مأمون فندي
أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورجتاون سابقاً، ويعمل الآن مديراً لمعهد لندن للدراسات الاستراتيجية. كتب في صحف عديدة منها «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» و«فاينانشال تايمز» و«الغاردين» وبشكل منتظم في «كريستيان ساينس مونوتور»، و«الشرق الاوسط». له كتب عديدة بالإنجليزية والعربية آخرها كتاب «العمران والسياسية: نظرية في تفسير التخلف 2022».
TT

دور مصري إقليمي جديد؟

استمع إلى المقالة

في كلمته أمام الأكاديمية العسكرية، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي استعدادَ مصرَ للدفاع عن المملكة العربية السعودية، قائلاً: «طبقاً لتوجيهات الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، سأنفذ أي إجراء لحمايتكم أو الدفاع عنكم. هذا الموضوع يتطلَّب تصديقاً من البرلمان المصري، وأرجو أن ينعقدَ البرلمان في جلسة طارئة حتى يعطيَنا هذا التفويض إذا طُلب منا». وجوهر حديث الرئيس كان عن الدفاع وليس الهجوم. البرلمان سيمنح الرئيس التفويضَ الذي يريده. لكن السؤالَ الأهم: هل نحن أمام بداية دور إقليمي مصري جديد، أم تفعيل لمفهوم تاريخي للأمن القومي يرى أمنَ الخليج، والسعودية خصوصاً، امتداداً للأمن المصري؟

يظن البعض أنَّ الحضورَ العسكري المصري في الخليج بدأ مع حرب تحرير الكويت عام 1991، حين أرسل الرئيس الأسبق حسني مبارك قواتٍ مصرية ضمن التحالف العربي المتمركز حينها في المملكة العربية السعودية، لكنَّ الأمرَ أقدم من ذلك. فعندما هدَّد رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم بضمّ الكويت بعد استقلالها عام 1961، أرسل جمال عبد الناصر قواتٍ مصرية ضمن قوة عربية تحت مظلة جامعة الدول العربية، للمساهمة في حماية استقلال الكويت وردع التهديد. كانَ الهدف منع الضم بالقوة دون العودة إلى الحماية البريطانية. وبعد ثلاثة عقود، شارك حسني مبارك بقوات مصرية كبيرة في التحالف الذي حرَّر الكويت من الاحتلال الصدامي. واليوم، يؤكد الرئيس السيسي استعداده للدفاع عن السعودية. هنا نحن أمام استمرارية تمتد من عبد الناصر مروراً بمبارك وصولاً إلى السيسي. تبدلت القيادات، لكن أمن الخليج ظلَّ ثابتاً في الحسابات الاستراتيجية المصرية.

إذن، الجديد في حديث الرئيس السيسي ليس المبدأ، بل تغير طبيعة التهديد. ففي عام 1961، كان الخطر مطالبة دولة بضم أخرى، وفي عام 1990 كان احتلالاً عسكرياً مباشراً. أما اليوم، فتتداخل الدول والميليشيات، وتسمح الصواريخ والطائرات المسيّرة لجماعات مسلحة خارج أطر الدول بإلحاق أضرار استراتيجية بدول تفوقها قوة. التهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر أخلَّ بوظيفته التجارية، وحوّله إلى ساحة اختبار يومي لقدرة الدول على حماية مصالحها.

وإذا نظرت إلى الأمر من هذه الزاوية، ترى أن الأمن السعودي والأمن المصري أصبحا كتوأمين ملتصقين مادياً لا خطابياً. فقد أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في تصريحات سابقة، أنَّ إيرادات قناة السويس تراجعت بما يقرب من 6.7 مليار دولار، وفي هذا مساس بالاقتصاد المصري بشكل مباشر ومؤلم. هذا المبلغ ليس تكلفة تضامن مع حليف، وإنَّما ثمن تدفعه مصر بالفعل نتيجة اضطراب البيئة الإقليمية. وحين تستطيع جماعة الحوثي إرباكَ هذا المورد الحيوي، يصبح أمن باب المندب جزءاً مباشراً من الأمن الاقتصادي المصري.

ومع ذلك، يبقى الاستعداد للتدخل لحماية المملكة شيئاً، وصياغة نظام أمني جديد شيئاً آخر. فطلب السيسي تفويضاً برلمانياً يمكن قراءته بوصفه رسالة ردع للخصوم: ثمة استعداد سياسي ومؤسسي للتحرك العسكري إذا اقتضت الضرورة. والردع لا ينجح فقط حين تُستخدم القوة، بل حين يقتنع الطرف الآخر بأن استخدامها مشروع وممكن ومكلف أيضاً.

الحروب دائماً لا تتحرك وفق خطط الحكومات. فقد يؤدي حادث غير محسوب، مثل استهداف سفينتين بطائرة مسيّرة في ميناء دمياط، إلى توسيع نطاق المواجهة من دون قرار أصلي بالتوسع. وأرجح أن الرئيس المصري يتحسب لهذا النوع من التصعيد غير المقصود، وربما يمثل طلب التفويض استعداداً لاحتمالات تتجاوز المهمة الدفاعية المعلنة.

يبقى الاختبار الأوسع هنا هو قدرة مصر على تحويل ثقلها العسكري إلى تأثير سياسي مستدام، في ظل أعبائها الاقتصادية وضغوط تهديدات أخرى على حدودها في السودان وليبيا وغزة والبحر الأحمر. فالقوة العسكرية توفر إمكانية الحضور، لكنَّها لا تكفي وحدها؛ فتلك تحتاج إلى اقتصاد قادر ودبلوماسية تضع قواعد للتوازن الإقليمي. والشراكة السعودية المصرية قد تخفف من هذا العبء.

ومن عبد الناصر إلى مبارك ثم السيسي، ليس السؤال ما إذا كانت مصر تعود إلى الخليج؛ فهي لم تغب عنه استراتيجياً. السؤال: هل تنتقل من الدفاع عن توازنات الإقليم القائمة إلى المساهمة في صياغة توازنات جديدة؟ الدور الإقليمي لا يُقاس بعدد القوات التي يمكن إرسالها، بل بالقدرة على بناء أمن يجعل إرسالها أقل ضرورة. والقول المعهود هو أن الأمة تطير بجناحين: مصر والمملكة العربية السعودية. فهل ستبدأ خطة الطيران بعد هذا التفويض؟