شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

صقلّية... جذور الحضارة العربية العائمة في البحر المتوسط

استمع إلى المقالة

جرت العادة بين الباحثين في تاريخ إيطاليا الثقافي والاجتماعي والفني، أن يركزوا على المدن التي شهدت انطلاق عصر النهضة وانتشاره منها إلى الحواضر الأوروبية عند مطالع القرن الخامس عشر. ويجنح معظمهم، عمداً في غالب الأحيان، إلى التعتيم على الدور الأساسي الذي لعبته جزيرة صقلّية في توفير الأرض الخصبة لذلك الانبعاث الحضاري الذي كان بوابة خروج الغرب من ديجور العصور الوسطى إلى العصر الحديث.

صقلّية هي أكبر الجزر في البحر المتوسط، وكلمة السر التي من دونها تستعصي قراءة المجتمع الإيطالي وتعقيداته التي وسمت سلوكه المدني وتشكّلت منها ملامح صورته الشائعة. لكنها أيضاً، وقبل أي شيء آخر، أحد الموائل الرئيسية للتلاقح الحضاري والثقافي عبر التاريخ، تعاقب عليها الإغريق والرومان بعد قرون من الوجود الفينيقي، وتركوا فيها بصمات لا تزال جليّة إلى اليوم، ثم خضعت طيلة قرنين ونيّف لحكم ثلاث سلالات عربية تركت فيها آثاراً عميقة جعلت منها لؤلؤة حضارية مشعّة في بحر كان ما زال يعجّ بالظلمات.

كان الأغالبة هم السلالة المسلمة الأولى التي حكمت صقلّية من أواخر الربع الأول من القرن التاسع حتى مطالع القرن العاشر، بعد أن أحكموا سيطرتهم على شمال أفريقيا من قاعدتهم في القيروان، وشنّوا هجوماً بحرياً واسعاً على الجزيرة بمساعدة قائد محلي كان يريد التخلص من الحكم البيزنطي. وحملوا معهم الحمضيات ذائعة الصيت اليوم في صقلّية، مثل البرتقال المر والليمون، وجاءوا بزراعة قصب السكر والقطن، والتوت الذي كان يُستخدم لتربية دود الحرير التي انتقلت بعد ذلك إلى توسكانة، وأصبحت من أبرز مفاخرها الصناعية. وحمل الأغالبة معهم منظومات الري عبر القنوات الجوفية الشهيرة، والنواعير، وتحولت الجزيرة على أيامهم الى «بستان عائم» كما في قول المؤرخين، وانتقلت معهم باليرمو من مدينة بيزنطية نائمة إلى حاضرة متعددة الأعراق والثقافات ومنارة علمية في البحر المتوسط.

بعد الأغالبة خضعت صقلّية لسيطرة الفاطميين حتى أواسط القرن العاشر، وكانت دولتهم تمتد من شمال أفريقيا حتى أقاصي مصر. وأصبحت الجزيرة على عهدهم السوق التجارية الأولى في المتوسط، تقصدها السفن المحملة بالتوابل والأنسجة النفيسة والمنتوجات الزجاجية الفاخرة، بينما كانت علوم الفلك والطب والرياضيات والآداب تزدهر في مدارسها.

ثم جاءت الدولة الزيرية، وهي سلالة أمازيغية كان لها دور كبير في نشر الثقافة الإسلامية والعربية في الجزيرة التي بسطت سيطرتها عليها حتى منتصف القرن الحادي عشر.

خلال فترة الحكم الإسلامي أصبحت باليرمو واحدة من أكبر المدن الأوروبية، وكانت تنافس قرطبة والقاهرة بمساجدها وحدائقها ومكتباتها، بينما كانت أسواقها تعجّ بالتجار من كل أنحاء المعمورة يقصدونها بحثاً عن البضائع النفيسة والنادرة. وكانت مدارسها تستقطب الباحثين والعلماء من شتى أرجاء العالم الإسلامي.