جوليانا ليو
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

التكنولوجيا الحيوية صراع بين واشنطن وبكين

استمع إلى المقالة

في خضم التنافس المحتدم بين واشنطن وبكين على بسط الهيمنة في مجال التكنولوجيا المتقدمة، برزت ساحة واحدة ينبغي ألا يَحول التنافسُ فيها دون التعاون: الأدوية المبتكَرة. وتفصّل الخطة الخمسية الأخيرة، التي أقرتها بكين لقطاع التكنولوجيا الحيوية وعلى خلاف الخطط الصناعية المعتادة، جاءت هذه الخطة بـ«أهداف» و«أرقام» محددة.

وبحلول عام 2030، من المتوقع أن تحقق شركات الأدوية الصينية «قفزةً كبرى» على صعيد قدرتها التنافسية، في ظل نمو مبيعات الأدوية الجديدة بنسبة 20 في المائة سنوياً. وتهدف شركات الأدوية إلى تطوير 25 في المائة على الأقل من الأدوية الأولى من نوعها في العالم؛ تحديداً العقاقير المعتمِدة على آليات مبتكَرة تماماً لعلاج الأمراض. ومن المتوقع كذلك ابتكار 5 علاجات، على الأقل، قادرة على تحقيق نجاح هائل، مع إنجاز مبيعات تتجاوز مليار دولار سنوياً.

في الواقع، هذه الطموحات ليست بعيدة المنال كما قد تبدو؛ فالعقود المتواصلة من الدعم الحكومي، بما في ذلك الاستثمار في التعليم، أسهمت في تحويل البلاد من مجرد مقلّد في مجال تطوير الأدوية إلى مَصدر قوي ومبتكِر. وقد أثار هذا انتباه عمالقة صناعة الأدوية العالمية. ولتجديد خطط إنتاجها قبل انتهاء صلاحية سلسلة من براءات الاختراع المربحة، اتجهت الشركات العالمية إلى حملات استحواذ واسعة، خصوصاً في مجالات مثل علاجات السرطان والسمنة، التي تتفوق فيها الصين على نحو خاص. وخلال السنوات الـ5 الماضية، ارتفعت قيمة صفقات ترخيص الأدوية الخارجية أكثر من 10 أضعاف، لتسجل رقماً قياسياً بلغ 134 مليار دولار.

وتجسد الصفقات الأخيرة قوة الطلب الدولي؛ ففي الأسبوع الماضي، وافقت شركة «نوفو نورديسك» على دفع ما يصل إلى 2.6 مليار دولار لشركة «جيانغسو هينغروي» للأدوية، مقابل حقوق عقار تجريبي لمكافحة السمنة يُتناوَل مرة واحدة أسبوعياً. وتضمنت الصفقة دفعة مقدمة ضخمة، بلغت 300 مليون دولار، مقابل علاج لا تتوافر، حتى الآن، بيانات عن تجاربه على البشر.

إن الاستعداد لخوض مراهنة ضخمة كهذه، في مرحلة مبكرة، يُظهر مدى تقدير شركات الأدوية الغربية البحوثَ الصينية حالياً. وبما أن العقارَين الفمويين الرئيسيين لتخفيف الوزن من فئة «جي إل بي1» (التابعين لشركتي «نوفو» و«إيلي ليلي»)، يتطلبان جرعات يومية، فإن التوصل إلى بديل أسبوعي ناجح ينطوي على جاذبية تجارية واضحة.

كما أبرمت شركة «نوڤارتس»، الأسبوع الماضي، صفقة أكبر من هذه مع شركة «أبوجين بايو ساينسز»، ودفعت ما يصل إلى 7.8 مليار دولار، مقابل علاج تجريبي يعمل بتقنية «الحمض النووي الريبي المرسال»، لعلاج أمراض المناعة الذاتية.

وقد خلق هذا النجاح معضلة أمام واشنطن؛ إذ يرى بعض الآراء أنه إذا تمكنت شركات الأدوية الكبرى من الحصول على تراخيص أقل تكلفة لمركّبات صينية، بدلاً من تمويل الشركات الأميركية الناشئة، فإن ذلك بدوره سيستنزف رؤوس الأموال والخبرات من بيئة التكنولوجيا الحيوية الأميركية.

لا يمكن التعامل مع الأدوية المبتكَرة بمنطق «المحصلة الصفرية» المتّبَع في قطاعات مثل أشباه الموصلات، والسيارات الكهربائية، ونماذج اللغات الكبيرة؛ فصناعة الأدوية بطبيعتها قائمة على التعاون، خصوصاً في مجال علوم الحياة؛ إذ إن مَصدر العلاج المنقِذ للحياة لا يهم، بقدر ما تهم قدرة المرضى على الحصول عليه.

من جهتها، تدرك وزارة الخزانة الأميركية، على ما يبدو، هذا الفارق؛ فقد أفادت وكالة «رويترز» حديثاً بأن الوزارة تدرس قواعد من شأنها الحفاظ على قدرة شركات الأدوية الأميركية على الحصول على تراخيص لعلاجات مبتكَرة من شركات صينية، مع تقييد الاستثمارات المتعلقة بـ«مسببات الأمراض» و«التقنيات»؛ اللتين يمكن تحويلهما إلى أسلحة. في الواقع، هذا نهج عقلاني تماماً؛ فلدى واشنطن دافع قوي لمنع وقوع التقنيات، التي قد تشكل خطراً؛ في أيدي الخصوم، إلا إن هذا لا يعني أن كل اكتشاف آتٍ من شنغهاي يمثل تهديداً للأمن الوطني.

وبطبيعة الحال، ينبغي للولايات المتحدة، دونما شك، أن تسعى إلى التفوق على الصين في سباق التكنولوجيا الحيوية، مستفيدة من قدرتها الكبرى على الوصول إلى رؤوس الأموال، وتوافر قاعدة أوسع من العلماء الدوليين.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»