أغسطس (آب) هو شهر العطلة في باريس. فيه تخلو المدينة من سكانها. ويتوزع الفرنسيون في مدن الإجازات بين الجبال والشواطئ. هذا الصيف كان محظوظاً من صدف وبقي في المدينة خلال أغسطس. لقد تسنَّت له مشاهدة فيلم (من جزأين) «ديغول المعركة»، وهو عن حياة ومسيرة أهم رجل في تاريخ فرنسا، الجنرال شارل ديغول. لا يعرف عن الفرنسيين التعلق العاطفي بزعمائهم. فهم دائماً معارضون، ومتذمرون، لكن منذ شهر يونيو (حزيران) حتى الآن بيعت 5 ملايين تذكرة لمشاهدة هذه التحفة السينمائية التي أدهشت فرنسا جميعها.
ما بين الوثائق والفن، أعادت شركة «باتيه» الرسمية رسم صورة «محرر فرنسا» الذي قاد من منفاه في لندن حرب إنقاذها من الاحتلال النازي.
كانت فرنسا متهاوية، ومنقسمة على نفسها. وأقنع المارشال بيتان، بطل الحرب العالمية الأولى، الفرنسيين بأنَّ الأفضل لهم الاستسلام للقوة النازية الطاغية. لكن العميد شارل ديغول ركبَ البحر إلى إنجلترا المجاورة، ليقود منها عملية التحرير. في البداية لم يأخذه البريطانيون على محمل الجد. وضحك وينستون منه في سرّه. وكذلك الحلفاء الأميركيون. لكن الجنرال العملاق مضى في طريقه إلى النصر حتى اللحظة الأخيرة، وانتقل إلى الحياة المدنية رئيساً يكمل معالجة الدولة المريضة، فأنقذ الاقتصاد، والفرنك، وسدَّد ديون فرنسا، وأقام الجمهورية الخامسة، ورفع البلاد إلى مستوى الدول الكبرى.
يستند الفيلم المدهش إلى السيرة التي وضعها جوليان جاكسون بعنوان: «فكرة ما... عن فرنسا». ولا يزال يحتل عقول النقاد، وقلوبهم. ويقول بعضهم إنه أنعش الحياة الوطنية في زمن من الإحباط العميق، والتراجع على المستوى الدولي. وقال الساخرون -كالعادة- إنَّ سبب الإقبال على مشاهدة الفيلم هو الصالات المكيفة خلال موجة الحر!
من قدري المهني الذي لا يكاد يصدق الآن أنه قدر لي -عندما كنت صحافياً شاباً- أن أغطي انتخابات ديغول غير مرة. أما التغطية الأهم فكانت في العام 1969، عندما لحقت به إلى آيرلندا، منفاه المؤقت. تصوَّر صحافياً لبنانياً في آيرلندا، وهي -يومها- آخر حدود الأرض قبل بحر الظلمات. شكراً أيها الجنرال الأكبر من الرتبة، واللقب. شكراً أيها الإنسان الكبير.
