عبد الله المعلم وأُنس الخضراء
مدير إدارة المساعدات الطبية والبيئية في «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» -مديرة شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ودول مجلس التعاون الخليجي في «منظّمة الهيئة الطبية الدولية»
TT

حين يصبح الابتكار الصّحي ضرورة

استمع إلى المقالة

وُلد أديان في أول الشَّهر السَّابع من الحمل ولم يتجاوز وزنه 900 غرام، في مستشفى يقع في منطقة ريفية في محافظة لحج جنوب غربي اليمن. في ظروفٍ كهذه، وفي بلدٍ أَنهكَ النّزاعُ نظامَه الصحيَّ، قد تكون فرصُ نجاةِ طفلٍ وُلد قبل أوانه محدودةً للغاية.

لكن أديان عادَ إلى منزله مع والدته.

فقد توفَّر للقابلة في المستشفى ما تحتاج إليه لإنقاذ أديان. كانت لديها معداتٌ حديثة، وكانت قد تلقَّت تدريباً متخصصاً على أساليب علاجية مثبتة الفاعليّة، ويمكن استخدامُها في بيئة محدودة الموارد. لم تكن هذه حلولاً خارجةً عن المألوف أو تقنيات عصية على التطبيق، بل ابتكارات كانت قد وصلت إلى المكان المناسب في الوقت المناسب.

وهنا لا نستطيع إلّا أن نطرح سؤالاً أساسياً: لماذا نميل عادةً إلى تطبيق برامج الابتكار الصحي في بلدان تتمتع بنظامٍ صحي متطور ومستقر، فيما قد تكون قيمةُ هذه البرامج أكبرَ في البلدان التي تتعرّض فيها الأنظمة الصحية لأشد الضغوط؟

لم تعد أزماتُ اليوم أزماتٍ عابرة. فالنزاعات تطول، والظواهر المناخية القاسية تتكرّر، فيما تتزايد الاحتياجات في الدول التي تعاني أنظمتها الصحية من نقص في الموارد والمتخصصين في مجال الصحة. تقدّر منظمة الأمم المتحدة أنّ نحو 239 مليون شخص حول العالم يحتاجون اليوم إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية.

وتُعدّ صحةُ الأمهات والمواليد من أبرز المؤشرات على قوة أي نظام صحي وقدرته على توفير الرعاية لمن يحتاج إليها. أمَّا في الأنظمة الصحية الهشَّة، فتكشف صحة الأمهات والمواليد حجمَ الفجوة بوضوح. فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تقع ستٌّ من كل عشر وفيات للأمهات حول العالم في دول تشهد نزاعات أو تعاني من الهشاشة المؤسساتية.

وهذه المشكلةُ ليست ناجمةً عن غياب الحلول الطبية، فنحن نعلم الكثيرَ عن التدخلات التي يمكن أن تنقذ حياةَ امرأة أثناء الحمل والولادة، أو تمنح مولوداً فرصة للبقاء على قيد الحياة. تكمن المشكلة في أنّ هذه الحلول لا تصل دائماً إلى البلدان والمجتمعات التي هي في أمسّ الحاجة إليها.

غالباً ما تُطبَّق الحلولُ الصحية المبتكرة أولاً في البلدان الأكثر استقراراً، لأسباب عديدة، من بينها سهولة التنفيذ وإمكانية قياس النتائج والأثر. وهذا أمر مفهوم ومتوقّع من منظور إدارة المخاطر، لكنّه يطرح مفارقة يصعب تجاهلها لأنَّ المجتمعات التي يمكن أن تستفيد من هذه الحلول الجديدة والفعّالة قد تكون آخر من يحصل عليها.

ولذلك تستحق تجربة اليمن أن نتوقّف عندها اليوم.

