مارغريت ماكميلان
بروفيسورة التاريخ وعميدة كلية ترينيتي في جامعة تورنتو السابقة
TT

نظام عالمي جديد يتشكل

استمع إلى المقالة

عندما تقترب عاصفة، دائماً ما تسبقها إشارات تنذر بقدومها؛ فقد تهدأ الرياح فجأة، وينحسر المد إلى مسافة أبعد من المعتاد، وتنساب خيوط من السحب عبر السماء. ومن الممكن أن نسيء قراءة هذه الإشارات، أو حتى نتجاهلها كلية، ونصرّ على أن قطرات المطر ليست سوى زخات عابرة، إلى أن يفوت الأوان. عندها تبدأ المتاعب الحقيقية.

وما ينطبق على الطقس ينطبق كذلك على شؤون البشر؛ فقد تبدو أنظمة قوية إلى أن يتبين أنها لم تعد كذلك. وكثيراً ما يبدو من السهل التنبؤ بوقوع ثورات داخلية واضطرابات تعصف بالنظام الدولي - أمران كثيراً ما يسيران جنباً إلى جنب - بأثر رجعي، ومع ذلك لا يجري التنبؤ بهما في الوقت المناسب دائماً. ويأتي ذلك رغم أننا إذا دققنا النظر، فغالباً سنجد أن الإشارات كانت موجودة.

والذين منا يعيشون في كنف مجتمعات مستقرة ومنظمة نسبياً، تتملكهم الرغبة في تصديق أن - على غرار الدكتور بانغلوس العبثي في رواية «كانديد»، التي أبدعها فولتير، الذي يتعثر من كارثة إلى أخرى - «كل شيء يجري نحو الأفضل». قد نتذمر من الاقتصاد أو من احتمال اندلاع حرب أخرى بعيدة، أو نصغي باستحسان إلى أصوات راديكالية من أي من طرفي الطيف السياسي، لكننا لا نتوقع أبداً أن ينقلب عالمنا رأساً على عقب.

والأجدر بنا أن ننتبه إلى تحذير أطلقه كاتب فرنسي آخر؛ ففي رواية ألبير كامو «الطاعون»، التي كتبها بعد الحرب، تظهر الجرذان النافقة في شوارع مدينة وهران الجزائرية، ويتساقط الناس مرضى جراء الإصابة بمرض غامض... تتجاهل الحكومة المحلية ومعظم السكان هذه العلامات إلى أن يفوت الأوان.

وفي الرواية، يتحسر الراوي قائلاً: «لقد شهد التاريخ من الأوبئة بقدر ما شهد من الحروب، ومع ذلك دائماً ما تفاجئ الأوبئة والحروب الناس على حد سواء».

اليوم، تتفشى الجرذان النافقة من حولنا؛ فقد سجلت درجات الحرارة هذا الصيف أرقاماً قياسية جديدة، فقط لتحطمها أرقام أخرى بعدها، فيما اكتوت الأرض بالجفاف واشتعلت حرائق الغابات. وبالتزامن مع ذلك، تقترب ديون الاقتصادات المتقدمة من مستويات تاريخية غير مسبوقة، وتسببت قرارات تقليص المساعدات الطبية والغذائية، خصوصاً من قبل الولايات المتحدة، في وفيات كان يمكن تجنبها، وساعدت في تفشي أمراض، قد يتحول أحدها، عاجلاً أم آجلاً، إلى جائحة أخرى. وفي الوقت نفسه، يواصل الذكاء الاصطناعي صعوده السريع وغير المنظم، مهدداً الوظائف والأمن، بل ووجود البشر نفسه، بحسب التوقعات الأكثر تشاؤماً. في الوقت ذاته، تضرب القوى الساعية إلى تغيير موازين القوى، بالقواعد والأعراف عرض الحائط.

وسجل «برنامج أوبسالا لبيانات الصراعات»، العام الماضي، 65 نزاعاً قائماً بين دول، وهو الرقم الأعلى منذ عام 1946. واليوم، تجد القوى الكبرى نفسها غارقة في حروب غير متكافئة، مع دول تستفيد إلى أقصى حد من التقنيات الجديدة. على سبيل المثال، تدخل حرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا، التي كان من المفترض أن تُحسم خلال أيام، عامها الخامس. أما إيران، فقد تمكنت عبر طائرات مسيّرة رخيصة الإنتاج تتولى تصنيعها على نطاق واسع، من مهاجمة القوات الأميركية وحلفائها، وزعزعتها ممراً حيوياً من ممرات التجارة العالمية.

ومع أن اندلاع حرب عالمية ليس أمراً حتمياً، لكن خطر نشوب صراع كارثي بين قوى كبرى تمتلك ترسانات عسكرية ضخمة، أصبح اليوم أقرب مما كان عليه منذ عقود.

