الحقيقة أنك لا تفهم كيف يسكت العرب على هذا الوضع المنحرف الذي تجد العاصمة اليمنية صنعاء نفسها فيه منذ فترة. الفترة التي أقصدها تمتد حدودها الزمنية إلى 2014، عندما دخلت الجماعة الحوثية عاصمة اليمن، ثم أغلقتها في وجه الحكومة الشرعية اليمنية التي يعترف بها العالم، ويعرفها اليمنيون أصحاب الولاء لبلدهم، ولا يرضون بها ولا عنها بديلاً.
كيف سكت أو يسكت العرب كل هذه السنين، بينما عاصمة اليمن أسيرة في قبضة جماعة تلعب بأجندة إقليمية، بل وبأجندة ذات أبعاد دولية، كما تبين لنا ونحن نتابع مؤخراً خريطة اتصالاتها، ثم خريطة اجتماعات ممثلين عنها في عاصمة عربية.
أفهم بالطبع أن استقرار اليمن شأن سعودي بالأساس، لا لشيء، إلا لأن جواراً مباشراً يربط البلدين على قاعدة الجغرافيا، وبالتالي انشغال المملكة باليمن واستقراره وضرورة وجود حكومته في عاصمته مسألة ليست في حاجة إلى تفسير ولا إلى شرح ولا إلى تبرير، ولا هي تقبل المساومة بمعايير الأمن القومي السعودي، ولا تقبل المساومة أو الفصال.
ولكنني أفهم في المقابل أن استقرار اليمن شأن عربي جامع، بقدر ما هو شأن سعودي محكوم بعوامل الجوار. أما لماذا هو شأن عربي بالتوازي، فلأن الطرف الإقليمي الذي يوظف الحوثي ويحركه ويرسل له ما يُبقيه على قيد الحياة، هو طرف يستهدف الوجود العربي بالقدر نفسه الذي قد يستهدف به السعودية أو الخليج في العموم.
وعندما قادت الرياض تحالف دعم الشرعية اليمنية ولا تزال، فإنها كانت تفعل ذلك عن يقين لديها بأن اليمن لليمنيين لا لجماعة تقول إنها يمنية ثم يتبين مما تمارسه أنها ليست من اليمنية كجنسية في شيء، ولا هي مما يحقق صالح أهل اليمن في شيء، وإنما هي تتحرك في مكانها بما يحقق صالح الطرف أو الأطراف التي تستخدمها كورقة. ولا فرق هنا بين أن يكون الطرف المحرك إقليمياً نراه ونعرفه، وبين أن يكون دولياً نراه ونعرفه كذلك. لا فرق في حقيقة الأمر، لأن الحصيلة في الحالتين واحدة.
وإذا كانت السعودية قد بادرت إلى تفعيل اتفاقية مكة الدفاعية على سبيل الردع في مواجهة جماعة عابثة، فهذا حق سعودي أصيل يقتضيه الصالح السعودي العام، وتدعو إليه الضرورة، ويستدعيه الواقع الذي تجد الحكومة السعودية أنها مدعوة للعمل على تغييره في أرض اليمن، من خلال دعم الحكومة الشرعية، وتعزيز قدرات الجيش اليمني، والوصول بعملية «فجر اليمن» التي أطلقها جيش اليمن إلى غايتها التي لا بد منها.
اليمن بلد تاريخ ممتد، وحضارة ذات جذور، وثقافة لها حضورها في الماضي، كما أن لها ملامحها في وجه اليمن الحاضر، الذي قد يتبدى أمامنا في أي صورة. وعندما يكون هذا هو وزن بلد مثل اليمن، فإن للعرب أن ينتبهوا إلى خطورة أن يجري خصم بلد بهذا الثقل الحضاري والثقافي من الكيان العربي الأشمل، وضرورة أن يلتقي العرب جميعاً على صد كل عدوان عليه، أو على حضارته، أو ثقافته، أو تاريخه، فكل هذا من رصيدنا العربي الباقي.
يأسى المرء ويحزن عندما يتطلع حوله فيجد أن مقدرات بلد مثل اليمن في يد جماعة عابثة، لا تبالي وهي تمارس ألعاب الصغار، وفي ظرف إقليمي لا يحتمل ألعاباً كهذه، ولا تحتمله المنطقة وهي تخطو بين ألغام في كل ركن من أركانها.
يأسى المرء ويحزن حين يتلفت حوله فيكتشف أن عواصم العرب ترى ما تراه في اليمن منذ ما يزيد على السنوات العشر، ثم لا تبادر بشيء يعيد اليمن لأهله، ويخلصه من عبث الصغار، ويسترده من جماعة تغولت عليه وعلى أبنائه.
وإذا كانت رابطة الدين هي التي امتدت لتضم الرياض وأنقرة وإسلام آباد في خيط واحد، فإلى جوار هذه الرابطة توجد رابطة عربية لا يليق بها أن تغيب وهي ترى العدوان الأثيم يتطاول على مدينة النبي (عليه الصلاة والسلام) مرة، ثم على مدينة الحرم المكي مرة ثانية، ومن بعدهما على مدارس ومدنيين وأسواق في جنوب المملكة!
هذا عبث لا بديل عن أن يجد إرادة عربية في انتظاره لتوقفه عند حده، ولا بد من اجتثاث ممارسيه من أرض اليمن التي اتخذها الحوثي العابث منصة لاستهداف السعودية على وجه الخصوص، واستهداف الجسد العربي على وجه العموم. فما يصيب مدنياً سعودياً واحداً في نجران، أو جازان، أو الطائف، أو غيرها من المناطق التي أصابها وتطاولت عليها ميليشيا الحوثي، هو في جوهره استهداف لكل عربي أياً كان مكانه بين المحيط والخليج.
هذه المعركة الدائرة لاستعادة اليمن من مختطفيه ليست معركة المملكة العربية السعودية وحدها، ولا يجوز أن تكون معركتها وحدها، وإنما معركة الذين تجمعهم مع المملكة أواصر اللغة، والدين، والدم، وتجمعهم معها الثقافة بأشمل ما تحمله كلمة الثقافة من المعاني.
صنعاء هي عاصمة اليمن، ومقر الحكومة هو صنعاء، وبقاء الحكومة اليمنية خارج مقرها الطبيعي وضع شاذ لا يستقيم أبداً وإنْ طال، واستعادة العاصمة أمر لا مفرَّ منه.
