في تقرير نشرته بداية العام، سألت شركة «ماكنزي» هذا العام أكثر من 10 آلاف مدير تنفيذي في 15 دولة عن الذكاء الاصطناعي، فجاء الجواب على صورة رقمين يكاد أحدهما ينفي الآخر، الأول 88 في المائة من مؤسساتهم تستخدمه في جزء من أعمالها على الأقل، والآخر 81 في المائة منها لا ترى له أثراً يُذكر في أرباحها. بذلك فإن التقنية موجودة في «الإيميل» والاجتماعات والتقارير، وفي كل مكان إلا في السطر الأخير من الميزانية.
وقد يبدو هذا اكتشافاً جديداً؛ لكنه في الحقيقة أقدم مما نظن. فقبل نحو 40 عاماً كتب روبرت سولو، الحائز على «نوبل»، جملته التي صارت مثلاً: «إننا نرى عصر الحاسوب في كل مكان إلا في إحصاءات الإنتاجية، فإذا كانت الآلة الجديدة في كل مكتب، فلماذا لا تظهر في الحسابات؟ ومن يدفع ثمن هذا التأخير؟».
الجواب الأول من التاريخ، وهو أن الفجوة ليست وهماً؛ بل ظاهرة تتكرر مع كل تقنية كبرى، فالمحرك الكهربائي دخل المصانع الأميركية في ثمانينيات القرن التاسع عشر، ولم ترتفع إنتاجية الصناعة ارتفاعاً يُلحَظ إلا بعد نحو 40 عاماً، كما بيَّن المؤرخ الاقتصادي بول ديفيد، والسبب أن أصحاب المصانع اشتروا المحرك الكهربائي ووضعوه في المكان الذي كانت تقف فيه الآلة البخارية، وأبقوا المصنع كما هو بطوابقه وأعمدته وسيوره التي تنقل الحركة من محرك مركزي واحد، ولم تظهر الثمرة إلا حين هُدم ذلك التصميم كله، وبُني المصنع من جديد على طابق واحد، لكل آلة فيه محركها الصغير، ثم تكررت القصة مع الحاسوب الذي ملأ المكاتب في السبعينيات والثمانينيات، ولم يظهر في أرقام الإنتاجية إلا في منتصف التسعينيات. المصنع الذي اشترى المحرك الكهربائي وأبقاه في مكان الآلة البخارية هو صورة ما يحدث اليوم في كثير من الشركات: تشتري التقنية، ولا تغيِّر طريقة العمل حولها.
أما الجواب الثاني فمن الاقتصاد، ويفسر لماذا يطول الانتظار، فالاقتصادي إريك برينيولفسون يصف ما يسميه منحنى حرف «J» باللغة الإنجليزية. حين تستثمر الشركة في تقنية جديدة فإنها مضطرة إلى استثمار آخر لا يراه أحد، في إعادة تصميم العمل، وتدريب الناس، وترتيب البيانات، وتغيير عادات رسخت لعقود. وهذا الاستثمار غير المرئي لا يُسجَّل في الدفاتر أصلاً بوصفه استثماراً؛ بل يُسجَّل مصروفاً، فتبدو الإنتاجية في السنوات الأولى هابطة لا صاعدة، ثم تقفز حين يكتمل البناء. ومسح «ماكنزي» يقيس هذا الجزء غير المرئي بدقة لافتة: 86 في المائة من القادة يقرون بأن مؤسساتهم غير جاهزة لتشغيل الذكاء الاصطناعي في عملها اليومي، وواحدة من كل 6 شركات لا يوجد فيها مسؤول رفيع عن هذا الملف أصلاً، وأقل من ربع المؤسسات التي أعلنت طموحاً لتحسين أدائها تنجح في جعل التحسن يدوم. اشترَوا المحرك، ولم يحركوا الآلة.
وهنا يأتي السؤال الثالث، وهو: مَن يدفع ثمن الفجوة ما دامت مفتوحة؟ فحين لا يظهر العائد على استثمار أُنفقت عليه الملايين، لا تملك الإدارة إلا متغيراً واحداً تستطيع تحريكه بسرعة، وهو البشر، يُرفع الهدف وتُقصَّر المهلة، ويُسمَّى العام عام الإنتاجية، ويُطلَب من الموظف أن يسد بساعاته فجوة رهان تقني لم يختره.
ويقول التقرير نفسه إن قادة المؤسسات يعملون تحت ضغط متصاعد لتحقيق مكاسب إنتاجية إضافية، وإن المؤسسات التي تمارس هذا الضغط على نحو أشد تسجل التزاماً أقل من موظفيها، واستعداداً أقل لتحمُّل المزيد. والسبب اقتصادي بحت: الضغط يستهلك ما يسميه التقرير «رأس المال التنظيمي»، أي المعرفة والثقة والعلاقات التي تراكمت في المؤسسة عبر السنين، وهذا بالضبط هو المدخل غير المرئي الذي كان ينقص لكي تعمل التقنية. فالشركة التي تعصر موظفيها لتعويض تأخر العائد تستهلك البذرة التي كان يفترض أن تزرعها، وفي المقابل تشير بحوث «ماكنزي» السابقة إلى أن المؤسسات التي توازن بين الاستثمار في الناس والمطالبة بالأداء أقرب بأربع مرات إلى البقاء في الصف الأول مالياً، عقداً كاملاً.
إلا أن للطرف الآخر وجهات نظر يصعب إغفالها، فبعض الاقتصاديين يرون أن المفارقة أصلاً وهمٌ ناتج عن قياس قاصر؛ لأن الإحصاءات تلتقط الكميات ولا تلتقط الجودة والسرعة والخدمات التي صارت مجانية، فربما كان العائد موجوداً ولا نراه.
وآخرون يرون أن التاريخ نفسه يدعو إلى الصبر لا إلى القلق، فإذا كانت الكهرباء احتاجت 4 عقود فليس غريباً أن يحتاج الذكاء الاصطناعي بضع سنوات، كما أن المتوسط يخفي تبايناً كبيراً، فقطاعات مثل البرمجيات والخدمات المالية تحقق عائداً ملموساً فعلاً، والشركات التي أعادت تصميم عملها حول الآلة الجديدة تسبق غيرها بوضوح، فالمشكلة ليست في التقنية بل في مَن اشتراها ولم يعرف ماذا يفعل بها.
ولعل المفارقة الحقيقية ليست أن التقنية في كل مكان إلا في الأرباح؛ بل إن الشركات تملك اليوم أسرع آلة في تاريخها، وتشغِّلها بأقدم أداة في تاريخها، وهي مزيد من الضغط على الإنسان، فالعائد الذي تنتظره لم يتأخر لأنه بعيد؛ بل لأنه موجود في المكان الذي تُنفِق منه؛ لا في المكان الذي تُنفِق عليه.