ومع ذلك، تظل الحقيقة أن ثمة عالماً جديداً قد حلّ علينا بسرعة مذهلة، وبدأ النظام العالمي، الذي بقي متماكساً طوال الجزء الأكبر من حياتنا، في التآكل، عندما شعر من كانوا جزءاً منه بقدر مفرط من الراحة والاطمئنان، وعندما أصبح هناك قدر كبير من التساهل - بل وحتى الاستحسان - تجاه أنماط السلوك الرديء. لقد دخلنا عصراً جديداً من الفوضى، وعلينا أن نعدّ أنفسنا لذلك.

عشية الثورة الفرنسية، كانت فرنسا، أعظم قوة برية في أوروبا، على الأرجح مفلسة، الأمر الذي يعود في الجزء الأكبر منه إلى المبالغ الهائلة التي اقترضتها للمساعدة في هزيمة البريطانيين خلال الثورة الأميركية. كما أن النخب الحاكمة المترفة والفاسدة فقدت بوصلتها، في حين كانت طبقة وسطى آخذة في النمو، لكنها محرومة من النفوذ السياسي، تطالب بالتغيير. وفي قاع المجتمع، كان العمال والفلاحون يواجهون خطر المجاعة، ويتملكهم اليأس يوماً بعد يوم. في الوقت ذاته، أخذت أفكار جديدة وقوية من عصر التنوير في الانتشار على نطاق واسع، بعضها جاء من الثورة الأميركية، حول حقوق الإنسان وأشكال جديدة للحكم تمنح السلطة لجزء من الشعب، على الأقل. إلا أن ملوك فرنسا وحاشيتهم أساءوا تقدير عمق السخط الشعبي، وافترضوا أن شيئاً لن يتمكن من زحزحة امتيازاتهم. وأثبت الوقت خطأهم؛ فقد أطيح النظام الملكي، وولدت جمهورية فوضوية عنيفة. وخلال أقل من عقد، أصبح نابليون إمبراطوراً.

بوجه عام، لا يوجد نمط واحد للتغيير الثوري، لكنّ القابعين في قمة أي نظام غالباً ما يفشلون في إدراك مدى هشاشته. وجاءت الثورة الروسية عام 1917 نتيجة للهزيمة في الخارج. ومع ذلك، أصرَّ القيصر نيقولا الثاني، رغم كل الأدلة، على أنه لا حاجة إلى إصلاحات، لأنَّ الروس ما زالوا يحبونه. وفي ألمانيا، خلال ثلاثينات القرن العشرين، دعت النخبُ هتلر إلى السلطة، معتقدة، على نحو خاطئ، أنها ستتمكن من استخدامه لمصلحتها، وأنَّ النظام القائم كان قوياً بما يكفي لتقييده والسيطرة عليه.

وكانت لكل واحدة من هذه الثورات تداعيات دولية عميقة. مثلاً، قاد نابليون فرنسا إلى الهيمنة على القارة، وحطم مؤسسات وأفكاراً قديمة. أما البلاشفة الذين استولوا على السلطة في روسيا، فقد تبنوا وروّجوا للأممية الثورية، وخاضوا حرباً على نطاق عالمي ضد الرأسمالية والدول الديمقراطية. كما أعاد هتلر تسليح ألمانيا، وغزا معظم أوروبا، وقتل اليهود وغيرهم، باسم ترسيخ الهيمنة الآرية.

ومع ذلك، تنجح الدول وقادتها أحياناً في قراءة المؤشرات في الوقت المناسب. وفي عشرينات القرن التاسع عشر، كانت الحكومة البريطانية تواجه ضغوطاً من الطبقات الوسطى، التي نشأت حديثاً بفعل الثورة الصناعية، لكنها كانت مستبعدة من المشاركة في صنع القرار السياسي. وكانت النخبة البريطانية، التي كانت واعية بالكارثة التي ألمت بفرنسا قبل فترة وجيزة، تدرك أنها بحاجة إلى التكيف من أجل البقاء. وجاء قانون الإصلاح الكبير لعام 1832 بمثابة صمام لتنفيس الضغوط؛ إذ وسّع حق الاقتراع بما يكفي لتفادي اشتعال أزمة أوسع نطاقاً.

من جهته، لطالما اعتمد النظام الدولي على دعم القوى الكبرى، وعلى تعاون عدد كافٍ من الدول الأصغر وقبولها به. ومع نهاية الحرب الباردة واختفاء الاتحاد السوفياتي، بدت الولايات المتحدة مستعدة لمواصلة أداء دور الضامن للنظام، الذي نشأ بعد عام 1945. بيد أنه في عهد الرئيس ترمب، لم يعد الأمر كذلك.

إنه عالم يتزايد فيه ضعف القدرة على التنبؤ، ونصبح فيه، بدرجة أكبر بكثير مما توقعنا، رهائن لأهواء قادتنا، الذين باتوا أقل خضوعاً للأطر التنظيمية الخارجية.

* بروفسورة التاريخ وعميدة كلية ترينيتي

في جامعة تورنتو سابقاً

* خدمة «نيويورك تايمز»