شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

الولادة ممنوعة في «الجبل المقدّس»

استمع إلى المقالة

لا أعرف زرقة أنقى وأشدّ كثافة من تلك التي تتراءى على صفحة المياه المحيطة بالسواحل الإغريقية. ولا مكاناً أكثر غرابة، وسحراً، من هذا «الجبل المقدّس» الذي يغرّز أقدامه في تلك المياه ويرتفع فوق شبه جزيرة آثوس الممتدة على أطراف منطقة مقدونيا الوسطى عند أقاصي الشمال اليوناني.

أوّل ما تقع العين عليه مع اقتراب السفينة من الساحل الوعر، تمثال من الرخام الأبيض لكبير الفلاسفة أرسطو، وخلفه مجموعة من الأديرة القديمة التي تتدلّى من منحدرات صخرية شاهقة، يعود معظمها إلى القرن التاسع الميلادي، يأوي إليها مئات الرهبان الأرثوذكسيين يقضون فيها الشطر الأخير من أعمارهم منصرفين إلى التأمل والابتهال، منتظرين ساعة الرحيل مثل الحيتان الهرمة.

في الأساطير، أن العذراء مريم زارت هذا الجبل، ثم أُعطي لها «حديقة وجنّة وملاذاً آمناً للباحثين عن الخلاص» يقول محدثي، وهو راهب يوناني قارب التسعين من العمر، وأمنيته في الدنيا أن يفارقها من هذا المكان الذي يعدّ واحداً من المراكز الروحانية الرئيسية للمذهب الأرثوذكسي عند المسيحيين، ومعقلاً منذ عقود للتيّار البيزنطي المناهض للفكر الغربي الذي يقود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حملة إيقاظه.

لكن غرابة هذا الجبل الذي تنتشر على صدره أديرة هي تحف معمارية تضمّ مجموعات من الأيقونات النفيسة والمخطوطات النادرة، تكمن في أن مساحته التي تمتد على 335 كيلومتراً مربعاً، هي المكان الوحيد في الاتحاد الأوروبي الذي تُمنع فيه الولادة؛ لأنه محظور كلياً على الإناث، بشرية كانت أو حيوانية.

يشرح محدثي الأسباب وراء هذا الحظر، فيقول: «يعود هذا التقليد إلى العصور الوسطى، ويهدف إلى الحفاظ على حياة الترهّب والتفرّغ للصلاة والتعبّد»، ثم يضيف: «آخر أنثى وطأت رجلاها هذا الجبل غير متنكرة كانت هيلانة، زوجة إمبراطور صربيا واليونان في عام 1347م».

عندما انضمّت اليونان إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية في عام 1979، طلبت منح هذا الجبل «وضعاً خاصاً» يتيح له الاحتفاظ بتقاليده الموروثة خارج منظومة القواعد المشتركة التي لا تجيز حظر أي مواطن أوروبي، أيّاً كان جنسه أو عرقه أو معتقده الديني، من دخول أي منطقة أوروبية. وبعد أشهر من المفاوضات العسيرة أعطي جبل آثوس والأديرة المنتشرة في محيطه هذا الوضع الخاص، وتُرك «تحديد التفاصيل إلى مرحلة لاحقة» ما زالت ممتدة حتى هذه الأيام. لكن الحركات النسائية لم يهدأ هدير احتجاجاتها منذ ذلك التاريخ، وهي الآن تطالب بإلغاء هذا الوضع الخاص والسماح للنساء بزيارة الجبل المقدس، مستندة إلى القرار الذي اتخذه الرهبان مؤخراً بالسماح لعشرات القطط الإناث بدخوله، من أجل القضاء على جحافل الجرذان التي انتشرت فيه، وأدّى إلى تكاثرها بسرعة.