لدينا معلومات مهمة عن عائلة الملك خوفو، صاحب الهرم الأكبر بالجيزة. أما مصادر معلوماتنا فهي المقابر التي أقيمت حول هرمه، والتي تخص أفراد أسرته وكبار رجال الدولة في عهده. وتعطينا هذه المقابر صورة واضحة عن الحياة في عصر الأسرة الرابعة، وعن مكانة أفراد العائلة الملكية، وعلاقتهم بالملك، وكذلك عن العقيدة المصرية القديمة.
وكان من المعروف أن الملك خوفو قد خصص المنطقة الواقعة شرق الهرم، والمعروفة باسم الجبانة الشرقية، لدفن أفراد عائلته، وبخاصة الملكات والأمراء والأميرات، زوجاته وأولاده وأحفاده، بينما خُصصت المنطقة الغربية لمقابر كبار رجال الدولة والموظفين. وقد شُيدت هذه المقابر وفق نظام معماري دقيق، يعكس المكانة الاجتماعية والدينية لأصحابها.
وتوجد إلى الشرق من الهرم الأكبر ثلاثة أهرامات صغيرة تُنسب إلى ملكات من عائلة خوفو، وبجوارها مجموعة من مقابر الأمراء والأميرات. وتكشف النقوش التي عُثر عليها داخل هذه المقابر عن أسماء بعض أفراد العائلة الملكية وألقابهم، وكذلك الوظائف الدينية والإدارية التي كانوا يقومون بها.
ومن أهم الاكتشافات التي تمت في منطقة الجيزة، الكشف عن مقبرة الملكة حتب حرس الأولى، زوجة الملك سنفرو وأم الملك خوفو، وهي من أهم الملكات في تاريخ الأسرة الرابعة. وقد عُثر على مقبرتها بالقرب من الهرم الأكبر، وكان هذا الكشف من أهم الأحداث في تاريخ علم الآثار المصرية.
وتعود قصة اكتشاف المقبرة إلى عام 1925، عندما كانت بعثة عالم الآثار الأميركي جورج رايزنر تعمل في منطقة الجيزة. وقد لاحظ أحد أفراد البعثة وجود موضع غير عادي في الأرض، وبعد إزالة الرمال والحفر، ظهر مدخل بئر عميقة تؤدي إلى حجرة دفن تحت الأرض. وقد استمر العمل في إزالة الأحجار والردم من داخل البئر، حتى استطاع الأثريون الوصول إلى حجرة الدفن التي احتوت على مجموعة رائعة من الأثاث الجنائزي، والأواني، والمقتنيات الخاصة بالملكة حتب حرس.
وكان من أهم ما عُثر عليه داخل المقبرة سرير ملكي وأثاث خشبي مغطى بالذهب، وكرسي محمول، إلى جانب أوانٍ من الألباستر، وصندوق يحتوي على حُلِي الملكة، ومنها أساور فضية مطعمة بأحجار ملونة. وقد كشفت هذه المجموعة عن المستوى الرفيع الذي وصلت إليه صناعة الأثاث والحُلي في عصر الأسرة الرابعة، وعن مهارة الفنان المصري القديم.
ومن أهم المفاجآت التي واجهت الأثريين، العثور على تابوت الملكة المصنوع من الألباستر، وكان التابوت مغلقاً، ولذلك اعتقد الجميع أن مومياء الملكة موجودة داخله. ولكن عندما فُتح التابوت كانت المفاجأة الكبرى أنه خالٍ، والمومياء ليست فيه!
وقد أثار هذا الكشف تساؤلات كثيرة بين علماء الآثار؛ خصوصاً أن الأثاث الجنائزي والمقتنيات كانت موجودة داخل المقبرة. فلماذا كان التابوت خالياً؟ وكانت بعض قطع الأثاث منقوشة بألقاب الملك سنفرو والملكة حتب حرس التي كانت أم ملك مصر العليا والسفلى وابنة الإله، كما عُثر على أختام طينية داخل صناديق خاصه بورشة الملك خوفو.
وقد وضع العلماء تفسيرات عدة لهذه الحادثة، منها أن الملكة دُفنت بدايةً في مكان آخر، وأن مقبرتها الأصلية تعرضت للسرقة، فنُقلت بعض مقتنياتها إلى الجيزة في عهد ابنها خوفو. وهناك تفسيرات أخرى تتعلق بطبيعة الدفن والظروف التي أحاطت بنقل الأثاث الجنائزي.
ولا تزال مقبرة الملكة حتب حرس من أهم الاكتشافات الأثرية التي تساعدنا على فهم تاريخ عائلة خوفو، كما تكشف عن أسرار الحياة الملكية في عصر بناة الأهرامات. وهذه الاكتشافات تؤكد أن الآثار المصرية لا تزال تحمل كثيراً من الأسرار، وأن كل كشف جديد يساعدنا على إعادة كتابة تاريخ مصر القديمة.
وتعرض مقتنيات الملكة الآن بالمتحف المصري الكبير.
