ليس في المقارنة تبريرٌ لأحد، لكنّ مشاهد الواجهات المحطّمة والمحالّ المنهوبة في باريس ومدن فرنسية أخرى خلال الأسابيع الأخيرة أعادت إلى ذاكرة العراقيين صورةً ظنّوها حكراً عليهم: بغداد في أبريل (نيسان) 2003، حين سقط النظام فسقطت معه هيبة الدولة، وانطلقت في العاصمة ومدنٍ كثيرة موجةُ سلبٍ طالت الوزارات والمستشفيات والجامعات، ولم تسلم منها خزائن المتحف الوطني ولا رفوف دار الكتب، يومها أطلق الناس على الناهبين اسم «الحواسم»، استعارةً ساخرة من «معركة الحواسم»، الاسم الذي أطلقه النظام على حربه الأخيرة.
ما بدأ في فرنسا بوصفه احتجاجاً طلابياً على أبواب مدارس الضواحي انتهى إلى فوضى عابرة للمدن، فعاد السؤال القديم بإلحاح: كيف تنكسر القشرة بهذه السهولة في بلدَين يقفان على إرثين من أعرق ما عرفته البشرية؛ بلاد الرافدين التي علّمت العالم الكتابة وسنّت أولى الشرائع، وفرنسا التي صدّرت إليه فلسفة الأنوار وإعلان حقوق الإنسان؟
المفارقة أنّ أشهر تفسيرٍ لهذه الظاهرة وُلد في باريس نفسها؛ ففي عام 1895 أصدر الطبيب الفرنسي غوستاف لوبون كتابه «سيكولوجية الجماهير»، وقرّر فيه أنّ الفرد حين يذوب في الحشد يهبط درجاتٍ في سلّم الحضارة؛ يتراجع فيه العقل ويتقدّم الانفعال، ويشعر بقوّة لا تُقهر وبمسؤوليةٍ لا وجود لها، وأضاف علم النفس الاجتماعي لاحقاً أنّ المرء حين يغيب وجهه في الزحام ويأمن المساءلة، يتحرّر من رقيبه الداخلي فيفعل ما لا يجرؤ عليه وحيداً.
غير أنّ علم النفس وحده لا يفسّر كلّ شيء، والشاهد نيويورك؛ ففي صيف 1977 انقطعت الكهرباء عن المدينة ليلاً ونهاراً، فاجتاح النهب أحياءها الفقيرة واشتعلت الحرائق في متاجرها، وكانت يومها تترنّح تحت أزمةٍ مالية خانقة وبطالةٍ واسعة، وفي صيف 2003 انقطعت الكهرباء عنها من جديد وعلى نطاقٍ أوسع، فمرّت الليلة هادئةً على نحوٍ لافت، المدينة هي المدينة، والظلام هو الظلام، لكنّ ما تغيّر هو ما بين الناس ومدينتهم، ثم تكرّر المشهد في لوس أنجليس عام 1992 وفي مدنٍ أميركية عديدة عام 2020: احتجاجٌ مشروع على ظلمٍ حقيقي يتسلّل إليه طلّاب الغنيمة.
من هنا تتّضح المعادلة: الامتناع عن النهب لا يقوم على ركيزةٍ واحدة، بل على ثلاث؛ دولةٌ حاضرة تردع، وعقدٌ اجتماعي يُشعر الفرد بأنّ المدينة مدينته وأنّ له فيها ما يخسره، وضميرٌ تربّى على أنّ الملك العام والخاص حرمةٌ لا فرصة، فإذا اختلّت ركيزةٌ حملت الأُخريان ثقلها، وإذا انهارت اثنتان لم تصمد الثالثة طويلاً.
