زاهي حواس
عالم آثار مصري وخبير متخصص بها، له اكتشافات أثرية كثيرة. شغل منصب وزير دولة لشؤون الآثار. متحصل على دبلوم في علم المصريات من جامعة القاهرة. نال درجة الماجستير في علم المصريات والآثار السورية الفلسطينية عام 1983، والدكتوراه في علم المصريات عام 1987. يكتب عموداً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» حول الآثار في المنطقة.
TT

مقبرة الجميلة نفرتاري

استمع إلى المقالة

عندما نُسأل: ما هي المقبرة التي كُشفت كاملة، ولم يدخلها اللصوص في العصور القديمة؟ تكون الإجابة: مقبرة الملك توت عنخ آمون، التي كُشفت عام 1922، وعُثر داخلها على 5398 قطعة من روائع الكنوز الأثرية. وعندما نُسأل: ما هي أجمل مقبرة كُشفت، وبها مناظر دينية وجنائزية رائعة الجمال؟ هنا تكون الإجابة: مقبرة الملكة نفرتاري، الزوجة الرئيسية للملك رمسيس الثاني، الذي بنى لها أيضاً معبداً بجوار معبده في أبو سمبل، وارتبط اسمها بالحب والجمال، إضافة إلى مقبرتها الرائعة في وادي الملكات بالأقصر.

وقد حدث معي حادث غريب منذ سنوات عندما كنت أقف أمام مدخل مقبرة الملكة نفرتاري في وادي الملكات، وفوجئت بسيدة تخرج من المقبرة وهي تبكي وتنتحب بصوت عالٍ. وحاولت أن أهدئها، وأن أعرف سبب ما ألمَّ بها في المقبرة؟ واندهشت عندما علمت أن ما شاهدته من جمال داخل المقبرة هو الذي جعلها تتأثر إلى هذه الدرجة!

عادت الجميلة نفرتاري لتتصدر الاهتمام من جديد، حيث أقام الجانبان الإيطالي والمصري احتفالاً مهماً بمناسبة التعاون المصري - الإيطالي المرتبط بهذه المقبرة، خصوصاً أن الذي كشف عن المقبرة هو الأثري الإيطالي إرنستو شيباريلي. أما اللذان قاما بأعمال ترميم هذه المقبرة، فهما المرممان الإيطاليان باولو مورا وزوجته لورا، وقد كان لهما دور مهم في الحفاظ على مناظر المقبرة الرائعة، وألوانها المذهلة. أُقيم الاحتفال بحضور عدد من المسؤولين المصريين والإيطاليين، وكان مناسبة مهمة للحديث عن التعاون الأثري بين مصر وإيطاليا، وعن الدور الذي قام به العلماء والمرممون الإيطاليون في الحفاظ على مقبرة نفرتاري.

وقد قام السفير الإيطالي، الذي تولَّى منصبه في مصر منذ فترة قصيرة، بالحديث عن التعاون الأثري بين مصر وإيطاليا، لأن هذا التعاون له تاريخ طويل، بدأ منذ أن قام الأثري الإيطالي إرنستو شيباريلي عام 1904 بالعمل في وادي الملكات، وعثر هناك على العديد من المقابر الخاصة بأبناء الملك رمسيس الثاني، وكذلك على مقبرة زوجة الملك الرئيسية، الجميلة نفرتاري، التي لا تُعد فقط أجمل مقابر وادي الملكات، بل أجمل مقبرة تم عملها لملكة من ملكات العالم القديم.

وعندما كُشفت المقبرة، وُجدت بها قطع أثرية قليلة جداً، لأن المقبرة حيث كانت قد تعرضت للسرقة في العصور القديمة، ولكن جمالها الحقيقي كان في مناظرها ونقوشها الملونة التي تغطي الجدران. ومع مرور الزمن تعرضت المقبرة إلى مشكلات عديدة، وبدأت تظهر تشققات داخل المناظر، كما أثَّرت الأملاح على النقوش والألوان الموجودة على الجدران.

وبعد ذلك، وفي عام 1988، تقدم الرجل العظيم لويس مونريال بمشروع مهم لإنقاذ المقبرة وترميمها، واستطاع أن يتعاون مع المرمم الإيطالي باولو مورا، الذي جاء إلى مصر ومعه فريق للعمل داخل المقبرة. وكان الهدف هو إنقاذ مناظر نفرتاري وإعادة المقبرة إلى حالتها التي تسمح بالحفاظ عليها للأجيال القادمة. وقد بدأت أعمال دقيقة جداً من أجل تثبيت المناظر والألوان ومعالجة ما أصاب جدران المقبرة من تلف.

وبعد الانتهاء من أعمال الكشف والترميم، عادت المقبرة مرة أخرى لتكشف عن جمالها، وظلَّت مقبرة نفرتاري واحدة من أعظم كنوز الفن المصري القديم، وشاهداً على عبقرية الفنان المصري الذي استطاع أن يحول جدران المقبرة إلى لوحة فنية متكاملة من الألوان والمناظر.