فارس النور
سياسي سوداني
TT

السودان والتسوية... كيف يربح الجميع من السلام؟

استمع إلى المقالة

بعد سنوات من الحرب والاستقطاب، ربما حانَ الوقتُ لكي يتغيرَ السؤال في السودان. فبدلاً من أن يسألَ كلُّ طرف: كيف أهزمُ خَصمي؟ ينبغي أن يصبحَ السؤال: كيف أربحُ من السلام أكثرَ ممَّا أستطيع أن أربحَ من الحرب؟

لقد أصبح السودان، بتعبير سوداني بسيط، كجلابية (مشمشه) كثرت فيها الرُّقع؛ كلما رتقناها من جهة انفتقت من جهة أخرى. انقلاب يعالج أزمةً فيخلق أخرى، واتفاقُ سلامٍ يوقف حرباً ويفتح باباً لصراع جديد، وتسوية تقصي طرفاً فتدفعه إلى حمل السلاح أو تعطيل الدولة. وربما آن الأوان ألا نضيف رقعة جديدة، بل أن نعيد نسج الثوب نفسه على أسس جديدة.

هذه ليست دعوة لتجاوز الجرائم أو منح الحصانات، وإنَّما محاولة للنظر إلى الأزمة كما أصبحت عليه: أزمة دولة تتداخل فيها القوات المسلحة و«الدعم السريع»، والحركات المسلحة والإسلاميون والقوى المدنية، ولا يبدو أن أياً منها قادر على إلغاء الآخرين دون تكلفة كارثية.

لذلك يحتاج السودان إلى «مؤتمر للتسوية السودانية الكبرى»، لا لمناقشة توزيع الوزارات والمناصب، بل ليجيب كل طرف عن ثلاثة أسئلة: ما مأزقك؟ ما الضمانة التي تحتاج إليها للخروج منه؟ وما التنازل التاريخي الذي ستقدمه للسودان مقابلها؟

والقاعدة بسيطة: لكل طرف ضمانة، ومقابل كل ضمانة تنازل تاريخي، من دون حصانة من جريمة يثبتها القضاء.

وفيما يتعلق بالإسلاميين وبعد ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ وما خلفته من اتهامات بالفساد والانتهاكات وتسييس المؤسسات، يحتاج الإسلاميون إلى فك أي ارتباط تنظيمي بمؤسسات الدولة والقوات النظامية والخدمة المدنية، مقابل إنهاء الاجتثاث الجماعي وضمان حقهم، كغيرهم، في التنظيم والمنافسة الديمقراطية. لكن هذه العودة ينبغي أن تتم في إطار دولة مدنية وقانون أحزاب يقوم على المواطنة، ولا يسمح بقيام أحزاب على أساس ديني يمنحها ادعاءً بالشرعية الدينية في مواجهة خصومها، مع ضمان حق أصحاب المرجعيات الإسلامية، كغيرهم، في المشاركة السياسية وفق الدستور والديمقراطية.

فالمسؤولية عن الجرائم فردية وقضائية، لا جماعية بسبب الانتماء السياسي. والمعادلة: الخروج من الدولة العميقة والقبول بقواعد الدولة المدنية مقابل العودة الطبيعية إلى السياسة.

وحول الجيش نقول إنه ليس من مصلحة السودان تفكيك جيشه، كما ليس من مصلحة الجيش أن يبقى مسؤولاً عن الحكم والاقتصاد والسياسة.

يمكن الاتفاق على مرحلة انتقالية لسبع سنوات، تُصان خلالها وحدة القوات المسلحة، ويكون لها دور متفق عليه في مؤسسة رئاسة انتقالية محدودة الصلاحيات، بينما تتولى حكومة مدنية إدارة الدولة والاقتصاد والخدمات والإعمار. وخلال هذه السنوات يتراجع الدور السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية تدريجياً حتى تعود نهائياً إلى وظيفتها الدستورية والمهنية. المعادلة: حماية المؤسسة مقابل خروجها النهائي من السياسة.

وفيما يتعلق بـ«الدعم السريع» نرى أنه لا يمكن افتراض بقاء «الدعم السريع» جيشاً مستقلاً إلى الأبد، كما لا يمكن تصور اختفاء عشرات الآلاف من المقاتلين بمجرد توقيع اتفاق. المخرج هو عملية شاملة لإصلاح القطاع الأمني يشارك فيها الجميع، عبر الدمج والتسريح وإعادة التأهيل، وصولاً إلى مؤسسة عسكرية قومية ومهنية واحدة.