على أنّ الأخطر من نهب الحشود أن تكون الدولة نفسها هي الناهبة، وتلك كانت تجربة العراق قبل 2003 بزمن؛ ففي حملات الأنفال سيّئة الصيت نُهبت القرى الكردية وأُحرقت بيوتها، ودُمّر كلّ ما يمكن أن يعيش عليه إنسان، ثم تكرّر المشهد في ربيع 1991، حين اجتاحت قوات النظام السابق أربيل ودهوك والسليمانية بعد الانتفاضة، ولوّحت بـ«العتاد الخاص»، الاسم المضلِّل للسلاح الكيماوي، فهجر ملايين الناس بيوتهم ومحالّهم إلى الجبال، ومنها إلى تركيا وإيران، وقضى كثيرون منهم تحت الثلج والصقيع، وأغلبهم من الأطفال والشيوخ. وخلفهم دخلت ميليشيات النظام ومعها قادمون من مدنٍ مجاورة، لتنفّذ واحدةً من أكبر عمليات السلب في تاريخ العراق.
لذلك حين جاء أبريل 2003 كانت الركائز منهارةً سلفاً، غابت الدولة تماماً، ووقفت القوات التي أسقطتها متفرّجةً إلا حيث رأت ما يستحق الحراسة، أمّا العقد الاجتماعي فقد أفسده الاستبداد الذي علّم الناس أنّ «المال العام» مال السلطة لا مال الوطن، وأنّ مؤسساتها أدوات قهرٍ لا مرافق خدمة، فلمّا سقط الحاكم بدا لبعضهم أنّ ما تركه غنيمةٌ مشاعة لا إرثٌ مشترك، وكانت سنوات الحصار قد أفقرت المجتمع وأنهكت منظومة قيمه، فالتقى المحتاج والانتهازي واللصّ المحترف في الشارع ذاته، ولم تبقَ «الحواسم» حدثاً عابراً، بل صارت ثقافةً انتقلت من نهب الأسلاك في الشوارع إلى نهب الموازنات في المكاتب؛ تبدّلت الأدوات وبقي المنطق: الدولة غنيمة، ومن سبق غنم.
أمّا في باريس فالدولة حاضرة بكامل أجهزتها، لكنّ الشرخ في موضعٍ آخر: في ضواحٍ يعيش كثيرٌ من شبابها على هامش مدينةٍ يرون أضواءها ولا يشعرون أنّهم من أهلها، وفي جيلٍ تشكّل وعيه على منصّاتٍ تكافئ الصورة الصادمة وتحوّل التخريب إلى عرضٍ يُبثّ مباشرة، وحين يرى الفتى في واجهة المتجر الفاخر رمزاً لعالمٍ أُقصي منه، يتحوّل كسرها في مخيّلته من جريمةٍ إلى «ثأر»، لكنّ فرنسا تملك مؤسسات قادرة على لملمة زجاجها المكسور ومحاسبة الفاعلين، في حين دفع العراق ثمن لياليه عقوداً، لأنّ الفراغ الذي صنعها لم تملأه دولةٌ حقيقية بعد.
وتفسير الظاهرة لا يعني تبريرها، فالفقر لا يصنع لصّاً بالضرورة، والتهميش لا يمنح أحداً حقّ إحراق متجر عائلةٍ كادحة لا ذنب لها في سياسات الحكومات، ومن ينهبون باسم الغضب يسيئون قبل غيرهم إلى قضايا المحتجّين الحقيقيين، الدرس الذي تقوله بغداد وباريس ونيويورك معاً أنّ الحضارة لا تحرس نفسها، فالمتاحف لا تعلّم زوّارها الامتناع، والجادّات الأنيقة لا تهذّب من يمشي فيها، وآلاف السنين من التاريخ لا تُورّث سلوكاً كما تُورّث الآثار، التحضّر بناءٌ يومي تشترك فيه دولةٌ عادلة تحمي ولا تنهب، ومدرسةٌ تربّي قبل أن تلقّن، ومجتمعٌ يُشعر أبناءه بأنَّ لهم فيه نصيباً يستحق الحماية.
الحضارة قد تُورّث، والمدنية قد تُكتسَب، لكنّ التحضّر لا يُقاس بما نملك، بل بما نمتنع عن فعله حين لا يرانا أحد.
