د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

هل يحتضر المقال السياسي؟

استمع إلى المقالة

ما زال بعضنا يتذكر تلك الأيام. كان هذا منذ أكثر من عقدين. تَصدر الصحيفة في نهاية المساء، فيتلقّفها الناس مع إرهاصات الصباح الأولى، ويبحثون عن زاوية مُعينة تحمل اسماً لامعاً يعرفه الجميع، ويحرصون على متابعة ما يُكتَب؛ لأنه يحمل تحليلاً يضيء لهم زاويا مُلتبسة، أو يقترح حلاً لمشكلة تؤرّق الدولة والمجتمع، أو يطرح فكرة ستقود لاحقاً قطاعاً من الرأي العام.

يحدث شيء من ذلك حتى اليوم، لكن بنُدرة لافتة، وإذا حدث فإنه لا يستمر طويلاً، لأن أشياء كثيرة قد تغيّرت، فلم يعُد كاتب المقال كما كان؛ إذ تقلّص نفوذه، وتراجع تأثيره، وخفتت شهرته.

وعلى عكس ما يظن كثيرون، فإن مواهب الكتابة لم تتراجع، وأصحاب الرأي والنظر والقدرات اللغوية الفائقة، بل والشجاعة الأدبية، لم يندثروا، وحرص الجمهور على التزوّد بالآراء لم ينقطع، لكن بيئة التلقّي تغيّرت، وكان ذلك التغيّر فارقاً وحاداً.

ومن أول معالم ذلك التغيّر أن النفوذ انتقل من الصحافة إلى المنصّات الجديدة خلال العقدين الفائتين؛ فرغم وجود عدد من الصحف النافذة المرموقة في عديد المجتمعات حول العالم، فإن نفوذ هذه الصحف تراجع، ليس فقط أمام قوة التلفزيون وسحره وفوريّته، ولكن أيضاً أمام سلطة المنصّات الرقمية الآخذة في التغوّل والاتساع.

ستؤكد نتائج الدراسات والأبحاث الموثوقة هذا التوجّه باطراد، وستشير دراسات التلقي، والاستطلاعات عن مصادر التزود بالأخبار، بوضوح، إلى أن الصحف باتت في ذيل القائمة، وأن التلفزيون الإخباري يحتلّ المكانة الثانية، أما المنصّات الرقمية، وشاهدها الأعلى صوتاً (وسائل التواصل الاجتماعي)، فتتربّع على رأس القائمة بثبات.

ولأن الناس يتزوّدون بالأخبار والأفكار والصور والانطباعات أولاً من المنصّات الرقمية، وعلى رأسها وسائل «التواصل الاجتماعي»، فإن ذلك يجري وفق منطق عمل تلك الأخيرة ودينامياتها المُعقدة؛ فهي لا تفضل النص المُطول، والفكرة المُركبة، والبراهين المتراكمة المدروسة، والاختيار المنضبط للغة التعبير، والمواقف المتوازنة والموضوعية، بينما تكافئ كل ما هو عكس ذلك.

تُقصي تلك المنصات فكرة البوابة المركزية وتحاربها بشراسة، لأنها تزدهر في الفضاء المُوزع المُتفتت. وينتعش أنموذج أعمالها كلما كان الجمهور متفرّقاً في جزر منعزلة. تدرك هي أبعاد كل جزيرة، وتشخّص احتياجات جمهورها بدقّة، وتقرأ مزاجه بتمعّن، ثم تسرف في تلبية احتياجاته، حتى ولو لم تكن تلك الاحتياجات معيارية أو موضوعية.

ثم إن النُّدرة في التفكير والتعبير العلنيين تراجعت بحدّة. فكل من يملك هاتفاً ذكياً موصولاً بالإنترنت بات قادراً على التفكير العلني والتعبير العلني.

لم يعُد الأمر مقتصراً على كاتب مشهود له بالعقل الراجح أو النظر الثاقب، أو تكنوقراطي ذي خبرة عريضة موثوقة، أو مثقّف بذل عمره في فهم أحوال العالم وقضاياه، بل أضحى كل شخص يدوّن على حسابه الشخصي في منصة التواصل منافساً في هذا المضمار الذي لا حدود له ولا قواعد.

ليس ذلك فقط، لكن السلعة الرائجة لم تعُد الفكرة النابهة، أو التحليل الرصين المُحكم، أو المعلومة الفارقة، بل... الانتباه. أي القدرة على لفت انتباه الناس، بالعبارة الحادة الصادمة، وبالموقف المتشنّج المتعصّب، أو بالصوت العالي والكثير من الصخب.

تَراجع دور الصحافة كوسيط حصري. فالصحيفة المؤسّسية كانت «تفلتر» أسماء الكتّاب والراغبين في الكتابة، وتمنح المساحة لمن ترى أنه يستحقها، وتستخدم طيفاً عريضاً من إمكانات الترويج والتأطير لكي تُبرز ما يقول وتروّج له.

الجمهور أيضاً تجزّأ.

تفتّت في جزره المنعزلة بفعل الخوارزميات. وراح كل قطاع منه ينضم إلى مجموعة لا تحفل بما يشغل المجال العام بالضرورة، ولا تُفرق بين ما هو أولوية موضوعية... وما هو طلب للتسرية ومخاطبة العواطف.

لم تعد الجودة، وما يصاحبها من جهد خاص وإبداع وابتكار، تحظى بطلب كاف.

انقطعت الصلة بين الجودة والانتشار.

الغث يجد طريقه مُمهداً للرواج والتفاعل إذا لبى مطالب الانتباه، والسمين يُقصى وينزوي إذا لم يكن صاخباً وحاداً وغير مألوف بما يكفي.

سُلطة المؤسسة الصحافية لم تعُد تعمل لصالح الكاتب. فلديها حدود وقيود ومصالح، وبسبب هذه الالتزامات، فإن كاتب المقال في المنصة المؤسسية سيكتفي بكتابة رُبع ما يعرف، ونصف ما يرى، والقليل مما يعتقد أن قوله ضرورة، أما المدوِّن على حسابه، فحساباته أبسط بكثير، وروادعه نادرة، وإمكانيات تنصّله مما قاله سانحة، وعبء المسؤولية عن آرائه سيتحمّله وحده، وفي أحيان كثيرة لن يكون بوسع أحد ملاحقته أو محاسبته عمّا يقول.

ما زالت الصحف الكبيرة الرائعة تصدر، والكتاب المميّزون يكتبون وينشرون، والجمهور يقرأ، لكن هذا يحدث على نطاق أضيق، وبتأثير أقل، وبتراجع مُطرد.

هل يُحتضر المقال السياسي في الصحيفة المؤسسية؟ وهل يخرج كاتب المقال المؤثر من التاريخ؟ ليس بعد. لكن الأمور إذا مضت كما تمضي الآن، فإن ذلك سيحدث في وقت ليس بعيداً.