فبعد أكثر من عَقْدٍ من النزاع، تُقدِّر منظمة الأمم المتحدة أنّ هناك 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، ونحو نصفهم من النساء والفتيات. ولا تزال صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية تُعرّض النساء والمواليد لمخاطر يمكن تفاديها. وحسب تقارير منظمة الأمم المتحدة تتوفَّى أكثر من 1600 امرأة سنوياً بسبب مضاعفاتٍ مرتبطة بالحمل والولادة، فيما يُفاقم نقص الأدوية والمرافق الصحية العاملة والفرق الطبية المتخصصة حجم المشكلة.

في هذا السياق، تقود الهيئةُ الطبيةُ الدولية، بالتنسيق الوثيق مع وزارة الصحة العامة والسكان في اليمن، وبدعم مالي من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» و«مؤسسة غيتس»، مبادرة تسعى إلى تطبيق برامج ابتكارات صحية أُثبتت فاعليتها في مجال صحة وتغذية الأمهات والمواليد. كما تهدف هذه البرامج إلى اختبار إمكانية تنفيذها ودمجها في النظام الصحي في واحدة من أصعب البيئات لتقديم الرعاية الصحية.

وتُطبَّق هذه المبادرة في 29 مرفقاً صحياً موزعة على خمس محافظات في جنوب اليمن. وهي تستند إلى مجموعة من الحلول العملية والابتكارات الصحية، ومنها تحسين تغذية الأمهات، والكشف المبكر عن حالات الحمل عالية الخطورة، والوقاية من نزف ما بعد الولادة، وتحسين رعاية المواليد، إلى جانب تدريب العاملين الصحيين وتزويدهم بالأدوات التي يحتاجون إليها لتقديم رعاية عالية الجودة في المناطق النائية ومحدودة الموارد.

ومن المتوقع أن تستفيد من هذه الخدمات بصورة مباشرة أكثر من 100 ألف امرأة ومولود بحلول نهاية المشروع. لكن أهمية هذه التجربة لا تكمن في عدد المستفيدين وحده، بل في السؤال الذي تحاول الإجابة عنه: هل يمكن لبرامج الابتكار الصحي أن تنجح في بيئة هشة، وأن تصبح جزءاً من نظامها الصحي بدلاً من أن تبقى مشاريع مؤقتة؟

لهذا أدّت وزارة الصحة العامة والسكان دوراً أساسياً منذ البداية. فقد دمجت الوزارة هذه الابتكارات في البروتوكولات الوطنية والخدمات الصحية الأساسية. كما شارك مسؤولوها في التدريب وتبنّوا العمل عن قناعة لا عن واجب على مختلف مستويات النظام الصحي.

ولعلّ هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن تقدّمه تجربة اليمن. فالاستثمار في الدول الهشة ليس نقيضاً للاستدامة. فعندما نستثمر في حلول تناسب الواقع المحلي، وتتولَّى المؤسسات الوطنية دوراً حقيقياً في تطبيقها وتطويرها، يمكن للبرامج التي تنفّذ ابتكارات صحية أن تصبح وسيلة لتعزيز النظام الصحي، وليس مجرد استجابة مؤقتة لأزمات معينة.

تفصلنا سنوات قليلة عن عام 2030، ولن يكون تحقيق أهداف التنمية المستدامة ممكناً إذا بقيت الدول الأكثر تأثراً بالنزاعات خارج مسار الابتكارات الصحية أو غيرها من الابتكارات. فالتقدّم في مجال الصحة العالمية لن يقاسَ فقط بما نبتكره، بل بقدرتنا على إيصال ما ينجح إلى المجتمعات التي هي في أمسّ الحاجة إليها.

لقد عاد أديان إلى منزله لأنَّ الرعايةَ التي كان بحاجة إليها وصلته في الوقت المناسب. وقصته تذكرنا بأنَّ السؤال لم يعد ما إذا كان الابتكار ممكناً في البلدان التي تعاني من النزاعات وهشاشة أنظمتها الصحية.

السؤال الآن هو: كم من أديان آخر يمكن إنقاذه إذا قرَّرنا أن نستثمرَ في البلدان التي تحتاج بشدّة إلى ابتكارات صحية؟