لسنواتٍ طويلة قدّمت طهران صواريخها ومسيّراتها بوصفها «ردّاً» على الوجود الأميركي في المنطقة، وأصدرت فصائلُها بياناتها تحت عنوانٍ واحد لا يتغيّر: استهداف القواعد والمصالح الأميركية. كانت تلك الذريعة غطاءً مريحاً يُخفي تحت عباءة «المقاومة» مشروعاً أوسع بكثير من مطاردةِ جنديٍّ أجنبي أو مهاجمةِ قاعدةٍ عسكرية، غير أن الأسابيع الأخيرة نزعت الغطاءَ كلّه، فما يجري في سماء المملكة العربية السعودية لا يحتمل تأويلاً: «مطار الملك خالد الدولي» في الرياض يُصاب ويشتعل فيه الحريق وتتوقّف فيه الملاحة، و«مطار الدمام» تضطرب رحلاته، ومن قبلهما مطارا أبها ونجران، ومنشآت «أرامكو» في جازان وأبها ونجران... لا قاعدة أميركية هنا، ولا جنديّاً أميركياً هناك، بل مسافرون وعمّال ومنشآتُ طاقةٍ يقوم عليها اقتصاد بلدٍ وأرزاق ملايين. ولم يُخفِ الحوثيون الأمر أصلاً، فقد أعلن زعيمهم معادلته دون مواربة: المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار، وكلّ منشأةٍ نفطية أو حيوية في المملكة هدفٌ لصواريخه... هذه ليست لغةَ حركةٍ تقاوم احتلالاً، بل لغة من يحتجز الاقتصاد رهينة، ويحوّل البنية المدنية ورقةَ ضغطٍ في حربٍ لا تخصّ اليمنيين بقدر ما تخصّ طهران وحساباتها. وعاد اليمن جبهةً من جبهات المواجهة الإيرانية - الأميركية، يدفع أهلُه ثمنَها من دمهم وخبزهم. والضحيّةُ الأولى في ذلك كلّه هو اليمنيّ نفسه، فكلّ مطارٍ سعوديٍّ يُقصف يعني مطاراً يمنياً يُغلق في المقابل، وكلّ ناقلةٍ تُستهدف في البحر الأحمر تعني غذاءً ودواءً يتأخّران عن موانئ بلدٍ يعيش واحدةً من أقسى الكوارث الإنسانية في عصرنا.
ولم يسأل أحدٌ في صنعاء أهلَها إن كانوا يريدون أن يصيروا خطّ الدفاع الأول عن حسابات طهران وبرنامجها النووي، ولا إن كانت لقمةُ أطفالهم ثمناً مقبولاً لرسائل تُكتب في غرف «الحرس الثوري». لكن من عاش في كردستان لا يفاجئه شيءٌ من هذا، فما تراه الرياض اليوم رآه الإقليم قبلها بأشهر، وبالذريعة ذاتها، فمنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، تعرّض الإقليم لمئات الهجمات بالصواريخ والمسيّرات، جاء بعضها من إيران مباشرةً، وأكثرها من فصائل تأتمر بأمرها، كانت البيانات تتحدّث دائماً عن «قواعد أميركية»، بينما كانت الأهداف على الأرض شيئاً آخر تماماً: حقلُ «كورمور» للغاز الذي توقّف إنتاجه فانقطعت الكهرباء عن البيوت وارتفعت أسعار الغاز المنزلي، ومصفاةُ «لاناز» في أربيل التي التهمتها النيران، وحقولُ نفطٍ اضطرّت شركاتٌ أجنبية إلى وقف الإنتاج فيها، ومطارُ أربيل الذي سقط عند بوابته موظّفُ أمنٍ أبٌ لطفلين، وفندقٌ في قلب المدينة استُهدف لأن نزلاءه من الأجانب، وبيوتٌ في أحياء سكنية تساقطت عليها شظايا المسيّرات... فأيُّ مصلحةٍ أميركية في مصفاةٍ تُنتج الوقود للسوق المحلية؟ وأيّ قاعدةٍ عسكرية في بيتٍ آمن بحيّ كاريزان؟ ثم جاء الاختبار الأوضح... ففي 30 سبتمبر (أيلول) الماضي أنجز «التحالف الدولي» انسحابه من العراق، بما فيه إقليم كردستان، واحتفلت بغداد بما سمّته «يوم السيادة». وبمنطق الذريعة؛ فقد كان ينبغي أن ينتهي كلّ شيء: رحل الأميركيون، فلتُسلَّم البنادق إلى الدولة، لكن الفصائل أعلنت أنها غير ملزَمة بأيّ جدولٍ زمني أو اتفاق، واضطرّت الحكومة إلى ترحيل الموعد إلى منتصف العام المقبل. فإذا لم يكن الأميركي هو المشكلة، فما وظيفة هذا السلاح إذن؟ الجواب لا يحتاج إلى كثير اجتهاد، فهذه الأذرع لم تُبنَ لمقاتلة أميركا، بل لإخضاع الجوار؛ هدفُها الحقيقي هو الدولةُ الناجحة، والاقتصادُ المستقرّ، والنموذجُ الذي يُحرج نموذجها: إقليمٌ يجتذب الشركات والمستثمرين وينجو من الحروب مرّةً بعد أخرى، ومملكةٌ تمضي في مشروعٍ تنمويٍّ واسع وتفتح أبوابها للعالم، وكلاهما نقيضُ ما تعرضه طهران على المنطقة:
دولٌ محاصَرة باقتصاد الحرب، ومجتمعاتٌ معلّقة على الشعارات؛ ولذلك لا يُستهدَف الجنديّ، بل المصفاة والمطار والفندق؛ لأن الغاية ضربُ الثقة، وتخويفُ المستثمر، ورفعُ تكلفة الاستقرار حتى يصير الخوفُ هو القاعدةَ، والأمانُ هو الاستثناء. وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية التي تُسقط الخطاب كلّه، فمن يرفع شعار مواجهة «الاستكبار» لا يجد في طريقه إلا المدنيين، ومسافراً في صالة مطار، وعاملاً في مصفاة، وأسرةً في بيتها، وحارساً عند بوابة، أما الخصم المُعلَن فيبقى في الغالب خارج دائرة النار، أو تُدار معه الاشتباكات بحسابٍ دقيق يمنع الانزلاق إلى مواجهةٍ حقيقية لا تحتملها طهران. هكذا تتحوّل «المقاومة» مهنة: عداءٌ صاخبٌ لعدوٍّ بعيد، وضرباتٌ موجعة لجارٍ قريب، والأخطر أنها تمزّق ما تبقّى من النسيج الإسلامي نفسه، فطهران، التي تقدّم نفسها حارسةً للأمّة، تقصف دولاً مسلمةً مسالمة لا شأن لها بصراعاتها الداخلية ولا بخصومتها مع واشنطن، فتزرع بين الشعوب ضغائنَ وثاراتٍ طائفيةً ستعيش أطول من أيّ حرب.
إن ما يجري من أربيل إلى الرياض ليس سلسلة حوادث متفرّقة، بل نمطٌ واحد بأدواتٍ متعدّدة وعنوانٍ واحد، والدرسُ الذي ينبغي أن تخرج به المنطقة هو أن معركة هذه الأذرع ليست مع واشنطن، بل مع فكرة الدولة نفسها، ولن يكفي الاعتراض الجوّي؛ على أهميته، لإغلاق هذا الملف، فالمطلوب موقفٌ إقليميٌّ ودوليٌّ يسمِّي الأشياء بأسمائها، ويحمّل الراعي مسؤولية ما يفعله الوكيل، ولا يفرّق بين صاروخٍ يُطلَق من صعدة ومسيّرةٍ تنطلق من أطراف بغداد. وكما أنه لم يعد مقبولاً أن يُعامَل الإقليم ساحةً مستباحةً لأن على أرضه ضيوفاً أجانب، فإنه ينبغي ألا تُعامَل المملكة على أنها «هدف مشروع» لأنها اختارت حلفاءها بنفسها. لقد سقطت الذريعة، ولم يبقَ إلا أن نكفّ عن تصديقها.
