الظروف مواتية لبدء الهجوم على أسرعِ هدفٍ ممكن، من هنا كان اختيارهم للأردن له بعده الاستراتيجي والتنظيمي، لأنَّ الجريمة تحمل فكرتين؛ أنها نُفّذت في الأردن المحصّن، والصلب أمنياً واجتماعياً بوجه الإرهاب، وأنَّ المنظّمات السريّة والعلنيّة على اختلاف مذاهبها لن تترك الحوثي وحيداً، بل ستسانده في ممارساته الإرهابيّة الدمويّة.
الخلاصة؛ أنَّ جريمة «الكرك» لا بُدَّ من التمعّن فيها، وفي آثارها المتوقّعة على بقية الدول، فالإرهاب يحتفل الآنَ بإعادة صفوفه، ويعلن خروجه من الكهف إلى ساحاتِ النزال، وعلينا مواجهته بكل قوةٍ وصلابةٍ، فحادثة أليمة مثل مجزرة الكرك، ببصمات كلها تدلّ على التورّط الإرهابي المنظّم توجب علينا اليقظة التامة، فالإرهاب يُجدد جلده على رأسٍ كل عقدٍ أو عقدين من الزمان، بأسماء جديدة وعناوين متعددة، ولكن الأفكار الدموية الكارثية هيَ هيَ.
إنَّ الاستعداد الشامل هو السبيل الأمثل للنجاة بدولنا من هذه الوحوش الماكرة والمنظمات المارقة... والله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين.