وفي المقابل، ينبغي أن تراعي التسوية الحقوق والاستحقاقات السياسية التي رتبتها اتفاقات السلام والتفاهمات السابقة، وألا يشعر أي طرف بأن انتقاله من السلاح إلى الدولة يعني فقدان ما اكتسبه عبر مسارات السلام، على أن تتحول هذه الاستحقاقات تدريجياً إلى مشاركة سياسية مدنية تحكمها قواعد الدستور والانتخابات، كما تُحفظ حقوق المناطق المتأثرة بالحروب واستحقاقاتها في التنمية والمشاركة العادلة، لكن الهدف النهائي غير قابل للمساومة: دولة واحدة، جيش واحد، قيادة واحدة، وسلاح شرعي واحد.

بالنسبة للقوى المدنية صاحبة المصلحة الكبرى في الدولة المدنية، فهي مطالبة أيضاً بالتعامل مع واقع صنعته عقود من الحكم العسكري والحرب وتعدد الجيوش وشبكات النفوذ داخل الدولة. فلا يمكن الانتقال من هذا الواقع إلى حكم مدني كامل ومستقر بمجرد اتفاق أو ضغط دولي. ولذلك ينبغي قبول التدرج في استعادة الحكم المدني، وذلك ليس تراجعاً عن الديمقراطية، وإنما هو طريق واقعي للوصول إليها وحمايتها. فالإصرار على حكم مدني كامل وفوري، مع إقصاء العسكريين والإسلاميين في ظل تعدد الجيوش واستمرار الحرب وشبكات النفوذ داخل الدولة، قد يعنيان المجازفة بإفشال التجربة المدنية قبل أن تبدأ.

تقود القوى المدنية الجهاز التنفيذي والاقتصاد والخدمات والإعمار، بينما يتراجع الدور العسكري تدريجياً وفق جدول دستوري ملزم. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع «صمود» أو «تأسيس» أو الكتلة الديمقراطية أو غيرها احتكار الشرعية دون تفويض انتخابي حديث. المطلوب حكومة انتقالية واسعة، لا حكومة معسكر واحد.

المعادلة: قيادة استعادة الدولة المدنية مقابل قبول التدرج والتعدد وعدم احتكار الشرعية.

وأتصور أن أمامنا سبع سنوات لإعادة تأسيس السودان وليست السنوات السبع انتظاراً للانتخابات، بل مشروع لإعادة تأسيس الدولة: وقف الحرب، وتوحيد الجيش، وإصلاح مؤسسات الدولة، وإعادة النازحين واللاجئين، ومعالجة قضايا الأراضي، وبناء الحكم الفيدرالي، وإعداد دستور دائم وانتخابات حقيقية.

ولا يمكن لذلك النجاح دون مشروع دولي وإقليمي واسع لإعمار السودان، تشارك فيه دول الجوار والمجتمع الدولي، وخصوصاً دول الخليج، للمساهمة في إعادة بناء البنية التحتية والخدمات والمدن المدمرة وخلق فرص العمل. فالسلام الذي لا يغير حياة الناس قد يفقد شرعيته سريعاً.

وفيما يتعلق بالعدالة والانتخابات نوضح أن العدالة تقوم على ثلاث قواعد: لا مسؤولية جماعية، لا ملاحقة بسبب الانتماء السياسي، لا حصانة من جريمة مثبتة. وبعد سبع سنوات تُجرى انتخابات حرة، تعقبها دورة دستورية أولى من خمس سنوات يُحافظ خلالها على قدر من التوافق حول القضايا السيادية الكبرى، حتى لا تتحول أول انتخابات بعد الحرب إلى جولة جديدة من الصراع. وبعدها تنتهي جميع الاستثناءات والامتيازات، ويصبح صندوق الانتخابات الطريق الطبيعي والوحيد إلى السلطة.

وهكذا تكون الصفقة التاريخية: الإسلاميون يتخلون عن الدولة العميقة ويقبلون قواعد الدولة المدنية، والجيش يتخلى عن الحكم، و«الدعم السريع» والحركات عن الجيوش المستقلة، والمدنيون عن احتكار الشرعية وعن تصور الانتقال المدني الفوري بمعزل عن الواقع.

وفي المقابل يحصل الجميع على مكان مشروع وآمن داخل دولة واحدة، بينما يحصل الشعب السوداني على الضمانة الأهم: السلام، ودولة واحدة، وجيش واحد، وإعمار، ثم انتخابات يقرر عبرها السودانيون من يحكم بلادهم.

عندها يتغير السؤال مِن: مَن يهزم من؟ إلى: كيف يربح السودان، وكيف يربح الجميع من السلام؟

فالسودان لا يحتاج إلى منتصر جديد يفرض إرادته على المهزوم، بل إلى رجال دولة حقيقيين يمتلكون شجاعة تقديم التنازلات التاريخية وقيادة مجتمعاتهم نحو السلام.

وربما يكون ذلك هو الانتصار الذي يستحقه السودان: أن تنتصر الدولة على الحرب، والشراكة على الإقصاء، وأن ينتصر منطق رجال الدولة القادرين على قيادة مجتمعاتهم نحو السلام، على منطق قيادة المعسكرات وحسابات المصالح الضيقة.