مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

أحمد شاه مسعود وأثر الفَراشة

استمع إلى المقالة

من أشهر النظرياتِ اللطيفة والمخيفة في آن، حول فكرة التاريخ البديل، كما فكرة أن الأحداث وتتابعها نتيجة تصميم هندسي مُحكم، وهي تُعاكس نظرية الصُدفة التاريخية، وأظنُّ أنَّ الصواب بينهما.

ظهرتِ النظرية عام 1963 على يد عالم الأرصاد الجوية، إدوارد نورتون لورنتز، وخلاصتها أن رفرفة جناح فراشة على نهرٍ ما في أعماق أفريقيا أو آسيا مثلاً، قد تقود لسلسلة أحداث تنتهي بموجات تسونامي عملاقة، أو أحداثٍ أخرى مماثلة في الهول!

من الأمثلة التي يضعونها لهذه النظرية: حرب فيتنام الرهيبة، هوتشي منه الزعيم الفيتنامي الأحمر ماذا لو لم يتجاهل الرئيس الأميركي ودرو ويلسون رسالته 1919 حول استقلال فيتنام عن فرنسا، ليذهب الرجل ويدرس الماركسية ويعود قائداً شعبياً ثورياً ماركسياً دوّخ أميركا لعقود، وكانت الحرب الفيتنامية.

اليوم - كما تعلمون - مرّ ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر التي غيّرت العالم لليوم، كم من نظرية «أثر فراشة» فيها؟!

من ذلك: ماذا لو لم يُقتل الزعيم الأفغاني الطاجيكي أحمد شاه مسعود على يد عناصر من تنظيم «القاعدة»، قبل يومين من هجمات 11 سبتمبر؟!

كتب كمال علّام في مجلّة «المجلّة» حول هذا الأمر، وأثر أسد بانجشير أحمد شاه مسعود.

ويذكر أنّهُ في 9 سبتمبر (أيلول) 2001، اتصل الرئيس الروسي بوتين بنظيره الأميركي بوش الابن محذّراً إياه: «قُتل أحمد شاه مسعود، وأنا قلق للغاية». وقد كان تحذير بوتين في محلّه.

وإنّهُ في عام 2006، أنتجت شبكة «إيه بي سي» مسلسلاً تلفزيونياً بعنوان «الطريق إلى 11 سبتمبر»، استند إلى ما توصلت إليه لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر، وكشف عن جملة من الحقائق المحرجة، في مقدمتها أن إدارة كلينتون كانت قد امتلكت فرصة لاستهداف بن لادن.

في الفيلم، وفي لقطة درامية، يظهر مسعود وهو يقول: «إنه في مرمانا». يعني أسامة بن لادن، لكن وكالة الاستخبارات المركزية ترفض إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ ضربة بطائرة مسيرة، كما تحجم عن دعم مسعود في حربه ضد «طالبان».

البروفايل الذي كتبهُ علّام عن القائد مسعود، يقول إن مسعود حذّر الدول العربية من عودة المقاتلين العرب لبلدانهم.

في تقديري أن سياق وظروف ملابسات ولادة تنظيم مثل «القاعدة»، كانت ناضجة لصناعة شيء كهذا، نعم كان من الممكن إحباط هجمات 11 سبتمبر في مهدها، ممكن هذا، لكن إحباط ومنع ولادة تنظيمات أصولية إرهابية لم تكن حياة ولا موت أحمد مسعود، مانعة لها، هذا سيناريو «سبياسي» للسينما والدراما، لكن الواقع غير ذلك.

أمّا أن بعض التفاصيل التي لو حصلت أو لم تحصل، كان من الممكن أن يكون لدينا تاريخ آخر؟!

أتفقُ لدرجة ما مع هذا الأمر، لكن ليس بصورة مُطلقة، لذلك قلتُ في بداية الحديث، التاريخُ ليس قضباناً حديدية حتمية، وليس ألعاباً نارية من الصُدف، الأمر بينهما.